خطبة عن (الاتحادُ قوةٌ والتفرقُ ضعفٌ)
أكتوبر 4, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى(الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
رُوي في الصحيحين: (أن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ – إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ حَدِيثٍ هُوَ أَحَدُ مَدَارَاتِ الإِسْلَامِ الأَرْبَعَةِ، وَقَاعِدَةٌ كُبْرَى فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَالمُعَامَلَاتِ، لَقَدْ جَاءَ شَرْعُ اللهِ كَامِلًا وَاضِحًا؛ فَلَا يَخْفَى عَلَى مُؤْمِنٍ مَعْنَى بَيَانِ الحَلَالِ فِي مِثْلِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ المَآكِلِ وَالمَشَارِبِ وَالبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَلَا يَخْفَى بَيَانُ الحَرَامِ فِي مِثْلِ الزِّنَا وَالخَمْرِ وَالظُّلْمِ وَالرِّبَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل:116].
فالفِتْنَةَ وَالِاخْتِبَارَ يَقَعَانِ فِي تِلْكَ المِنْطَقَةِ “الوُسْطَى”؛ مِنْطَقَةِ “المُشْتَبِهَاتِ” الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، فَلَا يَعْلَمُ حُكْمَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لِخَفَاءِ دَلِيلِهَا أَوْ تَعَارُضِهِ،
والنَّبِيّ ﷺ يَرْسُمُ لَنَا هُنَا مَنْهَجَ “الِاسْتِبْرَاءِ”؛ وَهُوَ طَلَبُ البَرَاءَةِ لِلدِّينِ وَالعِرْضِ، فَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَتَرَكَهَا خَوْفًا مِنَ الوُقُوعِ فِي الحَرَامِ، فَقَدْ صَانَ دِينَهُ عِنْدَ اللهِ، وَصَانَ عِرْضَهُ عِنْدَ خَلْقِ اللهِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ: (فُلَانٌ يَرْتَعُ فِي المَكْرُوهَاتِ)،
فالوَرَع لَيْسَ كَثْرَةَ بَحْثٍ عَنْ رُخَصٍ تَهْوِي بِكَ إِلَى المَهَالِكِ، بَلْ هُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ، كَمَا قَالَ السَّلَفُ: “كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الحَرَامِ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا المَثَلِ النَّبَوِيِّ البَدِيعِ؛ «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ». فمَلِكٌ لَهُ أَرْضٌ خَصْبَةٌ جَعَلَهَا “حِمَى” مُحَرَّمًا عَلَى النَّاسِ، وَمَنْ رَعَى أَغْنَامَهُ عَلَى أطْرَافِ هَذِهِ الأَرْضِ، فَإِنَّهُ يُخَاطِرُ بِأَنْ تَنْفَلِتَ مِنْهُ وَاحِدَةٌ فَتَدْخُلَ الحِمَى، فَيَسْتَحِقَّ العِقَابَ، وَكَذَلِكَ حُدُودُ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ فَمَنْ حَامَ حَوْلَ المَعَاصِي بِقُرْبِهِ مِنَ “المُشْتَبِهَاتِ”، ضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَانْكَسَرَ حَاجِزُ الهَيْبَةِ فِي قَلْبِهِ، فَمَا هِيَ إِلَّا خُطْوَةٌ حَتَّى يَقَعَ فِي عَيْنِ الحَرَامِ، فَالشُّبُهَاتُ بَرِيدُ المُحَرَّمَاتِ، وَالمُتَسَاهِلُ فِيهَا مَغْرُورٌ بِنَفْسِهِ، ومَجَال المُشْتَبِهَاتِ اليَوْمَ اتَّسَعَ: فِي دُنْيَا المَالِ، وَالتِّجَارَةِ، وَالإِعْلَامِ، وعُقُودٌ غَامِضَةٌ، وَمُعَامَلَاتٌ بَنْكِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ، وَبِيئَاتُ عَمَلٍ مَشْبُوهَةٌ،
فَالنَّجَاةُ النَّجَاةُ بِتَقْوَى اللهِ، وَسُؤَالِ أَهْلِ العِلْمِ الرَّاسِخِينَ، وَتَقْدِيمِ السَّلَامَةِ فِي الدِّينِ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، فلَا تَجْعَلْ مَالَكَ شُبْهَةً، وَلَا مَطْعَمَكَ شُبْهَةً؛ فَإِنَّ الجَسَدَ الذِي يَنْبُتُ مِنَ السُّحْتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ، ففي سنن الترمذي: (يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلاَّ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ»، وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)». ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ». فاصْدُقْ مَعَ اللهِ، وَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، يَجْعَلِ اللهُ لَكَ نُورًا تَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفِي خِتَامِ هذا الحَدِيثِ العَظِيمِ، قَالَ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». والسؤال: لِمَاذَا خَتَمَ النَّبِيُّ ﷺ حَدِيثَ (الحَلَالِ وَالحَرَامِ) بِذِكْرِ “القَلْبِ”؟، والجواب: لِيُبَيِّنَ أَنَّ الوَرَعَ لَيْسَ حَرَكَةً ظَاهِرَةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَابِعٌ مِنْ حَيَاةِ القَلْبِ، فَالقَلْبُ الصَّالِحُ هُوَ الذِي يَنْقَبِضُ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَالقَلْبُ المَيِّتُ هُوَ الذِي لَا يُبَالِي بِأَيِّ شَيْءٍ تَلَوَّثَتْ جَوَارِحُهُ، فصَلَاح أَعْمَالِكَ الظَّاهِرَةِ رَهِينٌ بِإِخْلَاصِ مَلِكِ هَذِهِ الجَوَارِحِ وَهُوَ القَلْبُ.
وإِنَّ طَيِّبَ المَطْعَمِ لَهُ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي صَلَاحِ القَلْبِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَمَنْ أَرَادَ قَلْبًا خَاشِعًا، وَدُعَاءً مَسْمُوعًا، فَلْيُطَهِّرْ كَسْبَهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، واجْعَلْ قَلْبَكَ مُرَاقِبًا لِلهِ فِي كُلِّ دِرْهَمٍ يَدْخُلُ جَيْبَكَ، وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فِيكَ، فَالقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الذِي نَجَا مِنَ الشِّرْكِ، وَنَجَا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَنَجَا مِنَ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ، فلِنَخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الخُطْبَةِ بِعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ عَلَى الِالْتِزَامِ بِالحَلَالِ البَيِّنِ، وَالبُعْدِ عَنِ الحَرَامِ البَيِّنِ، وَالحَذَرِ الشَّدِيدِ مِنَ الشُّبُهَاتِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وَفي الحديث: (عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّمْنِ وَالجُبْنِ وَالفِرَاءِ، فَقَالَ: «الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» [أخرجه الترمذي وابن ماجه]. فقَدْ جَاءَ هَذَا الدِّينُ لِيَضَعَ عَنِ النَّاسِ إِصْرَهُمْ، وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ “الإِبَاحَةُ” وَ “العَفْوُ”، فَمَا نَصَّ اللهُ عَلَى حِلِّهِ فَهُوَ الحَلَالُ المَحْضُ، وَمَا نَصَّ عَلَى حُرْمَتِهِ فَهُوَ الحَرَامُ البَيِّنُ، وَمَا تَرَكَهُ اللهُ دُونَ نَصٍّ صَرِيحٍ بِالتَّحْرِيمِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ نِسْيَانًا -تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ- بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ وَتَوْسِعَةٌ عَلَى العِبَادِ، ففي سنن الدارقطني: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا»، فسُكُوت الشَّرْعِ عَنْ بَعْضِ المَسَائِلِ هُوَ جُزْءٌ مِنَ التَّشْرِيعِ، وَيُسَمَّى “مَنْطِقَةَ العَفْوِ”، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ، وَأَنَّ الحَرَامَ مَحْصُورٌ فِي دَائِرَةٍ ضَيِّقَةٍ، مُقَابِلَ سَعَةِ الحَلَالِ، فَكُلُّ مَا فِي الأَرْضِ مِنَ المَنَافِعِ هُوَ لَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ يُحَرِّمُهُ، فَلَا تُضَيِّقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِمَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْكُمْ، وَلَا تَبْحَثُوا عَنْ قُيُودٍ لَمْ يَضَعْهَا الخَالِقُ الحَكِيمُ، ولَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَذِّرُ الصَّحَابَةَ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ الذِي قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ مَا كَانَ عَفْوًا، ففي صحيح البخاري: (أَنَّ النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» ، فَالاعْتِدَالُ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَالوُقُوفُ عِنْدَ نُصُوصِ الوَحْيِ، هُوَ مَسْلَكُ النَّجَاةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَوْجِيهٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْشَغِلَ بِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ، وَتَرْكِ المَحْظُورِ، بَدَلًا مِنَ التَّعَمُّقِ فِي مَسَائِلِ العَفْوِ الَّتِي لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ، فإِنَّ مَنْهَجَ الإِسْلَامِ يَقُومُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ لِلْوَحْيِ؛ فَإِذَا نَزَلَ الحُكْمُ قُلْنَا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَإِذَا سَكَتَ الوَحْيُ اسْتَمْتَعْنَا بِمَا أَبَاحَ اللهُ لَنَا شَاكِرِينَ لَهُ فَضْلَهُ، فَالشَّرِيعَةُ ثَابِتَةٌ فِي أُصُولِهَا، مَرِنَةٌ فِي فُرُوعِهَا، ومَسْكُوتَاتِهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فلِنَكُنْ مِمَّنْ يُعَظِّمُ حُدُودَ اللهِ، فَلَا نَتَجَاوَزُ الحَرَامَ، وَلَا نُضَيِّقُ الحَلَالَ، فَالِاعْتِدَالُ هُوَ زِينَةُ المُؤْمِنِ، وَاجْعَلُوا هَمَّكُمُ الأَكْبَرَ هُوَ كَيْفِيَّةُ تَقْوَى اللهِ فِيمَا عَلِمْتُمْ، وَسُؤَالُ اللهِ البَصِيرَةَ فِيمَا جَهِلْتُمْ، فَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَفَاهُ اللهُ الحَيْرَةَ وَوَفَّقَهُ لِلسَّدَادِ.
فاللَّهُمَّ أَرِنَا الحَلَالَ حَلَالًا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الحَرَامَ حَرَامًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، اللَّهُمَّ وَسِّعْ عَلَيْنَا مِنْ رِزْقِكَ الحَلَالِ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ. اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ، وَأَلْسِنَتَنَا بِالذِّكْرِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.( الدعاء )
