خطبة عن (قيمةُ الشبابِ، ومكانتُهُ في الإسلامِ)
أكتوبر 10, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيّ لِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:1-8).
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ لِقِصَارِ سُوَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، يُجَلِّي المَقَاصِدَ الإِيمَانِيَّةَ العُظْمَى، الَّتِي تَزْرَعُ فِي القُلُوبِ اليَقِينَ، وَتَبْنِي فِي النُّفُوسِ مَعَايِيرَ الحِسَابِ الدَّقِيقِ.
وَإِنَّ سُورَةَ «الزَّلْزَلَةِ» هِيَ إِحْدَى السُّوَرِ المَكِّيَّةِ الجَلِيلَةِ، الَّتِي تَهَزُّ أَرْكَانَ الغَفْلَةِ فِي النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وَتُعَالِجُ قَضِيَّةَ المَعَادِ، وَمَشَاهِدَ الانْقِلاَبِ الكَوْنِيِّ، وَدِقَّةَ المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَيَتَجَلَّى المَحْوَرُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ المَبَارَكَةِ فِي بَيَانِ: «هَوْلِ الزَّلْزَلَةِ الكُبْرَى لِلأَرْضِ، وَشَهَادَتِهَا عَلَى أَعْمَالِ العِبَادِ، ثُمَّ انْقِسَامِ النَّاسِ لِلْحِسَابِ عَلَى دِقَّةِ المِثْقَالِ وَالذَّرَّةِ».
وَقَدِ اسْتَفْتَحَتِ السُّورَةُ بِالشَّرْطِ المَهِيبِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾؛ أَيْ حُرِّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ الاِضْطِرَابَ العَظِيمَ، اللائِقَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وَهَوْلِ المَوْقِفِ، حَتَّى تَتَشَقَّقَ وَتَنْدَكَّ مَعَالِمُهَا.
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾؛ أَيْ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ المَوْتَى، وَالكُنُوزِ، وَالدَّفَائِنِ، فَصَارَتْ حَافِيَةً، خَاوِيَةً، فَيَقُولُ الإِنْسَانُ المَذْهولُ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ وَالحَيْرَةِ:
﴿مَا لَهَا﴾؛ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ حَدَثَ لِهَذِهِ الأَرْضِ الثَّابِتَةِ المُمَهَّدَةِ، حَتَّى اضْطَرَبَتْ هَذَا الاِضْطِرَابَ؟. فَيَأْتِي الجَوَابُ بِبَيَانِ شَهَادَةِ المَكَانِ:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾؛ أَيْ تُخْبِرُ الأَرْضُ، وَتَشْهَدُ بِمَا عُمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، بِأَمْرِ اللَّهِ لَهَا وَإِذْنِهِ، لِيَكُونَ المَكَانُ الَّذِي عَصَى فِيهِ العَبْدُ أَوْ أَطَاعَ، هُوَ نَفْسُهُ الشَّاهِدُ عَلَيْهِ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا» (رواه الترمذي والنسائي).
ثُمَّ تَكْشِفُ السُّورَةُ عَنْ مَشْهَدِ الصُّدُورِ وَالانْصِرَافِ:
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أَيْ: يَرْجِعُونَ مِنْ مَوْقِفِ الحِسَابِ فِرَقاً وَفِرَقاً، مُتَفَرِّقِينَ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ، وَمَصَائِرِهِمْ، فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، لِيَرَوا جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ مُجَسَّماً مَكْشُوفاً.
ثُمَّ خُتِمَتْ السُّورَةُ بِأَعْظَمِ قَانُونٍ فِي العَدْلِ الإِلَهِيِّ، وَأَدَقِّ مِعْيَارٍ لِلْحِسَابِ:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؛ لِتُقَرِّرَ أَنَّ أَقَلَّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ لاَ يَضِيعُ، وَأَنَّ أَقَلَّ القَلِيلِ مِنَ الشَّرِّ لاَ يُنْسَى، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ مَحْصُورٌ فِي كِتَابٍ، لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا.
قال مالك : بلغني أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها، ويعجب، فقالت عائشة :أتعجب؟، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي الصحيحين: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ».
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وقَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ:
«قَوْلُهُ: (تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) أَيْ تُخْبِرُ الأَرْضُ بِمَا عَمِلَ العَامِلُونَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَقَوْلُهُ: (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا) أَيْ يَرْجِعُونَ عَنْ المَوْقِفِ أَنْوَاعاً مُتَفَرِّقِينَ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ،
وَقَوْلُهُ: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) أَيْ: يَرَ زَهَاءَهُ وَجَزَاءَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي كِتَابِهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ:
«السُّورَةُ فِيهَا إِثْبَاتُ البَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَأَنَّ الأَرْضَ تَشْهَدُ عَلَى بَنِي آدَمَ بِمَا عَمِلُوا عَلَى ظَهْرِهَا، وَفِيهَا حَثٌّ عَالٍ عَلَى أَنْ لاَ يَزْدَرِيَ العَبْدُ شَيْئاً مِنَ الخَيْرِ وَإِنْ صَغُرَ، وَلاَ يَسْتَهِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرِّ وَإِنْ دَقَّ، فَإِنَّ المِيزَانَ يَوْمَئِذٍ بِالذَّرَّةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ:
«فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَعْظَمُ الدَّلاَلَةِ عَلَى إِحْصَاءِ الأَعْمَالِ كُلِّهَا دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا، وَأَنَّ العَدْلَ الإِلَهِيَّ يَسَعُ المِثْقَالَ وَالذَّرَّةَ، فَلاَ يُظْلَمُ مُؤْمِنٌ حَسَنَةً وَلاَ يُزَادُ عَلَى مُسِيءٍ سَيِّئَةٌ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ:
«سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ جَمَعَتِ الدِّينَ كُلَّهُ فِي آيَتَيْنِ؛ فَلاَ يَقَعُ فِي العَالَمِ حَرَكَةٌ وَلاَ سَكَنَةٌ إِلاَّ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ مِثْقَالِ الذَّرَّةِ خَيْراً أَوْ شَرّاً، وَهِيَ المِقْيَاسُ الَّذِي يَزِنُ بِهِ العَاقِلُ كُلَّ خَطْوَةٍ مِنْ خَطَوَاتِ حَيَاتِهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَحْوَرَ المَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ:
أَوَّلاً: أَنَّ انْقِلاَبَ الكَوْنِ حَقٌّ، وَأَنَّ الأَرْضَ سَتَسْتَفْرِغُ أَمْوَاتَهَا وَدَفَائِنَهَا لِيَوْمِ العَرْضِ الأَكْبَرِ.
ثَانِياً: أَنَّ الأَمَاكِنَ وَالبِقَاعَ الَّتِي نَعِيشُ عَلَيْهَا شُهُودٌ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.
ثَالِثاً: أَنَّ الحِسَابَ الإِلَهِيَّ يَقُومُ عَلَى أَدَقِّ المَوَازِينِ الَّتِي لاَ تُغْفِلُ مِثْقَالَ الذَّرَّةِ.
رَابِعاً: الحَذَرُ مِنَ الاِسْتِهَانَةِ بِصَغَائِرِ الذُّنُوبِ، كَمَا لاَ يَنْبَغِي الزُّهْدُ فِي صَغَائِرِ الطَّاعَاتِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيّ لِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَوَضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف:49).
فَتَدَبَّرُوا المَقَاصِدَ السُّلُوكِيَّةَ المُنْبَثِقَةَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ؛ فَإِنَّ الاِعْتِقَادَ بِأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ وَكَلِمَةٍ، تُحْصَى بِمِثْقَالِ الذَّرَّةِ، يَفْرِضُ عَلَى العَبْدِ يَقَظَةً دَائِمَةً فِي سُلُوكِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَعَلاَقَاتِهِ مَعَ الخَلْقِ والخالق.
وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِي المَخَاطِرِ، حِينَ يَسْتَهِينُونَ بِصَغَائِرِ السَّيِّئَاتِ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ النَّظْرَةَ المَحَرَّمَةَ، أَوْ الكَلِمَةَ العَابِرَةَ فِي الغِيبَةِ، أَوْ الاِسْتِهَزَاءَ الخَفِيَّ، أَوْ البَخْسَ اليَسِيرَ فِي المَعَامَلاَتِ، أُمُورٌ هِينَةٌ لاَ أَبَهَ لَهَا؛ وَيَنْسَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الصَّغَائِرَ إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى المَرْءِ أَهْلَكَتْهُ وَثَقُلَتْ بِهَا كِفَّةُ السَّيِّئَاتِ يَوْمَ الزَّلْزَلَةِ.
ففي مسند أحمد: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ».
وَفِي المَقَابِلِ، قَدْ يَزْهَدُ المَرْءُ فِي قَلِيلِ الخَيْرِ، فَيَتْرُكُ سَلاَماً، أَوْ يَزْهَدُ فِي بَسْمَةٍ، أَوْ يَبْخَلُ بِدُعَاءِ صَالِحٍ لِأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الذَّرَّاتِ مِنَ الخَيْرِ قَدْ تَكُونُ هِيَ المُنْجِيَةَ وَالرَّاجِحَةَ بِمِيزَانِهِ عِنْدَ اللَّهِ.
كَمَا أَنَّ اسْتِحْضَارَ شَهَادَةِ الأَرْضِ يَجْعَلُ المُسْلِمَ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَعْمُرَ البِقَاعَ الَّتِي يَحُلُّ فِيهَا بِالطَّاعَةِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِشَاعَةِ الخَيْرِ، كَيْ تَكُونَ تِلْكَ الأَمَاكِنُ شُهُودَ عَدْلٍ لَهُ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَعْظَمُ المَوْعِظَةِ فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ، فَالْمُؤْمِنُ يَسْتَعِظِمُ صَغِيرَ ذَنْبِهِ كَيْ لاَ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَكْثِرُ صَغِيرَ طَاعَتِهِ رَجَاءَ رَحْمَةِ رَبِّهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «الصَّغَائِرُ تَصِيرُ بِالإِصْرَارِ وَالاِسْتِهَانَةِ كَبَائِرَ، وَالقَلِيلُ مِنَ الخَيْرِ يَصِيرُ بِالإِخْلاَصِ وَالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ جَبَلاً عَظِيماً عِنْدَ اللَّهِ، فَالْمُوَفَّقُ مَنْ لاَ يَزْدَرِي شَيْئاً مِنَ الطَّاعَاتِ وَلاَ يَأْمَنُ شَيْئاً مِنَ المَعَاصِي».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها:
مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ الدَّقِيقَةُ، عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ يَبْدُرُ مِنَ الجَوَارِحِ.
وعَدَمُ الاِسْتِهَانَةِ بِصَغَائِرِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ إِذَا اجْتَمَعَتْ أَهْلَكَتِ العَبْدَ.
والاِسْتِكْثَارُ مِنْ خَبَايَا الخَيْرِ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ أَوْ الذِّكْرِ.
وعِمَارَةُ البِقَاعِ بِالطَّاعَاتِ، لِتَشْهَدَ الأَرْضُ لِلْعَبْدِ بِالخَيْرِ يَوْمَ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا.
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» (رواه أحمد والطبراني).
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ القَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد).
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».
وفي الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا مِنْ تَدَبُّرِ (سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ) دَافِعاً لِإِصْلاَحِ الظَّوَاهِرِ وَالبَوَاطِنِ، وَسَارِعُوا إِلَى الخَيْرَاتِ وَلَوْ صَغُرَتْ، وَاحْذَرُوا المَعَاصِيَ وَلَوْ دَقَّتْ، لِتَكُونُوا يَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً مِنَ الفَائِزِينَ المَرْحُومِينَ.
اللَّهُمَّ حَاسِبْنَا حِسَاباً يَسِيراً، وَيَمِّنْ كِتَابَنَا، وَثَقِّلْ مَوَازِينَنَا بِالْحَسَنَاتِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَرَى مِثْقَالَ ذَرَّاتِ خَيْرِهِ المَقْبُولَةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ.
الدعاء
