خطبة عن (سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ، وَحُرْمَةُ الظُّلْمِ، وَسُوءُ عَاقِبَته)
سبتمبر 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (سَعْيُ البَشَرِ شَتَّى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (4): (11) الليل.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذه الآيات المباركات، فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ لِنُصْغِيَ إِلَى صَدَى هَذَا القَسَمِ الإِلَهِيِّ، الَّذِي يَشُقُّ ظُلُمَاتِ الغَفْلَةِ، وَيَقْرَعُ أَفْئِدَةَ الغَافِلِينَ قَرْعًا، لِيُوقِظَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُطْوَى المَطَافُ، وَيُحْمَلُوا عَلَى الأَعْنَاقِ،
فانْظُرُوا حَوْلَكُمْ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ؛ فالخَلْقُ كُلُّهُمْ يَغْدُونَ، والنَّاسُ كُلُّهُمْ يَسْعَوْنَ، يَقُومُونَ مِنْ صَبَاحِهِمْ إِلَى مَسَائِهِمْ، فِي حَرَكَةٍ لاَ تَهْدَأُ، وَرَكْضٍ لاَ يَتَوَقَّفُ، فهَذَا يَكْدَحُ فِي مَالِهِ، وَذَاكَ يَرْكُضُ خَلْفَ مَنَصِبِهِ، وَآخَرُ يَبْنِي لِدُنْيَاهُ، وَرَابِعٌ يُعَمِّرُ لِآخِرَتِهِ، فهَلْ يَسْتَوِي هَذَا السَّعْيُ كُلُّهُ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ؟.
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ القُلُوبِ عَلَى سُورَةِ اللَّيْلِ، وَاسْمَعُوا قَسَمَ الجَبَّارِ الَّذِي يُمَزِّقُ الخَيَالَ، وَيَضَعُ الحَقِيقَةَ النَّاصِعَةَ، حِينَ يَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
فأَيُّ المَوَازِينِ هَذِهِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ؟، فتَأَمَّلُوا فِي جَوَابِ هَذَا القَسَمِ الجَلِيلِ:
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، أَيْ: إِنَّ أَعْمَالَكُمْ، وَمَقَاصِدَكُمْ، وَغَايَاتِكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَمُخْتَلِفَةٌ، وشَدِيدَةَ الِاخْتِلَافِ، كَمَا يَخْتَلِفُ اللَّيْلُ المُظْلِمُ عَنِ النَّهَارِ المُشْرِقِ، وَكَمَا يَخْتَلِفُ الذَّكَرُ عَنِ الأُنْثَى، كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَسَالِكُ البَشَرِ، فَمِنْهُمْ سَاعٍ إِلَى نَجَاةِ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ سَاعٍ إِلَى هَلَاكِهَا، كما جاء في صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «.. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».
ثُمَّ يُقَسِّمُ القُرْآنُ هَذَا السَّعْيَ البَشَرِيَّ إِلَى نَمُوذَجَيْنِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا، لِيَضَعَ كُلَّ عَبْدٍ أَمَامَ مِرْآةِ طَرِيقِهِ: النَّمُوذَجُ الأَوَّلُ: نَمُوذَجُ الفَلَاحِ وَالجُودِ (أَهْلُ اليُسْرَى):
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: أَعْطَى مِنْ مَالِهِ، وَبَذَلَ مِنْ جَاهِهِ، وَسَخَّرَ مِنْ وَقْتِهِ وَجُهْدِهِ، وَلَمْ يَعِشْ لِنَفْسِهِ، بَلْ عَاشَ لِدِينِهِ، وَأُمَّتِهِ وَإِخْوَانِهِ.
﴿وَاتَّقَى﴾: اتَّقَى اللهَ فِي طَعَامِهِ، وَشَرَابِهِ، وَكَسْبِهِ، وَلِسَانِهِ، وَفَرْجِهِ؛ فَلَمْ يَطْأْ عَرَضًا حَرَامًا، وَلَمْ يَأْكُلْ دِرْهَمًا سُحْتًا. وأتقى الله بفعل ما أمر، والبعد عما نهى عنه وزجر.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: أَيْ صَدَّقَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَيْقَنَ بِالجَزَاءِ وَالخَلَفِ مِنَ اللهِ، وَآمَنَ بِالجَنَّةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ لِلمُتَّقِينَ.
فَمَا هُوَ الجَزَاءُ العَاجِلُ وَالآجِلُ لِهَذَا السَّاعِي الكَرِيمِ؟، اسْمَعُوا إِلَى الوَعْدِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يُمَزِّقُ كُلَّ حَيْرَةٍ:
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾: أَيْ نُوَفِّقُهُ لِلْخَيْرِ، وَنَجْعَلُ الطَّاعَةَ حَبِيبَةً إِلَى قَلْبِهِ، وَنُنَزِّلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ، وَنُسَهِّلُ لَهُ أَبْوَابَ الرِّزْقِ وَالهِدَايَةِ، وَنَخْتِمُ لَهُ بِالحُسْنَى، حَتَّى يَسُوقَهُ هَذَا التَّوْفِيقُ إِلَى الجَنَّةِ سَوْقًا.
وفي الصحيحين: (عَنْ عَلِىٍّ قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً».
قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَقَالَ «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». فَقَالَ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ».
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ،مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ – أَوْ وَفَرَتْ- عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا ، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ».
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَانْظُرُوا فِي أَيِّ السَّعْيَيْنِ أَنْتُمْ، وَأَيَّ الطَّرِيقَيْنِ تَسْلُكُونَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (سَعْيُ البَشَرِ شَتَّى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثم اسْمَعُوا إِلى الوَجْهِ الآخَرِ المُرَهَّبِ، إِلَى النَّمُوذَجِ الَّذِي أَعْمَاهُ الشُّحُّ وَالكِبْرُ، فَسَلَكَ طَرِيقَ الشَّقَاوَةِ وَالهَلاَكِ، يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾،
فأَيُّ مُنْهَلَكٍ هَذَا الَّذِي يُحَذِّرُنَا القُرْآنُ مِنْهُ؟، فتَأَمَّلُوا أَوْصَافَ أَهْلِ الشَّقَاءِ:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾: بَخِلَ بِمَالِهِ عَنِ الفُقَرَاءِ، وَبَخِلَ بِجَاهِهِ عَنْ المَكْرُوبِينَ، وَبَخِلَ بِشَعَائِرِ دِينِهِ، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾: اسْتَغْنَى عَنْ اللهِ وَعَنْ ثَوَابِهِ، وَظَنَّ أَنَّ مَالَهُ وَقُوَّتَهُ تُغْنِيهِ، فَلَمْ يَسْتَكْنْ لِرَبِّهِ، وَلَمْ يَفْقَرْ إِلَى طَاعَتِهِ،
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: كَذَّبَ بِالوَعْدِ الإِلَهِيِّ، وَاسْتَبْعَدَ البَعْثَ وَالحِسَابَ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ.
فَمَا هُوَ جَزَاءُ هَذَا الشَّقِيِّ المَخْذُولِ؟، اسْمَعُوا الصَّاعِقَةَ الَّتِي تَدُكُّ عُرُوشَ الأَمَانِيِّ البَاطِلَةِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، أَيْ نَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَنُغْلِقُ عَنْهُ أَبْوَابَ التَّوْفِيقِ، فَتَصِيرُ الطَّاعَةُ عَلَيْهِ ثَقِيلَةً، وَالمَعْصِيَةُ سَهْلَةً مُحَبَّبَةً، حَتَّى يَتَرَدَّى فِي أَوْدِيَةِ الهَلاَكِ، فَيُقَادَ إِلَى النَّارِ قَودًا.
ثُمَّ أَتَتِ الآيَةُ الَّتِي تَزْهَقُ كُلَّ أَمَلٍ فِي غَيْرِ اللهِ:
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾، يَا اللهُ، فأَيْنَ المَالُ الَّذِي كَنَزَهُ؟، وأَيْنَ العَقَارَاتُ الَّتِي شَيَّدَهَا؟، وأَيْنَ الأَرْصِدَةُ الَّتِي جَمَعَهَا مِنْ حَلاَلٍ وَحَرَامٍ؟، إِذَا أُدْلِيَ فِي قَبْرِهِ المُنْفَرِدِ، وَإِذَا تَرَدَّى فِي قَعْرِ الجَحِيمِ، فَلَنْ يَنْفَعَهُ دِرْهَمٌ وَلاَ دِينَارٌ، وَلَنْ يَحْمِيَهُ مَالٌ ولاَ جَاهٌ.
إِنَّ السَّعْيَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ:
﴿أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، فَتَسِيرَ فِي طَرِيقِ اليُسْرِ وَالسَّعَادَةِ،
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ: ﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، فَتَتَرَدَّى فِي طَرِيقِ العُسْرِ وَالهَلاَكِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) الليل (4) ،فقد اجْتَمَعَ فِي الْحِجْرِ مُصْعَبٌ، وَعُرْوَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالُوا: تَمَنَّوْا،
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْخِلافَةَ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى أَنْ يُؤْخَذَ عَنِّي الْعِلْمُ.
وَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى إِمْرَةَ الْعِرَاقِ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَسَكِينَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ.
قَالَ: فَنَالُوا كُلُّهُمْ مَا تَمَنَّوْا، وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ غُفِرَ لَهُ.
فهذا ابن الفاروق رضي الله عنه يتمنى المغفرة من الله تعالى؛ وإخوانه يتمنون أشياء أخرى تحققت لهم بالفعل، وعسى الله أن يحقق له مبتغاه،
وقد روى الترمذي في سننه: (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
أيها المسلم
فاعمل بجد، وشمر عن ساعد الصدق، فأنت لا زلت في دار العمل، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح: (عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:
“مرَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – على قبر دُفِن حديثًا، فقال: (ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتَنَفَّلُون، يزيدهما هذا في عمله أحبُّ إليه من بقية دنياكم) (صحيح الجامع).
ومرَّ الحسنُ البصري – رحمه الله – بجنازة، وكان معه رجل مُسرفٌ على نفسِه، فقال الحسن :”ترى ما أمنية هذا الميت؟ فقال الرجل: أن يعود إلى الدنيا ليتوبَ ويُصلحَ الزاد، فقال الحسن: فكن هذا الرجل”،
فَاعْمَلُوا عِبَادَ اللهِ، وَأَعْطُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَاتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَصَدِّقُوا بِوَعْدِهِ؛ لِتَكُونُوا مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾.
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
