خطبة عن (الْبَصَرُ وَالْبَصِيرَةُ)
أكتوبر 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (29) آل عمران، وقال تعالى: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (7) طه، وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ” أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قوله تعالى: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ): فهَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مُخَادِعٍ لِنَفْسِهِ، وَتَضَعُ المُؤْمِنَ أَمَامَ الحَقِيقَةِ الكُبْرَى؛ وَهِيَ أَنَّ “مَلِكَ المُلُوكِ” لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَسْتُورٌ، وَلَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ مَكْنُونٌ، سَوَاءٌ أَسْرَرْتَ الفِكْرَةَ فِي نَفْسِكَ، أَوْ نَطَقْتَ بِهَا بِلِسَانِكَ، أَوْ جَعَلْتَهَا نِيَّةً فِي قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ أَحَاطَ بِهَا، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، فالإِنْسَانُ قَدْ يَسْتُرُ عُيُوبَهُ عَنِ الخَلْقِ، بِجَمِيلِ اللِّبَاسِ وَحَسَنِ الكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ “عَارٍ” أَمَامَ خَالِقِهِ،
فهَذَا اليَقِينُ بِأَنَّ اللهَ “يَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ” هُوَ مِعْيَارُ التَّقْوَى الحَقِيقِيِّ؛ فَمَنِ اسْتَحَى مِنْ نَظَرِ اللهِ إِلَى قَلْبِهِ، طَهَّرَ ذَلِكَ القَلْبَ مِنَ الغِلِّ، وَالحَسَدِ، وَالنِّيَّاتِ الفَاسِدَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَفَكَّرُوا فِي قَوْلِهِ تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}؛ فهَذَا الرَّبُّ العظيم، الذِي يُدَبِّرُ المَجَرَّاتِ، وَيَحْفَظُ السَّمَاوَاتِ، وَيَعْلَمُ عَدَدَ حَبَّاتِ الرِّمَالِ، كَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ خَاطِرٌ مَرَّ بِبَالِكَ؟ وإِنَّ المُرَادَ مِنْ هَذَا العِلْمِ هُوَ “التَّرْهِيبُ” مِنَ المَعْصِيَةِ فِي الخَفَاءِ، وَ “التَّرْغِيبُ” فِي إِصْلَاحِ السَّرَائِرِ.
والمُسْلِمُ الذِي يَعِيشُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَكُونُ صَادِقاً مَعَ نَفْسِهِ؛ فَلَا يُظْهِرُ النُّصْحَ، وَهُوَ يُبْطِنُ الغِشَّ، وَلَا يُظْهِرُ المَحَبَّةَ، وَهُوَ يُبْطِنُ العَدَاوَةَ.
وإِنَّ نَجَاحَ المُجْتَمَعِ: يَبْدَأُ مِنْ “طَهَارَةِ الصُّدُورِ”؛ فَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ تَفَقُّدِ قُلُوبِنَا؟، وَهَلْ نَحْنُ رَاضُونَ عَمَّا يَرَاهُ اللهُ فِيهَا الآنَ؟؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ مِنَ المَخَاطِرِ العَظِيمَةِ: أَنْ يَنْشَغَلَ العَبْدُ بِـ “تَحْسِينِ الظَّاهِرِ” لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَيَتْرُكَ “البَاطِنَ” خَراباً، وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرِ اللهِ، فكَمْ مِمَّنْ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَقَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالدُّنْيَا، وَكَمْ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ، وَنِيَّتُهُ طَلَبُ الشُّهْرَةِ!، فاللهُ سبحانه يَفْضَحُ هَذِهِ النِّيَّاتِ بِقَوْلِهِ: {يَعْلَمُهُ اللَّهُ}. هَذَا العِلْمُ يَعْنِي “المُحَاسَبَةَ“؛ فَكُلُّ خَطْرَةٍ سَيُجَازَى عَلَيْهَا العَبْدُ.
والعلم أن الإِخْلَاص: هُوَ أَنْ تَسْتَوِيَ أَفْعَالُكَ، فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ سِرُّكَ أَعْمَرَ بِالطَّاعَةِ مِنْ جَهْرِكَ، ومَنْ عَظَّمَ اللهَ، هَانَ عِنْدَهُ نَظَرُ المَخْلُوقِينَ، وَصَارَ هَمُّهُ أَنْ يَرَى اللهُ فِي قَلْبِهِ نِيَّةً صَالِحَةً، وَعَزِيمَةً صَادِقَةً.
(قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ): فلِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ رَقِيباً عَلَى أَلْسِنَتِنَا، وَتَصَرُّفَاتِنَا؛ فَالذِي يَعْلَمُ مَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ، سَيُظْهِرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى الجَوَارِحِ، فإِنَّ اللهَ “قَدِيرٌ” عَلَى كَشْفِ المَسْتُورِ، وَعَلَى جَزَاءِ الشَّكُورِ، ومَنْ أَخْفَى عَمَلًا صَالِحًا، أَظْهَرَ اللهُ لَهُ ذِكْرًا حَسَنًا، وَمَنْ أَخْفَى سُوءًا، لَا مَلْجَأَ لَهُ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
فعُودُوا إِلَى رِحَابِ المُرَاقَبَةِ، وَطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَاجْعَلُوا نِيَّاتِكُمْ خَالِصَةً لِوَجْهِهِ؛ لِتَكُونُوا مِمَّنْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَمَا طَابَتِ الحَيَاةُ، إِلَّا لِمَنْ طَابَتْ سَرِيرَتُهُ، وَزَكَتْ بَصِيرَتُهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق:9]. وَفي الصحيح: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يُوضَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ” [رواه البخاري].
فإِنَّ “يَوْمَ السَّرَائِرِ” هُوَ يَوْمُ الانْكِشَافِ الكَبِيرِ؛ حَيْثُ يَصِيرُ مَا كَانَ مَخْفِيّاً فِي الصُّدُورِ، ظَاهِراً لِلْعُيُونِ، فَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ، أَشْرَقَ عَلَى الوَجْهِ نُوراً، وَمَا كَانَ مِنْ سُوءٍ، ظَهَرَ عَلَى الوَجْهِ ظُلْمَةً، وإِنَّ الذِي يَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ اليَوْمَ، هُوَ الذِي سَيُحَاسِبُ عَلَيْهَا غَداً.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي بَوَاطِنِكُمْ؛ فَهِيَ مَحَلُّ سَكَنِ الإِيمَانِ، أَوْ مَأْوَى الشَّيْطَانِ، فطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ بِالاسْتِغْفَارِ ،وَاجْعَلُوا رَجَاءَكُمْ فِيمَا عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ، فمَنْ رَاقَبَ اللهَ فِي سِرِّهِ، حَفِظَهُ اللهُ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7].
وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ”.
فإِنَّ مَوَازِينَ العِلْمِ عِنْدَ البَشَرِ، تَقِفُ عِنْدَ مَحْدُودِ المَسْمُوعِ وَالمَرْئِيِّ، أَمَّا عِنْدَ خَالِقِ القُوَى وَالقُدَرِ، فَإِنَّ الجَهْرَ بِالقَوْلِ وَالسِّرَّ المَكْتُومَ بَلْ وَمَا هُوَ “أَخْفَى مِنَ السِّرِّ” سَوَاءٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ الذِي تُسِرُّهُ لِغَيْرِكَ، وَيَعْلَمُ أَخْفَى، وَهُوَ مَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَشَرٌ.
بَلْ قَالُوا فِي التَّفْسِيرِ: يَعْلَمُ مَا سَتُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ فِي المُسْتَقْبَلِ وَمَا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} فإِنَّ هَذَا الإِحَاطَةَ الإِلَهِيَّةَ، تَجْعَلُ العَبْدَ يَقِفُ مَبْهُوتاً، أَمَامَ عَظَمَةِ هَذَا الإِلَهِ؛ فَكَيْفَ يَجْرُؤُ مَخْلُوقٌ، عَلَى عِصْيَانِ مَنْ يَعْلَمُ خَطَرَاتِ قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ تَرْتَسِمَ؟، وَكَيْفَ يَقْنَطُ، مَنْ يَعْلَمُ رَبُّهُ حَاجَتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا لِسَانُهُ؟.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي أَثَرِ هَذَا اليَقِينِ عَلَى “أَدَبِ الدُّعَاءِ”؛ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى صِيَاحٍ في دعائه، أَوْ جَهْرٍ يُزْعِجُ النَّفْسَ،
ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ». قَالَ وَأَنَا خَلْفَهُ وَأَنَا أَقُولُ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ». فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُلْ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}: فعِلْمُ اللهِ بِـ “أَخْفَى” يَجْعَلُكَ تَبُثُّ شَكْوَاكَ بِيَقِينِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ يَسْمَعُ أَنِينَ قَلْبِهِ الصَّامِتِ، وهَذَا المَقَامُ يُورِثُ “الإِخْبَاتَ”؛ فَتَجِدُ المُسْلِمَ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ هَوْناً، وَيَتَحَدَّثُ رِفْقاً، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ المَسْأَلَةَ لَيْسَتْ بِقُوَّةِ الصَّوْتِ، بَلْ بِصِدْقِ القَلْبِ الذِي يَعْلَمُهُ اللهُ.
ومِمَّا يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْهُ هُوَ “تَنَاقُضُ الظَّاهِرِ مَعَ المَخْفِيِّ“؛ فَالذِي يَجْهَرُ بِقَوْلِ الخَيْرِ أَمَامَ النَّاسِ، وَيُخْفِي فِي صَدْرِهِ نِيَّةَ السُّوءِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}: فاللهُ يُحَذِّرُنَا بِأَنَّهُ يَعْلَمُ “أَخْفَى”؛ لِنُطَهِّرَ دَوَاخِلَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ، فكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ جَمِيلَةٍ تُقَالُ، وَخَلْفَهَا قَلْبٌ كَالحَجَرِ!، وَكَمْ مِنْ فِعْلٍ بَسِيطٍ، يَرَاهُ النَّاسُ صَغِيراً، وَقَدْ مَلأَهُ الإِخْلَاصُ، حَتَّى صَارَ عِنْدَ اللهِ كَالجَبَلِ!.
فالعِبْرَةُ بِمَا يَعْلَمُهُ اللهُ مِنْ صِدْقِكَ، لَا بِمَا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْ جَهْرِكَ، فمَنْ رَاقَبَ “أَخْفَى” فِي سَرِيرَتِهِ، اسْتَقَامَ لَهُ أَمْرُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}: فلِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ حَافِزاً لِلثَّبَاتِ عِنْدَ المَصَائِبِ؛ فَإِذَا ظُلِمْتَ، وَلَمْ تَسْتَطِعِ الجَهْرَ بِحَقِّكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّ مَظْلَمَتِكَ، بَلْ وَيَعْلَمُ مَا هُوَ أَخْفَى مِنْ ذَلِكَ، مِمَّا لَا تَقْدِرُ عَلَى وَصْفِهِ، وهَذَا العِلْمُ الإِلَهِيُّ، هُوَ الذِي مَنَحَ الثَّبَاتَ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأَنَّهُمْ آمنُوا أَنَّ قَضِيَّتَهُمْ مَعْرُوضَةٌ، فِي مَحْكَمَةِ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.
فطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ، وَاسْتَحْيُوا مِنْ نَظَرِ مَنْ يَعْلَمُ خَفِيَّاتِ النُّفُوسِ، وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ تَبُثُّ الخَيْرَ، وَقُلُوبَكُمْ تَنْطِوِي عَلَى الصَّفَاءِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَرْحَمَنَا، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ حُفَاةً عُرَاةً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَول اللَّه تَعَالَى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19]. فإِنَّ “الخَفَاءَ” عِنْدَنَا، هُوَ “جَهْرٌ” عِنْدَ اللهِ، فحِينَ تَنْظُرُ نَظْرَةً خَاطِفَةً إِلَى حَرَامٍ، وَتَظُنُّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يَرَكَ، تَذَكَّرْ:
{فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}. فالإِيمَانُ بِعِلْمِ اللهِ بِأَخْفَى الأُمُورِ، هُوَ الذِي يُهَذِّبُ الضَّمِيرَ البَشَرِيَّ، فلَا يَكُونُ المُسْلِمُ صَالِحاً، حَتَّى يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ رَقِيبُ البَشَرِ وَعَدَمُهُ.
فلِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ دَافِعاً لِلْإِخْلَاصِ؛ فَمَا دَامَ اللهُ يَعْلَمُ سِرَّكَ، فَاجْعَلْ سِرَّكَ أَجْمَلَ مِنْ عَلَانِيَتِكَ، وهَذَا هُوَ حَالُ أَهْلِ الجَنَّةِ، الذِينَ خَشُوا الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وَجَاءُوا بِقَلْبٍ مُنِيبٍ،
قال تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (31): (35) ق.
( الدعاء )
