خطبة عن (تقوى اللهِ: صُورُها وثِمارُها)
سبتمبر 30, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
روى البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ،وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ أَمَامَ أَقْدَسِ مَعَالِمِ الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ، فنَحْنُ مَعَ حَدِيثٍ يُسَمَّى “حَدِيثَ الوِلَايَةِ”، حَيْثُ يُعْلِنُ فِيهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ أَنَّ لَهُ عِبَادًا اصْطَفَاهُمْ لِوِلَايَتِهِ، وَأَنَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمْ بِالأَذَى، فَقَدْ أَعْلَنَ الحَرْبَ عَلَى الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:62-63].
فَمَنْ هُوَ الوَلِيُّ؟: الوَلِيُّ لَيْسَ صَاحِبَ خَوَارِقَ أَوْ أَوْهَامٍ، بَلْ هُوَ كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، فكُلُّ مَنْ نَصَرَ دِينَ اللهِ، وَاسْتَقَامَ عَلَى شَرْعِهِ، فهو والى الله بالاستسلام والطاعة، فوالاه الله بالهداية والتوفيق والسداد، وَمَنْ أَبْغَضَ صَالِحًا لِصَلَاحِهِ، أَوْ عَادَى تَقِيًّا لِتَقْوَاهُ، فَقَدْ خَرَجَ لِمُحَارَبَةِ مَنْ لَا يُغْلَبُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ حَارَبَهُ اللهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَرْسُمُ لَنَا أَوْلَوِيَّاتِ التَّدَيُّنِ الصَّحِيحِ؛ فَقَالَ رَبُّنَا:
«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». وهُنَا نَقِفُ عِنْدَ قَاعِدَةِ “الأَصْلِ قَبْلَ الفَرْعِ”، فَمَنْ ضَيَّعَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةَ، وَاجْتَهَدَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، وَمَنْ بَخِلَ بِالزَّكَاةِ الوَاجِبَةِ، وَتَصَدَّقَ بِالقَلِيلِ مِنَ النَّوَافِلِ، فَمَا تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ، فإِنَّ أَدَاءَ الفَرَائِضِ هُوَ جَوْهَرُ العُبُودِيَّةِ، وَهُوَ الحِصْنُ الذِي لَا يُقْبَلُ دُونَهُ عَمَلٌ، وفي سنن البيهقي: (الْمُصَلِّى لاَ تُقْبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّى الْفَرِيضَةَ»، فَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ، فَابْدَأْ بِهِ وَأَتْقِنْهُ.
ثُمَّ تَأْتِي المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْ أَرَادَ القُرْبَ الخَاصَّ وَالمَحَبَّةَ الإِلَهِيَّةَ:
«وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». وهَذَا هُوَ سِرُّ “الِاسْتِمْرَارِيَّةِ”؛ فَقَوْلُهُ: «مَا يَزَالُ» يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ الطَّلَبِ وَمُلَازَمَةِ العِبَادَةِ، فالنَّوَافِلُ جَبْرٌ لِلنَّقْصِ، وَزِيَادَةٌ فِي النُّورِ، وَبُرْهَانٌ عَلَى صِدْقِ المَحَبَّةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَصِيَامِ التَّطَوُّعِ، وَذِكْرِ اللهِ بَعْدَ المَفْرُوضِ، نَالَ مَقَامًا يَتَمَنَّاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ: مَقَامَ (مَحَبَّةِ اللهِ)، وَإِذَا أَحَبَّكَ اللهُ، كُنْتَ فِي حِمَاهُ الذِي لَا يُضَامُ.
وانْظُرُوا إِلَى الثَّمَرَةِ العَجِيبَةِ لِهَذِهِ المَحَبَّةِ: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»،
فهَذَا هُوَ (التَّسْدِيدُ الإِلَهِيُّ)؛ فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يُرْضِي اللهَ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا لِمَا أَذِنَ اللهُ، وَلَا تَمْشِي قَدَمُهُ إِلَّا فِي طَاعَةٍ، ويُصْبِحُ العَبْدُ رَبَّانِيًّا، جَوَارِحُهُ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ اللهِ، فَالعَبْدُ هُوَ العَبْدُ، وَالرَّبُّ هُوَ الرَّبُّ، ولَكِنَّ الرَّبَّ يُعِيدُ صِيَاغَةَ هَذَا العَبْدِ، لِيَكُونَ مَحَلَّ عِنَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكَنَةٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفِي خِتَامِ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»، فمَنْ حَقَّقَ مَقَامَ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، صَارَ “مُجَابَ الدَّعْوَةِ”، فَإِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَحَ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ الجُودِ، وَإِذَا لَجَأَ إِلَيْهِ خَائِفًا، أَمَّنَهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وهَذِهِ هِيَ الجَائِزَةُ الكُبْرَى؛ أَنْ تَكُونَ كَلِمَتُكَ عِنْدَ اللهِ مَسْمُوعَةً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62].
وَقَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي سِيَرِ الصَّحَابَةِ، كَالبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ، الذِي قَالَ فِيهِ ﷺ: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» [أخرجه الترمذي].
فإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَدْعُونَا لِمُرَاجَعَةِ عَلَاقَتِنَا بِالطَّاعَاتِ، فلَا تَقْطَعِ النَّوَافِلَ بَعْدَ اليَوْمِ، وَلَوْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، أَوْ كَلِمَةَ ذِكْرٍ فِي الصَّبَاحِ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّ نَافِلَةٍ سَتَكُونُ السَّبَبَ فِي نَيْلِ مَحَبَّةِ اللهِ لَكَ، وَاحْذَرُوا مِنَ الوُقُوعِ فِي أَعْرَاضِ الصَّالِحِينَ، فَمَنْ آذَى وَلِيًّا لِلَّهِ فَقَدْ جَلَبَ لِنَفْسِهِ الخَرَابَ وَالمَحْقَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} [مريم:96]. وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ».
فقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ)، فإِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ خَفِيٍّ، بَلْ هُوَ “إِعْلَانٌ كَوْنِيٌّ” يَهتَزُّ لَهُ المَلَأُ الأَعْلَى، فتَخَيَّلْ يَا عَبْدَ اللهِ، أَنَّ اسْمَكَ يُذْكَرُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، واللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، الذي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ القُلُوبِ، يَنْطِقُ بِاسْمِكَ مَحَبَّةً وَرِضًا، وَيَأْمُرُ سَيِّدَ المَلَائِكَةِ جِبْرِيلَ بِأَنْ يُحِبَّكَ، وأهل الأرض من المؤمنين يحبوك،
وهَذَا الحَدِيثَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ العِزَّةَ وَالقَبُولَ لَيْسَا بِكَثْرَةِ المَالِ وَلَا بِجَاهِ الدُّنْيَا، بَلْ بِصِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ، فَمَا أَصْلَحَ عَبْدٌ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، إِلَّا أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَلْقِ، فنِدَاءُ جِبْرِيلَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ لَيْسَ لِأَهْلِ الشُّهْرَةِ الزَّائِفَةِ، بَلْ لِأُولَئِكَ الذِينَ عَمَرُوا خَلَوَاتِهِمْ بِالذِّكْرِ، وَفَرَائِضَهُمْ بِالإِتْقَانِ، وَنَوَافِلَهُمْ بِالإِخْلَاصِ، فَهَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا: هَلْ يُذْكَرُ اسْمِي فِي السَّمَاءِ بِالخَيْرِ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ: «ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ». فهَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ لِمَحَبَّةِ النَّاسِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ دُونَ سَابِقِ مَعْرِفَةٍ، إِنَّهَا مَسْحَةٌ مِنَ النُّورِ الإِلَهِيِّ، وَجَذْبَةٌ مِنَ الوُدِّ الرَّحْمَانِيِّ، يَضَعُهَا اللهُ لِوَلِيِّهِ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَتَرَى القُلُوبَ تَهْفُو إِلَيْهِ، وَالأَلْسِنَةَ تُثْنِي عَلَيْهِ، وَالأَرْوَاحَ تَرْتَاحُ لِرُؤْيَتِهِ، وَهَذَا القَبُولُ هُوَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) لَهَا وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ “السَّلَامُ وَالمَحَبَّةُ” لِمَنْ وَالَى اللهَ وَاتَّقَاهُ.
واعلموا أنَّ مَنْ طَلَبَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَمَنْ طَلَبَ رِضَا اللهِ، وَلَوْ سَخِطَ النَّاسُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، ففي سنن الترمذي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ»، فَلَا تَلْتَفِتْ لِقِيلٍ وَقَالٍ، وَاجْعَلْ هَمَّكَ كَيْفَ تَنَالُ “نِدَاءَ جِبْرِيلَ”، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ)، وكُنْ مِمَّنْ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا فِي الأَرْضِ، ولَكِنَّهُمْ إِذَا سَكَتُوا اهْتَزَّتْ لَهُمْ السَّمَاءُ دُعَاءً وَمَحَبَّةً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [الحج:18]. وَفِي تَتِمَّةِ الحَدِيثِ عِنْدَ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ»، فكَمَا أَنَّ لِلْوَلَايَةِ نُورًا وَقَبُولًا، فَإِنَّ لِلْعِصْيَانِ وَمُعَادَاةِ اللهِ ظُلْمَةً وَنُفُورًا، ومَنْ تَمَادَى فِي مَعَاصِي اللهِ، وَآذَى أَوْلِيَاءَهُ، وَضَيَّعَ فَرَائِضَهُ، يُوشِكُ أَنْ يُنَادَى بِبُغْضِهِ فِي السَّمَاوَاتِ، وَأَيُّ خِزْيٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ مَبْغُوضًا عِنْدَ مَلِكِ المُلُوكِ؟!، فَتَرَاهُ مَنْبُوذًا فِي الأَرْضِ، لَا تَقْبَلُهُ القُلُوبُ السَّلِيمَةُ، وَلَا تَرْتَاحُ لَهُ الأَنْفُسُ المُطْمَئِنَّةُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَبِالعَمَلِ الصَّالِحِ نِلْنَا المَحَبَّةَ، وَبِالمَحَبَّةِ نِلْنَا القَبُولَ، وَبِالقَبُولِ فُزْنَا بِالدَّارَيْنِ، فَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ اللهِ، وَلْنَسْعَ جَاهِدِينَ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يُحِبُّهُمُ اللهُ وَيُحِبُّونَهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُوضَعُ لَهُمُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَمِمَّنْ تُحِبُّهُمُ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّنَا بِطَاعَتِكَ، وَلَا تُذِلَّنَا بِمَعْصِيَتِكَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ دُعَاءَنَا، وَأَصْلِحْ نِيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا.
( الدعاء )
