خطبة عن (التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيّ لِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ)
أكتوبر 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قِصَّةُ الوَشَاحِ.. جَبْرُ المَظْلُومِ وَعَجَائِبُ القُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطَفَتْهُ قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِي بِهِ قَالَتْ فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ – زَعَمْتُمْ – وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ قَالَتْ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي قَالَتْ فَلاَ تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلاَّ قَالَتْ وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ لاَ تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلاَّ قُلْتِ هَذَا قَالَتْ فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ).
إخوة الإسلام
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلَى عَدْلِ اللهِ المُطْلَقِ، وَرَحْمَتِهِ الوَاسِعَةِ بِعِبَادِهِ، أَنَّهُ جَعَلَ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةً، لا حِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ؛ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
وَإِنَّ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ لَقَصَصًا يَهْتَزُّ لَهَا الوِجْدَانُ، وَتَقِفُ عِنْدَهَا العُقُولُ حَيْرَى، فهي تُظْهِرُ كَيْفَ يَتَدَخَّلُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ القَادِرُ، لِبَرَاءَةِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وَكَيْفَ يَقْلِبُ المَوَازِينَ، لِيَنْصُرَ مَنْ لا نَاصِرَ لَهُ فِي الأَرْضِ.
فتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي هَذَا المَشْهَدِ المُؤْلِمِ المُفْجِعِ، الذِي يَطْفَحُ بِالظُّلْمِ وَالقَهْرِ وَالقَسْوَةِ: ففي قصة هذا الحديث المتقدم: امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ، وهي أَمَةٌ سَوْدَاءُ مُسْتَضْعَفَةٌ، نَالَتْ حُرِّيَّتَهَا بِالعِتْقِ، ولَكِنَّهَا بَقِيَتْ بَيْنَ أَهْلِ الحَيِّ لَا حَسَبَ يَنْمِيهَا، وَلا عَصَبِيَّةَ تَحْمِيهَا، وَلا نَاصِرَ يَدْفَعُ عَنْهَا الضَّيْمَ مِنَ البَشَرِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، تَخْرُجُ صَبِيَّةٌ مِنْ صِبْيَانِ ذَلِكَ الحَيِّ المَثْرِيِّ، وابنة رجل من ساداتها، وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ فَاخِرٌ نَفِيسٌ، مِنْ خُطُوطِ الجِلْدِ المَحْبُوكَةِ، المَصْبُوغَةِ بِالحُمْرَةِ، فأرادت أن تغتسل في اليم، فخلعت وشاحاها، أَوْ سقُط مِنْهَا، وألقته قريبا منها.
وَبَيْنَمَا الوِشَاحُ الأَحْمَرُ مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ، إِذْ تَمُرُّ بِهِ “حُدَيَّاةٌ” – وَهِيَ طَائِرٌ مِنَ الجَوارِحِ التِي تَلْتَقِطُ اللَّحْمَ- فَتَظُنُّ “الحُدَيَّاةٌ” أن هَذَا الوِشَاحَ الأَحْمَرَ البَرَّاقَ قِطْعَةَ لَحْمٍ طَرِيَّةً، فَتَهْوِي عَلَيْهِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَتَخْطَفُهُ فِي لَحَظَاتٍ، وَتَطِيرُ بِهِ بَعِيدًا عَنِ الأَعْيُنِ، دون أن يراها أحد.
هَنَا التَمَسَ أَهْلُ الحَيِّ الوِشَاحَ النَّفِيسَ، فَبَحَثُوا وَفَتَّشُوا، فَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ وِجْدَانِهِ، صَرَفُوا بَصَرَهُمْ – بِمَنْطِقِ الجَاهِلِيَّةِ الظَّالِمِ- إِلَى أَضْعَفِ مَنْ بَيْنَهُمْ، إنها المرأة السوداء.
اتَّهَمُوا هَذِهِ المَرْأَةَ السَّوْدَاءَ الفَقِيرَةَ، بِلا دَلِيلٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، إِلا كَوْنَهَا غَرِيبَةً، لا ظَهْرَ لَهَا يُدَافِعُ عَنْهَا.
وَلَمْ يَكْتَفُوا بِالتُّهْمَةِ بَاللِّسَانِ، بَلْ بَلَغَتْ بِهِمُ القَسْوَةُ وَالصَّلَفُ، أَنْ أَقَامُوا عَلَيْهَا تَفْتِيشًا جَسَدِيًّا هَسْتِيرِيًّا إِهَانَةً وَتَنْكِيلاً، حَتَّى تَجَاوَزُوا كُلَّ حُدُودِ المُرُوءَةِ وَالحَيَاءِ، فَفَتَّشُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ثِيَابِهَا ،بَلْ بَلَغَ بِهِمُ التَّجَبُّرُ أَنْ فَتَّشُوا فَرْجَهَا وَقُبُلَهَا!.
أَيُّ قَهْرٍ هَذَا؟!، وَأَيُّ حَسْرَةٍ انْتَظَمَتْ قَلْبَ هَذِهِ المسكِينَةِ، التِي تَقِفُ بَيْنَهُمْ عَاجِزَةً، لَا مَلْجَأَ لَهَا إِلا اللهُ!، فالشَّرَفُ يُنْتَهَكُ، وَالكَرَامَةُ تُدَاسُ، وَالأَيْدِي تَعْبَثُ بِهَا، وَهِيَ تَعْلَمُ بَرَاءَتَهَا التَامَّةَ، ولَكِنَّ الأَسْبَابَ الأَرْضِيَّةَ كُلَّهَا صَارَتْ ضِدَّهَا.
وَفِي تِلْكَمُ اللَّحْظَةِ المظلمة، التِي انْقَطَعَتْ فِيهَا حِبَالُ الخَلْقِ، اتَّصَلَتْ العجوز السوداء بِحَبْلِ الخَالِقِ، وَحِينَ كَانَتْ تَسْتَغِيثُ بِجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، بِلِسَانِ الحَالِ وَالمَقَالِ.. تَدَخَّلَتِ القُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ العَظِيمَةُ!.
تَأَمَّلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ اللهَ الذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، أَمَرَ هَذَا الطَّائِرَ بِلِسَانِ القُدْرَةِ التَّكْوِينِيَّةِ، أَنْ يَعُودَ أَدْرَاجَهُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ الفَسِيحِ!.
فَبَيْنَمَا هِيَ قَائِمَةٌ بَيْنَهُمْ، يُفَتِّشُونَهَا وَيُهِينُونَهَا، إِذْ (بِالحُدَيَّاةِ) تُحَلِّقُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، ثُمَّ تَفْتَحُ مِنْقَارَهَا، لِتُلْقِيَ الوِشَاحَ الأَحْمَرَ بِعَيْنِهِ!، فَيَسْقُطُ الوِشَاحُ الذِي سُرِقَ فِي وَسَطِ الجَمْعِ، أَمَامَ أَعْيُنِ الظَّالِمِينَ المُبْهُوتِينَ!.
فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِمْ السوداء المَظْلُومَةُ، التِي أَيَّدَهَا اللهُ بِمُعْجِزَةٍ بَاهِرَةٍ، وَقَالَتْ بِلِسَانِ العِزَّةِ وَالِاطْمِئْنَانِ: «هَذَا الذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ – وَزَعَمْتُمْ أَنِّي سَرَقْتُهُ- ها هو أمامكم!».
سَقَطَتْ التُّهْمَةُ البَاطِلَةُ، وَانْكَشَفَتِ الحَقِيقَةُ النَّاصِعَةُ، وَخَسِئَ الظَّالِمُونَ، الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَلَى امْرَأَةٍ سوداء ضعيفة، لا نَاصِرَ لَهَا، لِيَعْلَمَ الكُلُّ أَنَّ لِلْمَظْلُومِ رَبًّا لا يَنَامُ، وَأَنَّ الظُّلْمَ مَشُؤُومٌ، وَعَاقِبَتَهُ خُسْرَانٌ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
لَمْ تَطِبْ نَفْسُ هَذِهِ المَرْأَةِ الصَالِحَةِ بِالبَقَاءِ فِي أَرْضِ الظُّلْمِ، وَالِاجْهَاضِ لِلْكَرَامَةِ، فَارْتَحَلَتْ وَهَاجَرَتْ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ؛ حَيْثُ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَعَدْلُ الإِسْلامِ، وَهُنَاكَ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهَا لِلإِيمَانِ، فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلامُهَا.
وَلَمَّا رَأَتْ كَيْفَ يَرْفَعُ الإِسْلامُ المَسَاكِينَ، اتَّخَذَتْ لَهَا خِبَاءً (خَيْمَةً صَغِيرَةً) فِي صَحْنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، لِتَكُونَ قَرِيبَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَتَقُومَ عَلَى خِدْمَةِ بَيْتِ اللهِ المُعَظَّمِ.
وَكَانَتْ العجوز كُلَّمَا دَخَلَتْ عَلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) وَجَلَسَتْ عِنْدَهَا لِلتَّحَدُّثِ ، تذكرت ما حدث لها، فتُنْشِدُ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ، لا تَمَلُّ مِنْ تَكْرَارِهِ، كَلِمَاتٍ حُفِرَتْ فِي ذَاكِرَتِهَا، تَتَذَكَّرُ بِهَا صُنْعَ اللهِ العَجِيبَ بِهَا، فتقول:
(وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي)
تَتَذَكَّرُ مَرَارَةَ الظُّلْمِ، لِتَفْرَحَ بِعَظَمَةِ النَّجَاةِ، وَتَلْهَثَ بِالشُّكْرِ لِلَّهِ العظيم، الذِي أَنْقَذَهَا (بسبب هذه القصة) مِنَ الظُلُمَاتِ وَالقَهْرِ، إِلَى أَنْوَارِ العَدْلِ وَالإِيمَانِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (قِصَّةُ الوَشَاحِ.. جَبْرُ المَظْلُومِ وَعَجَائِبُ القُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وهكذا (جَبْرُ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ، ونصرة المظلم)، فتَمْضِي أَيَّامُ هَذِهِ المَرْأَةِ السوداء فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، فَتَكُونُ هِيَ التِي (تَقُمُّ) المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ؛ فتَكْنُسُ أَرْضَهُ، وَتُنَظِّفُ حَصَبَاءَهُ، وَتَجْمَعُ القَذَى مِنْهُ، ابْتِغَاءَ مرضاة اللهِ سبحانه.
وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي، تُوُفِّيَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ العَابِدَةُ. وَكَانَتِ الظُّلْمَةُ شَدِيدَةً، فَكَرِهَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ نَوْمِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَغَسَّلُوهَا، وَكَفَّنُوهَا، وَصَلَّوْا عَلَيْهَا، وَدَفَنُوهَا فِي البَقِيعِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَدَهَا، وَلَمْ يَرَ أَثَرهَا فِي المَسْجِدِ، فَسَأَلَ عَنْهَا أَصْحَابَهُ، سُؤَالَ الرَّاعِي الشَفِيقِ عَنْ رَعِيَّتِهِ: «مَا فَعَلَتِ المَرْأَةُ التِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ؟» قَالُوا: مَاتَتْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَدَفَنَّاهَا البَارِحَةَ، وَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ فِي الظَّلامِ!
فَتَأَثَّرَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تَأَثُّرًا بَالِغًا، وَعَاتَبَهُمْ عِتَابَ المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ قَائِلاً: «أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟!» -أَيْ هَلا أَعْلَمْتُمُونِي لِأَحْضُرَ جَنَازَتَهَا، وَأُصَلِّيَ عَلَيْهَا!- كَانُوا يَرَوْنَهَا امْرَأَةً سَوْدَاءَ فَقِيرَةً، لا شَأْنَ لَهَا، أَمَّا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَيَرَى قَلْبَهَا الطَاهِرَ، وَخِدْمَتَهَا لِبَيْتِ اللهِ.
ثُمَّ قَالَ خير الخَلْقِ، وَسَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فَخَرَجَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَشْيًا مَعَ أَصْحَابِهِ إِلَى المَقْبَرَةِ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى قَبْرِهَا الدَّثَارِ، فَصَفَّ أَصْحَابَهُ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا جَنَازَةً خَاصَّةً بَعْدَ دَفْنِهَا!.
ثُمَّ التَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» [رَوَاهُ الـبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ فِي هَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ، التِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ النَّبَوِيُّ، عِبَرًا وَدُرُوسًا بَالِغَةً، حَرِيًّ بِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا، ومنها:
أَوَّلاً: خطُورَةُ التُّهْمَةِ بِغَيْرِ دليل أو بَيِّنَةٍ، وَرَمْيِ البُرَآءِ: فاحْذَرُوا أَنْ تَرْمُوا أَحَدًا بِسُوءٍ، أَوْ تَتَّهِمُوهُ فِي عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَمَانَتِهِ، بِلا دَلِيلٍ قَاطِعٍ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ. وَكَمْ مِنْ بَرِيءٍ قُطِعَتْ أَوْصَالُ كَرَامَتِهِ، بِسَبَبِ الشُّبُهَاتِ البَاطِلَةِ.
ثَانِيًا: شَنَاعَةُ الظُّلْمِ، وَخَاصَّةً لِلْمُسْتَضْعَفِينَ وَالإِمَاءِ: فإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَشَدُّ الظُّلْمِ جُرْمًا: مَا كَانَ مُوَجَّهًا لِلْمَسَاكِينِ، الذِينَ لا نَاصِرَ لَهُمْ، أَوْ لِلْخَدَمِ وَالعُمَّالِ، الذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
ثَالِثًا: قُدْرَةُ اللهِ المُطْلَقَةُ فِي بَرَاءَةِ المَظْلُومِ: أَيُّهَا المَظْلُومُ والمَكْرُوبُ، يا من قُهِرْتَ، وَرُمِيتَ بِالبُهْتَانِ: اذْكُرْ “يَوْمَ الوِشَاحِ“، واذْكُرْ أَنَّ اللهَ الذِي سَخَّرَ الطَّائِرَ فِي السَّمَاءِ، لِيَسْقُطَ بِالبَرَاءَةِ عِنْدَ أَقْدَامِ الظَّالِمِينَ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُبَرِّئَ سَاحَتَكَ، وَيَنْصُرَكَ، مِنْ حَيْثُ لا تَحْتَسِبُ، فَلُذْ بِهِ، وَلا تَهِنْ.
رَابِعًا: تَوَاضُعُ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَتَكْرِيمُ المَسَاكِينِ: فتَأَمَّلُوا كَيْفَ نَقَلَ الإِسْلامُ هَذِهِ المَرْأَةَ: مِنْ أَمَةٍ مَهِينَةٍ، تُفَتَّشُ عَوْرَتُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، إِلَى إِنْسَانَةٍ مَكَرَّمَةٍ، يُمِيطُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الأَذَى لِيَصِلَ إِلَى قَبْرِهَا، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، وهَكَذَا يَرْفَعُ الإِسْلامُ أَهْلَ الإِيمَانِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
خَامِسًا: فَضْلُ عِمَارَةِ المَسَاجِدِ وَنَظَافَتِهَا: ففِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ تَنِظيفَ المَسَاجِدِ وَالقِيَامَ عَلَيْهَا، عَمَلٌ صَالِحٌ جَلِيلٌ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَاتِ العَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَقِيمُوا العَدْلَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ، وَاحْذَرُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا صَاعِقَةٌ، تَهْلِكُ الظَالِمِينَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
الدعاء
