خطبة عن «مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ»
أكتوبر 13, 2026خطبة عن (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)
أكتوبر 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الْبَصَرُ وَالْبَصِيرَةُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (104) الأنعام، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (203) الأعراف، وقال تعالى: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (20) الجاثية، وقال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (108) يوسف، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (46) الحج.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- حول (الْبَصَرُ وَالْبَصِيرَةُ): فإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْعَمَ عَلَى الإِنْسَانِ بِنِعَمٍ عِظَامٍ، وَجَلائِلَ مِنَ المَوَاهِبِ وَالإِكْرَامِ، لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى،
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ النِّعَمِ: جَارِحَةَ الْبَصَرِ، الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا المَادَّياتِ وَالمَحْسُوسَاتِ، وَقُوَّةَ الْبَصِيرَةِ الَّتِي يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلالِ.
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَخْلِطُونَ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وَلا يُدْرِكُونَ الفَرْقَ الدَّقِيقَ بينهما، بَيْنَ حَاسَّةِ البَصَرِ وَنُورِ البَصِيرَةِ.
فَالْبَصَرُ: هُوَ نُورُ الْعَيْنِ، وَالْحَاسَّةُ الظَّاهِرَةُ، الَّتِي نَرَى بِهَا الأَشْكَالَ، وَالأَلْوَانَ، وَالأَجْسَامَ، فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ نِعْمَةٌ جَسَدِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ حَاسَّةُ البَصَرِ فِي بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ أَقْوَى وَأَحَدَّ مِنْهَا عِنْدَ الإِنْسَانِ؛ فَالصَّقْرُ يُبْصِرُ مِنْ مَسَافَاتٍ شَاسِعَةٍ، وَبعض الْحَيَوَانَات تَرَى فِي الظَّلامِ المُطْلَقِ، ولَكِنَّ هَذَا الْبَصَرَ الحاد، لا يَجْعَلُ مِنْهَا كَائِنَاتٍ مُكَلَّفَةً، أَوْ مَسْؤُولَةً.
أَمَّا الْبَصِيرَةُ: فَهِيَ نُورُ الْقَلْبِ، وَعَقْلُ الْفُؤَادِ، وَقُوَّةٌ إِيمَانِيَةٌ إِشْرَاقِيَّةٌ، يَقْذِفُهَا اللَّهُ فِي قَلْبِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، يُبْصِرُ بِهَا حَقَائِقَ الأُمُورِ، وَيَنْفُذُ بِهَا مِنْ ظَوَاهِرِ الخَلْقِ، إِلَى بَوَاطِنِ الْحَقَائِقِ، وَيَسْتَشِفُّ بِهَا العَوَاقِبَ وَالمَآلاتِ.
فالْبَصَرُ: يَقِفُ عِنْدَ القِشْرَةِ وَالظَّاهِرِ، بَيْنَمَا الْبَصِيرَةُ: تَنْفُذُ إِلَى اللُّبِّ وَالْبَاطِنِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
إِنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ المِعْيَارُ الْحَقِيقِيُّ، وَالمِقْيَاسُ الأَصِيلُ لإِنْسَانِيَّةِ الإِنْسَانِ؛ فَبِدُونِ الْبَصِيرَةِ يَفْقِدُ الإِنْسَانُ جَوْهَرَ كَرَامَتِهِ، وَيَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ التَّكْرِيمِ الإِلَهِيِّ، لِيَلْتَحِقَ بِمَرْتَبَةِ الأَنْعَامِ، بَلْ يَكُونُ أَضَلَّ سَبِيلاً.
فتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى، فِي وَصْفِ مَنْ عُطِّلَتْ بَصَائِرُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْصَارُهُمْ حَادَّةً، قال تعالى :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:179].
سُبْحَانَ اللَّهِ!، كَيْفَ نَفَى اللَّهُ عَنْهُمُ الأَبْصَارَ، وَالآذَانَ، وَالْقُلُوبَ، مَعَ وُجُودِ جَوَارِحِهَا وَحَوَاسِّهَا؟ ،لأَنَّهُمْ لَمْ يُعْمِلُوهَا فِي الغَايَةِ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْ أَجْلِهَا، وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهَا فِي الاِهْتِدَاءِ لِلْحَقِّ، وَمَعْرِفَةِ الخَالِقِ سبحانه وتعالى.
فَبِلَا بَصِيرَةٍ: يُصْبِحُ الجَسَدُ هَيْكَلاً خَاوِيًا، وَتَتَحَوَّلُ الحَوَاسُّ إِلَى أَدَوَاتٍ بَهِيمِيَّةٍ، لا تَتَجَاوَزُ مُتَعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَكَمَا أَنَّنَا فِي عَالَمِ المَادَّةِ، لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُبْصِرَ بِأَعْيُنِنَا فِي الظَّلامِ الدَّامِسِ، مَهْمَا كَانَتْ أَعْيُنُنَا سَلِيمَةً -أَيْ إِنَّ الْعَيْنَ بِلا نُورٍ خَارِجِيٍّ- لا قِيمَةَ لَهَا-
فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ وَالْقَلْبُ؛ إِذَا انْطَفَأَ عَنْهُمَا نُورُ الْوَحْيِ، وَالْبَصِيرَةِ، انْغَمَسَ الإِنْسَانُ فِي ظُلُمَاتِ الشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَتَوَرَّطَ فِي التَّشْخِيصِ الْخَاطِئِ لِلأَشْخَاصِ، وَالأُمُورِ، وَالأَحْدَاثِ.
فَتراه يَرَى المَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَالمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، وَيَرَى الصَّادِقَ خَائِنًا، وَالْخَائِنَ أَمِينًا، وَيُمَجِّدُ المُفْسِدِينَ وَيُعَادِي المُصْلِحِينَ، ويَنْظُرُ إِلَى المَظَاهِرِ الْبَرَّاقَةِ فَيَنْخَدِعُ بِهَا، وَيَغْفُلُ عَنِ المَقَاصِدِ وَالْغَايَاتِ،
وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ الْحَاسِمُ، بَيْنَ إِنْسَانٍ صَاحِبِ وَعْيٍ وَبَصِيرَةٍ، يَزِنُ الأُمُورَ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَآخَرَ عَدِيمِ الْبَصِيرَةِ، تَعْبَثُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَتَقُودُهُ الشَّائِعَاتُ وَالتَّضْلِيلُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ العَمَى الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ هُوَ انْحِجَابَ النُّورِ عَنِ العَيْنَيْنِ، بَلْ هُوَ انْحِجَابُ نُورِ الحَقِّ عَنِ القَلْبِ. فَقَدْ يَفْقِدُ المَرْءُ بَصَرَهُ الظَّاهِرَ، فَيَعِيشُ فِي ظَلامِ العَمَى الجَسَدِيِّ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ بَصِيرَةً نَفَّاذَةً، يَرَى بِهَا نُورَ التَّوْحِيدِ، وَالْحَقِّ، فَيَكُونُ مَنَارَةً لِلْهُدَى.
وَكَمْ مِنْ أَعْمَى الْبَصَرِ فِي تَارِيخِنَا، كَانَ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ، وَقَائِدًا فِي الحِكْمَةِ، وَنُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ،
أَمَّا فَاِقِدُ الْبَصِيرَةِ، فَلَوْ كَانَ حَادَّ الْبَصَرِ كَالصَّقْرِ، يَرَى النَّمْلَةَ السَّودَاءِ، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَلَنْ يُبْصِرَ الْحَقَائِقَ الإِلَهِيَّةَ الأَزَلِيَّةَ، وَلَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ.
فَلَيْسَ الأَعْمَى مَنْ فَقَدَ بَصَرَهُ، وَإِنَّمَا الأَعْمَى حَقًّا مَنْ فَقَدَ بَصِيرَتَهُ!.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ مُبَيِّنًا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الخَالِدَةَ:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46].
وَانْظُرُوا كَيْفَ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْعَمَى الإِيمَانِيِّ، الَّذِينَ انْغَمَسُوا فِي عُلُومِ الدُّنْيَا وَمَادِيَّاتِهَا ، مَعَ عَمَى بَصَائِرِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:7].
فَهُمْ يَعْلَمُونَ دَقَائِقَ المَادَّةِ، وَقَوَانِينَ الْفِيزْيَاءِ، وَعُلُومَ الهَنْدَسَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَلَكِنَّهُمْ غَافِلُونَ عَنْ غَايَةِ وُجُودِهِمْ، وَعَنْ المَصِيرِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُمْ بَعْدَ المَوْتِ، فَهَلْ يُغْنِي عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ شَيْئًا، إِذَا كَانَتْ الْبَصِيرَةُ مَطْمُوسَةً؟؟؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا القُرْآنَ العَظِيمَ، لِيَكُونَ هُوَ مَؤَلِّفَ الْبَصَائِرِ، وَمصبِاحَ القُلُوبِ، وَنُورَ الأَرْوَاحِ، الَّذِي يُخْرِجُ الْبَشَرِيَّةَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ القُرْآنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ بِـ (الْبَصَائِرِ)، لأَنَّهُ يَفْتَحُ أَعْيُنَ القُلُوبِ الغُلْفِ، وَيُزِيلُ الرَّانَ وَالْغِشَاوَةَ عَنْ الأَفْئِدَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام : 104].
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ الاِبْصَارَ وَالْعَمَى، نَتِيجَةً لِمَوْقِفِ الإِنْسَانِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فَمَنْ فَتَحَ قَلْبَهُ لِبَصَائِرِ الْقُرْآنِ، نَفَعَ نَفْسَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ، فَإِنَّمَا يَضُرُّ نَفْسَهُ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:20].
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:203].
فَالْقُرْآنُ الكَرِيمُ هُوَ كِتَابُ الْبَصَائِرِ المُطْلَقَةِ؛ كُلُّ آيَةٍ فِيهِ هِيَ بَصِيرَةٌ فِي بَابِهَا: بَصِيرَةٌ فِي التَّوْحِيدِ، بَصِيرَةٌ فِي الأخْلاقِ، بَصِيرَةٌ فِي التَّشْرِيعِ، وَبَصِيرَةٌ فِي فَهْمِ حَقِيقَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ أَبْصَرَ طَرِيقَ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَجَعَلَهُ وَرَاءَهُ ظِهْرِيًّا، عَمِيَ فِي غَيَاهِبِ الضَّلالِ وَالتِّيهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (الْبَصَرُ وَالْبَصِيرَةُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الأَزْمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الكُبْرَى، الَّتِي تُعَانِي مِنْهَا الْبَشَرِيَّةُ المُعَاصِرَةُ، فِي هَذَا الزَّمَنِ، لَيْسَتْ أَزْمَةَ عِلْمٍ، وَلا أَزْمَةَ مَعْرِفَةٍ، وَلا أَزْمَةَ ثَوْرَةٍ تِكْنُولُوجِيَّةٍ، أَوْ مَادِيَّةٍ؛ بَلْ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ أَزْمَةُ بَصِيرَةٍ ، فقد أصابها: (عَمَى الْبَصِيرَةِ)!.
لَقَدْ وَصَلَ الإِنْسَانُ المُعَاصِرُ إِلَى ذُرَى الْعِلْمِ المَادِّيِّ التَّطْبِيقِيِّ، وَاكْتَشَفَ أَسْرَارَ الذَّرَّةِ، وَغَزَا الْفَضَاءَ، وَطَوَّرَ الذَّكاءَ الاصْطِنَاعِيَّ، وَثَوْرَةَ المَعْلُومَاتِ، وَلَكِنَّهُ فِي مِيزَانِ الْهِدَايَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالأَخْلاقِ الإِنْسَانِيَّةِ، يَعِيشُ فِي عَمًى جَاهِلِيٍّ مُطْبِقٍ!.
فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ مُتَفَوِّقٍ فِي نُظُرِيَّاتِ الْفِيزِيَاءِ، أَوْ الطِّبِّ، أَوْ الْفَلَكِ، يَحْمِلُ أَعْلَى الشَّهَادَاتِ الْعَالَمِيَّةِ فِي أَرْقَى الْجَامِعَاتِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكُ فِي جَانِبِ الإِيمَانِ بَاللَّهِ يَسْجُدُ لِصَنَمٍ حَجَرِيٍّ، أَوْ يَعْبُدُ بَقَرَةً فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، أَوْ يَخْشَعُ لِحَشَرَةٍ، أَوْ شَجَرَةٍ، أو غير ذلك!.
وَمِنْهُمْ مَنْ سَخَّرَ عِلْمَهُ وَذَكَاءَهُ لِعِبَادَةِ هَوَاهُ، أَوْ جَمْعِ مَالِهِ، أَوْ تَقْدِيسِ وَظِيفَتِهِ، أَوْ زَوْجَتِهِ، فَجَعَلَ هَذِهِ المَادَّياتِ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ تعبد؛ يَحْيَى لَهَا، وَيُعَادِي مِنْ أَجْلِهَا، وَيَمُوتُ عَلَيْهَا!.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ المُتَكَرِّرَةِ عَبْرَ العُصُورِ:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:23].
فتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؛ فَالْعِلْمُ المَادِّيُّ وَحْدَهُ، دُونَ بَصِيرَةٍ إِيمَانِيَّةٍ، لا يَقِي صَاحِبَهُ مِنَ الضَّلالِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ وَبَالاً عَلَيْهِ!،
فَالْعِلْمُ أَدَاةٌ، وَالْبَصِيرَةُ هِيَ المُوَجِّهُ، فإِذَا تَوَفَّرَتِ الأدَاةُ، وَغَابَ المُوَجِّهُ، كَانَتِ النَّتِيجَةُ الدَّمَارَ وَالْخَرَابَ المَنَظَّمَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمَا خَسِرَتِ الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةُ مَكَانَتَهَا بَيْنَ الأُمَمِ، وَمَا فَقَدَتْ رِيَادَتَهَا، وَقِيَادَتَهَا لِلْحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، إِلا يَوْمَ أَنْ ضَعُفَتْ بَصِيرَتُهَا، بِتَخَلِّيهَا عَنْ كِتَابِ رَبِّهَا، وَسُنَّةِ نَبِيِّهَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فانْشَغَلَتْ بِالْخِلافَاتِ الْجَانِبِيَّةِ، وَوَقَعَتْ فِي الْفِتَنِ المُظْلِمَةِ، لأَنَّهَا طَمَسَتْ مَشَاعِلَ الْبَصِيرَةِ، الَّتِي تَرَكَهَا لَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
إن هَذَا النَّبِيّ الكَرِيم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْلِنَ مَنْهَجَهُ بِوُضُوحٍ، فَقَالَ له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108].
فَالْبَصِيرَةُ: هِيَ شعَارُ الأَتْبَاعِ الْحَقِيقِيِّينَ لِلرَّسُولِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فَمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ عَلَى جَهْلٍ، أَوْ أَهْوَاءٍ، فَلَيْسَ عَلَى جَادَّةِ الْبَصِيرَةِ.
أَيُّهَا المؤمنون
وإِذَا كَانَتِ الْبَصِيرَةُ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ الْعَلِيَّةِ، وَكَانَتْ هِيَ النُّورَ الَّذِي نَسْتَضِيءُ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْفِتَنِ، فَمَا هِيَ أَهَمُّ الطُّرُقِ وَالْوَسَائِلِ لِتَقْوِيَةِ الْبَصِيرَةِ، وَإِنَارَةِ الْقَلْبِ؟، والجواب:
أولا: إِخْلاصُ التَّوْحِيدِ لله، وَتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ: فَالتَّقْوَى هِيَ المِفْتَاحُ الأَعْظَمُ لِلنُّورِ الإِلَهِيِّ فِي الْقَلْبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، أَيْ نُورًا وَبَصِيرَةً، تُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي المُدْلَهِمَّاتِ، وَكَلَّمَا زَادَتِ التَّقْوَى، زَادَ وُضُوحُ الرُّؤْيَةِ.
ثانيا: الإِقْبَالُ الصَّادِقُ عَلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ، تَدَبُّرًا وَعَمَلاً: فَالْقُرْآنُ هُوَ النَّبْعُ الصَّافِي لِلْبَصَائِرِ؛ كُلَّمَا زَادَ حَظُّ العَبْدِ مِنْهُ تِلاوَةً، وَفَهْمًا، وَتَطْبِيقًا، اتَّسَعَتْ بَصِيرَتُهُ، وَأَبْصَرَ مِنْ حَقَائِقِ الكَوْنِ، وَالدِّينِ، مَا لا يُبْصِرُهُ الغَافِلُونَ.
ثالثا: غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ المَحَارِمِ وَالشَّهَوَاتِ: فَإِنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ فَمَنْ كَفَّ بَصَرَهُ الظَّاهِرَ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، أَطْلَقَ اللَّهُ نُورَ بَصِيرَتِهِ الْبَاطِنَةِ. يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحَارِمِ، أَعْوَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِطْلاقَ نُورِ بَصِيرَتِهِ، وَفَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ”.
رابعا: دَوَامُ الذِّكْرِ وَالاسْتِغْفَارِ، وَإِصْلاحُ القَلْبِ: فَإِنَّ الذُّنُوبَ وَالمَعَاصِي تُغَطِّي القَلْبَ بِالرَّانِ، فَتَطْمِسُ نُورَهُ، وَتُعْمِي بَصِيرَتَهُ، وَالذِّكْرُ المُتَوَاصِلُ يَجْلُو صَدَأَ القَلْبِ، وَيُعِيدُ إِلَيْهِ إِشْرَاقَهُ.
خامسا: مُجَالَسَةُ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَأَهْلِ الْبَصَائِرِ: فَالْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ، وَمُخَالَطَةُ أَهْلِ الْوَعْيِ وَالْحِكْمَةِ تُكْسِبُ القَلْبَ نُورًا، وَتَمْنَحُ الْعَقْلَ سَدَادًا وَرَشَادًا، وَتَقِي الإِنْسَانَ مِنْ الِانْخِدَاعِ بِأَهْوَاءِ أَهْلِ الزَّيْغِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاحْرِصُوا عَلَى عِمَارَةِ قُلُوبِكُمْ بِنُورِ الإِيمَانِ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ رَبِّكُمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ؛ لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، الْفَائِزِينَ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ.
الدعاء
