خطبة عن (التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيُّ لِسُورَةِ الْعَادِيَاتِ)
أكتوبر 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الرُّكُونُ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَصُوَرُهُ وَعَوَاقِبُهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (113) هود،
إخوة الإسلام
إِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الخَلْقِ جَارِيَةٌ أَنْ يَقْسِمَ العِبَادَ حِيَالَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالعَدْلِ وَالظُّلْمِ، إِلَى فِئَاتٍ جَلِيَّةِ المَعَالِمِ:
الفِئَةُ الأُولَى: هُمُ المُؤْمِنُونَ الصَّالِحُونَ المُصْلِحُونَ، أَهْلُ العَدْلِ، الرَّافِضُونَ لِلظُّلْمِ وَالظَّالِمِينَ، الذِينَ جَعَلُوا وَلَاءَهُمْ خَالِصًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِدِينِهِ، ولا يُدَاهِنُونَ فِي حَقٍّ، وَلا يُظَاهِرُونَ عَلَى بَاطِلٍ.
الفِئَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ الفِئَةُ المُقَابِلَةُ للأولى؛ فهم أَهْلُ الكُفْرِ وَالفَسَادِ وَالطُّغْيَانِ، الذِينَ يَعِيثُونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا، وَيُعَادُونَ أَهْلَ الحَقِّ، وَيُنَكِّلُونَ بِهِمْ، وَتَتَوَجَّهُ وَلَايَاتُهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ، وَشَهَوَاتِهِمْ، وَمَعْبُودَاتِهِمُ البَاطِلَةِ.
وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ، تَظْهَرُ فِئَةٌ ثَالِثَةٌ، هي فِي غَايَةِ الخَطَرِ؛ فهُمْ لَيْسُوا بِالظَّالِمِينَ المُبَاشِرِينَ، الذِينَ حَمَلُوا السِّلاحَ، أَوْ بَاشَرُوا العُدْوَانَ، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ مَالَتْ إِلَى صُفُوفِ الظَّالِمِينَ!، مَالُوا إِلَى أَهْلِ البَاطِلِ بِالقَوْلِ أَوِ الفِعْلِ؛ فَأَعَانُوهُمْ، وَانْتَخَبُوهُمْ، وَمَنَحُوهُمُ التَّأْيِيدَ، أَوْ كَثَّرُوا سَوَادَهُمْ، أَوْ نَشَرُوا أَبَاطِيلَهُمْ، وَأَخْبَارَهُمْ، أَوْ بَرَّرُوا جَرَائِمَهُمْ، أَوْ مَدَحُوا صَنِيعَهُمْ، لِيَسْلَمُوا، أَوْ لِيَنَالُوا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَيْلَ القَلْبِيَّ، وَالمُظَاهَرَةَ القَوْلِيَّةَ، لهُوَ أَعْظَمُ جُرْمٍ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، بِأَبْلَغِ لَفْظٍ، وَأَشَدِّ وَعِيدٍ، فَقَالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود:113].
فتَأَمَّلُوا هذا النَّهْيَ الإِلَهِيَّ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾؛ فَالرُّكُونُ لَيْسَ هُوَ الظُّلْمُ نَفْسُهُ، بَلْ هُوَ المَيْلُ اليَسِيرُ، وَالِاعْتِمَادُ، وَالمُدَاهَنَةُ، وَالرِّضَا بِصَنِيعِ الظَّالِمِينَ، وَإِظْهَارُ المَوَدَّةِ لَهُمْ، أَوْ شَرْعَنَةُ طُغْيَانِهِمْ، وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، فَمَنْ أَقَرَّ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، أَوْ مَدَحَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، لِيَسْلَمَ، أَوْ جَالَسَهُ مُؤَانِسًا لَهُ فِي بَاطِلِهِ، فَقَدْ رَكَنَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الذِي تَوَعَّدَهُ اللَّهُ بِعَذَابِ النَّارِ.
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: “الرُّكُونُ حَقِيقَتُهُ: السُّكُونُ إِلَى الشَّيْءِ وَالإِعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَالرِّضَا بِهِ… فَمَنْ أَقَرَّ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ أَوْ مَدَحَهُ أَوْ جَالَسَهُ مُؤَانِسًا لَهُ فَقَدْ رَكَنَ إِلَيْهِ”.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: “لا تَمِيلُوا إِلَى أَهْلِ الجَوْرِ وَالـظُّلْمِ، وَلا تُسَاعِدُوهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَلا تُظْهِرُوا الرِّضَا بِأَعْمَالِهِمْ”.
وَتَدَبَّرُوا كَيْفَ قَرَنَ اللَّهُ الرَّاضِيَ بِالفَاعِلِ، فَجَعَلَ المُشَارَكَةَ فِي الظُّلْمِ لا تَقْتَصِرُ عَلَى السَّيْفِ وَالسَّوْطِ، بَلْ تَنَالُ مَنْ أَعَانَ بِالقَوْلِ،
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
نعم: (شَطْرُ كَلِمَةٍ) كَأَنْ يَقُولَ “اقْـ” بَدَلَ “اقْتُلْ”، أَوْ يُنَمِّقَ كَلِمَةً تُبَرِّرُ سَفْكَ الدَّمِ، وَانْتِهَاكَ الحُرُمَاتِ؛ فَيَغْدُوَ عِنْدَ اللَّهِ آيِسًا مِنْ رَحْمَتِهِ!.
وَقد حَذَّرَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى المُفْسِدِينَ، وَتَزْيِينِ بَاطِلِهِمْ، فَقَالَ: «إِذَا مُدِحَ الفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ وَاهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ].
وَفي الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ… أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي لا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلا يَرِدُونَ عَلَيَّ حَوْضِي» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ].
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
ولَقَدْ كَانَ لِسَلَفِنَا الصَّالِحِ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) بَصِيرَةٌ نَافِذَةٌ، فِي كَشْفِ الرُّكُونِ الخَفِيِّ، فَجَعَلُوا كُلَّ مَنْ يُمَهِّدُ لِلظَّالِمِ، أَوْ يُمِدُّهُ بِأَسْبَابِ البَقَاءِ، جَعَلُوهُ شَرِيكًا فِي الْجُرْمِ:
فقد جَاءَ خَيَّاطٌ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فَقَالَ: إِنِّي أَخِيطُ ثِيَابَ هَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ، فَهَلْ تَرَانِي مِنَ الرَّاكِنِينَ إِلَيْهِمْ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: “لا، بَلْ أَنْتَ مِنَ الظَّالِمِينَ أَنْفُسِهِمْ! وَإِنَّمَا الرَّاكِنُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَبِيعُكَ الإِبْرَةَ وَالخَيْطَ!”.
وَسُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فِي السِّجْنِ، عَنِ الشُّرَطِ (الشرطة) وَالأَعْوَانِ، أَهُمْ مِنَ الرَّاكِنِينَ إِلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: “الرَّاكِنُ إِلَيْهِمْ مَنْ يُصْلِحُ لَهُمْ الأَقْلامَ وَيَبْرِيهَا، أَمَّا الشُّرَطُ فَهُمْ مِنَ الظَّالِمِينَ أَنْفُسِهِمْ!”.
لذلك لم يكن العذاب لفرعون وحده، بل هو وجنوده، قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (40) القصص.
وَقَالَ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): “إِذَا جَاهَرَ الظَّالِمُ بِظُلْمِهِ، وَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ إِنْكَارِهِ، أَوْ رَكَنُوا إِلَيْهِ، نَزَلَتِ العُقُوبَةُ بِالعَامَّةِ وَالخَاصَّةِ”.
وفي المعجم الأوسط للطبراني: (عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال إن فيه عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين قال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر لي ساعة قط).
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الرُّكُونُ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَصُوَرُهُ وَعَوَاقِبُهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ لِلرُّكُونِ إِلَى الظَّالِمِينَ عَوَاقِبَ كَارِثِيَّةً؛ فَهْوَ يُسْقِطُ القِيَمَ، وَيُمَكِّنُ لِلْفَسَادِ، وَيُعَرِّضُ الأُمَّةَ بِأَكْمَلِهَا لِعِقَابِ اللَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:25].
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابٍ مِنْهُ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ].
وَفِي مُعْجَمِ الْإِمَامِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ».
وَهَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ؟ أَوْ قَالَ: وَأَشْبَاهُهُمْ، فَيُجْمَعُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ يُقْذَفُ بِهِمْ فِي النَّارِ».
إِنَّهُ جَزَاءٌ وِفَاقًا؛ فَالَّذِي صَنَعَ لِلظَّالِمِ سَوْطَهُ، وَالَّذِي بَرَّرَ لَهُ جُرْمَهُ، وَالَّذِي سَكَتَ عَنْ طُغْيَانِهِ رَغْبَةً أَوْ رَهْبَةً، كُلُّهُمْ فِي شَرِيعَةِ الْآخِرَةِ سَوَاءٌ، يُحْشَرُونَ فِي زُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْعَذَابِ.
وَلْيَعْلَمْ كُلُّ ظَالِمٍ تَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ، وَكُلُّ مَنْ شَدَّ عَلَى يَدِهِ، أَنَّ مَوَازِينَ الْقِسْطِ عِنْدَ اللهِ لَا تَغْفَلُ، وَأَنَّ لِلْمَظْلُومِ يَوْمًا يَنْتَصِفُ فِيهِ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ. وَفِي كَلِمَاتٍ سَطَّرَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: «يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ المَخَاطِرِ فِي أَوْقَاتِ الفِتَنِ، وَتَبَدُّلِ الأحْوَالِ، أَنْ يَلْتَبِسَ الأَمْرُ عَلَى عَامَّةِ المُسْلِمِينَ؛ فَيَرَوْا البَاطِلَ مُزَخْرَفًا، وَالظَّالِمَ مُجَمَّلاً، فَيَقَعُوا فِي الرُّكُونِ المُهْلِكِ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ!.
وَلِلنَّجَاةِ مِنْ هَذَا التَّلْبِيسِ، أَوجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى المُسْلِمِينَ الرُّجُوعَ إِلَى المَصادِرِ الصَّافِيَةِ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83].
فَعِنْدَ اشْتِبَاهِ الأُمُورِ، وَجَبَ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ؛ العُلَمَاءِ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ، وَلا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، الذِينَ أَنَارَ اللَّهُ بَصَائِرَهُمْ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعُرِفُوا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، فَيَسْتَجْلُوا مِنْهُمُ الحَقَّ، وَتَتَّضِحَ أَمَامَهُمُ الصُّورَةُ.
وَلْيَحْذَرِ المُسْلِمُ أَشَدَّ الحَذَرِ، مِنْ أُولَئِكَ العُلَمَاءِ (المُسَيَّسِينَ)، أَتْبَاعِ السَّلَاطِينِ الظَّالِمِينَ؛ الذِينَ بَاعُوا دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَأَخَذُوا يُفْتُونَ بِمَا يُرْضِي الطُّغَاةَ، وَيُشَرْعِنُونَ الظُّلْمَ، وَيُصَوِّرُونَ الجَوْرَ عَدْلاً، وَيَلْوُونَ أَعْنَاقَ النُصُوصِ لِتَبْرِيرِ العُدْوَانِ!.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ هَؤُلَاءِ المُبَرِّرِينَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:187].
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَى أُمَّتِي» -قَالَهَا ثَلاثًا-، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هُوَ الذِي هُوَ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنَ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: «أَئِمَّةً مُضِلِّينَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
وَقَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ): “إِذَا رَأَيْتَ العَالِمَ يُتْبِعُ السَّلَاطِينَ فِي جَوْرِهِمْ وَيُزَيِّنُ لَهُمْ بَاطِلَهُمْ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لِصٌّ مِنْ لُصُوصِ الدِّينِ”.
وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلا المُلُوكُ … وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا!).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ النَّجَاةَ وَالسَّلامَةَ فِي دِينِكُمْ تَتَطَلَّبُ مِعْيَارًا إِيمَانِيًّا بينا واضحا:
أولا: تَطْهِيرُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ عَنْ كُلِّ ثَنَاءٍ، أَوْ تَزْكِيَةٍ لِظَالِمٍ، أَوْ مَسِيرَةِ جَوْرٍ.
ثانيا: البَرَاءَةُ مِنَ المُظَاهَرَةِ وَالتَّأْيِيدِ بِكُلِّ صُورِهِ؛ سَوَاءٌ بِالتَّصْوِيتِ، أَوْ التَّنْصِيبِ، أَوْ نَشْرِ التَّبْرِيرَاتِ البَاطِلَةِ.
ثالثا: التَّمَسُّكُ بِغَرْسِ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ المُتَجَرِّدِينَ، الذِينَ لا يَسْتَجْدُونَ نَوَالَ السَّلاَطِينِ، وَلا يَبِيعُونَ آيَاتِ اللَّهِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ.
فَاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- الرُّكُونَ، وَاجْعَلُوا وَلاءَكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَالمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَصِيبٌ، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:9-10].
وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (30) آل عمران.
الدعاء
