خطبة عن (فِتْنَةُ الشُّهْرَةِ وَحُبِّ الظُّهُورِ فِي زَمَنِ التَّرِنْدَاتِ)
أكتوبر 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قُمْ يا أَبَا تُرَابٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ». قَالَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – لإِنْسَانٍ «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ». فَجَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ»،
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذا الحديث النبوي، وفيه بيان لهَدْي النُّبُوَّةِ فِي عِلاجِ الخِلافَاتِ الزَّوْجِيَّةِ والأسرية، فإِنَّ البُيُوتَ الإِسْلَامِيَّةَ – مَهْمَا بَلَغَتْ مِنْ الصَّلاحِ وَالتَّقْوَى- لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مَعْصُومَةً مِنَ الخِلافَاتِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوْ بَعِيدَةً عَنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وَعَوَارِضِ البَشَرِيَّةِ؛ فَالخِلافُ الزَّوْجِيُّ سُنَّةٌ جَارِيَةٌ، وَطَبِيعَةٌ بَشَرِيَّةٌ، تَقَعُ فِي أَعْظَمِ البُيُوتِ، وَأَطْهَرِهَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ولو كانت بيوت الرسل والأنبياء، والصالحين والأتقياء.
وَلَكِنَّ العِبْرَةَ الفَارِقَةَ، وَالمِعْيَارَ الحَاسِمَ، الذِي يُمَيِّزُ البَيْتَ المُسْلِمَ الرَّاشِدَ، عَنْ غَيْرِهِ، يَكْمُنَانِ فِي كَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ هَذَا الخِلافِ، وَمُعَالَجَتِهِ بِالحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَاحْتِوَاءِ الغَضَبِ، قَبْلَ أَنْ يَتَسَعَ خَرِقُهُ، وَيَعْصِفَ بِأَرْكَانِ الأُسْرَةِ.
وَإِنَّ لَنَا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَةِ لَأَعْظَمَ الأُسْوَةِ، وَأَكْمَلَ المَنَاهِجِ، فِي حَلِّ الأَزَمَاتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَسَبْرِ غَوْرِ النُّفُوسِ.
ففي الحديث النبوي المتقدم: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: “أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟”، قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِإِنْسَانٍ: “انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟”، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: “قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ”،
فتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي هَذِهِ القِصةِ الجَلِيلَةِ، المُفْعَمَةِ بِالدُّرُوسِ التَّرْبَوِيَّةِ: وتَبْدَأُ القِصَّةُ بِعَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم التِي لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْهَا شَاغِلُ النُّبُوَّةِ، وَإِدَارَةِ الدَّوْلَةِ؛ وَهِيَ: تَفَقُّدُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَتَعَاهُدُ بَنَاتِهِ، بِالزِّيَارَةِ وَالرِّعَايَةِ.
دَخَلَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَيْتَ ابْنَتِهِ الزَّهْرَاءِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) لِيَطْمَئِنَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَجِدْ عَلِيًّا (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) فِي البَيْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ القَيْلُولَةِ، الذِي يُعْتَادُ فِيهِ وُجُودُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ. فلَمْ يَمُرَّ المَوْقِفُ عَابِرًا، بَلْ سَأَلَ عَنْهُ، سُؤَالَ الأَبِ الرَّحِيمِ الشَّفِيقِ، الحَرِيصِ عَلَى التِئَامِ الشَّمْلِ، وَاسْتِقْرَارِ البُيُوتِ.
وَانْظُرُوا بَعَيْنِ البَصِيرَةِ إِلَى بَلاغَةِ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ المُعْجِزِ؛ فَلَمْ يَقُلْ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “أَيْنَ زَوْجُكِ؟”، بَلْ قَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟»!،
فيَا لَهَا مِنْ كَلِمَةٍ نَبَوِيَّةٍ سَاحِرَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ، فَتَسْتَلُّ مِنْهَا حَسِيسَ الغَضَبِ!. لَقَدْ اسْتَحْضَرَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِهَذَا التَّعْبِيرِ الحَنُونِ، قَرَابَةَ النَّسَبِ وَالرَّحِمِ، لِيُذَكِّرَ فَاطِمَةَ بِعَاطِفَةِ القُرْبَى، التِي تَسْبِقُ عَادَةً كُلَّ خِلافٍ، وَلِيُرَطِّبَ الأجْوَاءَ المَشْحُونَةِ؛ فَالزَّوْجُ الذِي غَاضَبَهَا، لَيْسَ غَرِيبًا أَوْ خَصْمًا، بَلْ هُوَ ابْنُ العَمِّ، وَالقَرِيبُ والحَبِيبُ.
فَأَجَابَتْ فَاطِمَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) بِصِدْقٍ، وَأَدَبٍ رَفِيعٍ، دُونَ كِذْبٍ، أَوْ إِخْفَاءِ لِلْحَقِيقَةِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، دُونَ إِسْهَابٍ فِي التَّشَكِّي، أَوْ كَشْفٍ لِلأَسْرَارِ، أَوْ الِاسْتِطَالَةِ فِي ذَمِّ الزَّوْجِ، فَقَالَتْ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي».
كَلِمَاتٌ مُجْمَلَةُ مُؤَدَّبَةُ، تُعَبِّرُ عَنْ وُقُوعِ الخِلافِ، دُونَ نَبْشٍ، أو دخول فِي التَّفَاصِيلِ.
وتَأَمَّلُوا صَنِيعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): فحِينَما اشْتَدَّ الخِلافُ مع زوجته، وَارْتَفَعَتْ وَطْأَةُ الغَضَبِ، لَمْ يَلْجَأْ إِلَى التَّطَاوُلِ بِاللِّسَانِ، وَلا إِلَى العُنْفِ، أَوْ الشَتْمِ، بَلْ آثَرَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ البَيْتِ، لِيُطْفِئَ جَمْرَةَ الشَّرَرِ.
إِنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، وَالخُرُوجُ، وَتَغْيِيرُ المَكَانِ، مَنْهَجٌ نَبَوِيٌّ أَصِيلٌ، فِي كَسْرِ حِدَّةِ الِانْفِعَالِ، وَحِمَايَةِ اللِّسَانِ مِنْ سَقَطَاتٍ، قَدْ يَنْدَمُ عَلَيْهَا المَرْءُ، حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ!.
وَأَيْنَ ذَهَبَ عَلِيٌّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) حِينَ غَاضَبَ زَوْجَهُ؟، لَمْ يَذْهَبْ إِلَى المَقَاهِي، أَوْ أَمَاكِنِ اللَّهْوِ، وَلَمْ يَذْهَبْ لِيَشْكُوَ لِلنَّاسِ، وَيَجْمَعَ الحُلَفَاءَ، بَلْ ذَهَبَ إِلَى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ!. فَالمَسْجِدُ هُوَ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَمَأْوَى كُلِّ صَالِحٍ، وَفِيهِ تَنَزَّلُ السَّكِينَةُ، الـتِي تُطْفِئُ لَهِيبَ الصُّدُورِ ،وَتُعِيدُ لِلْعَقْلِ رُشْدَهُ، وَتَوَازُنَهُ.
وكَانَ الصَّحَابَةُ (رضي الله عنهم) إِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، أَوْ ضَاقَتْ بِهِمُ الصُّدُورُ، لَجَؤُوا إِلَى المَسْجِدِ؛ كَمَا كَانَ مِنْ حَالِ الصحابي أَبِي أُمَامَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ، ففي سنن أبي داود: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاَةِ». قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلاَمًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ ». قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ». قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّى وَقَضَى عَنِّى دَيْنِي. وهكذا عَلَّمَهُ دُعَاءَ الكَرْبِ الذِي أَذْهَبَ اللهُ بِهِ هَمَّهُ.
أَمَّا الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) – وَهُوَ القَائِدُ وَالأَبُ وَالمُرَبِّي- فَلَمْ يَقِفْ مَوْقِفَ السَّالِبِ أَوْ المُتَفَرِّجِ، بَلْ بَادَرَ فَوْرًا بِإِرْسَالِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ عَلِيٍّ، لِيَقِفَ عَلَى مَكَانِهِ، وَيَلْتَئِمَ الخِلافُ قَبْلَ أَنْ يَتَسَعَ خَرِقُهُ. فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: «هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ»، انْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِنَفْسِهِ!، تَأَمَّلُوا هَذِهِ الحِكْمَةَ النَّبَوِيَّةَ التِي تُبْهِرُ الأَلْبَابَ: فلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بإِحْضَار عَلِيٍّ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَدْعَاهُ، فَقَدْ يَشْعُرُ عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَضْغَطُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ يَنْتَصِرُ لاِبْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَهَذَا مِمَّا يَزِيدُ الجَرْحَ انْتِكَاسًا، وَالنَّفْسَ نُفُورًا!، بَلْ ذَهَبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَيْهِ فِي المَسْجِدِ بِنَفْسِهِ، فِي تَوَاضُعٍ جَمٍّ، وَرَحْمَةٍ فائِضَةٍ.
فَلَمَّا وَجَدَهُ مُضْطَجِعًا، وَقَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابُ المَسْجِدِ، لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يَحْكِيَ لَهُ مَا جَرَى، وَلَمْ يَسْتَجْوِبْهُ عَنْ أَسْبَابِ الخِلافِ؛ لِأَنَّ نَكْأَ الجِرَاحِ، وَنَبْشَ التَّفَاصِيلِ فِي لَحَظَاتِ الغَضَبِ، يَزِيدُ النَّارَ اشْتِعَالاً، وَالخِلافَ الِتِهَابًا، بَلْ بَادَرَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى مُلاطَفَتِهِ، وَمُدَاعَبَتِهِ، وَجَبْرِ خَاطِرِهِ!.
فجَلَسَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدَ رَأْسِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ بِيَدِهِ المُبَارَكَةِ، وَيَقُولُ لَهُ بِابْتِسَامَةٍ وَحَنَانٍ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ»!.
لقد أَعْطَاهُ كُنْيَةً جَدِيدَةً، مُحَبَّبَةً إِلَى قَلْبِهِ، مَسَحَتْ عَنْهُ كُلَّ آثَارِ الحُزْنِ وَالغَضَبِ، وَحَوَّلَتِ المَوْقِفَ المَشْحُونَ، إِلَى مَشْهَدٍ مُفْعَمٍ بِالمَحَبَّةِ وَالأُنْسِ، وَالعَاطِفَةِ الجَيَّاشَةِ!.
فمَا أَعْظَمَكَ يَا رَسُولَ اللهِ!، وَمَا أَقْدَرَكَ عَلَى إِدَارَةِ الأَزَمَاتِ، وَمَواَجَهَةِ المَوَاقِفِ، وَاخْتِيَارِ أَبْلَغِ الحُلُولِ التَّرْبَوِيَّةِ، في أحلك الموقف، وأشد اللحظات!.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (قُمْ يا أَبَا تُرَابٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ العَجَبَ العُجَابَ، مِنْ الدُّرُوسِ التَّرْبَوِيَّةِ، التِي تَحْتَاجُ إِلَيْهَا بُيُوتُنَا فِي هَذَا الزَّمَنِ؛ حَيْثُ ارْتَفَعَتْ نِسَبُ الطَّلاقِ بِشَكْلٍ مُخِيفٍ، وَارْتَجَّتْ أَرْكَانُ الأُسَرِ، وَتَشَتَّتَ الأَبْنَاءُ، لا لِشَيْءٍ إِلا لِلتَّعَنُّتِ، وَغِيَابِ الحِكْمَةِ فِي إِدَارَةِ الخِلافِ، وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى تَقْرِيبِ وِجْهَاتِ النَّظَرِ!.
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ يَسْتَفِيدُ الأَزْوَاجُ وَالأَوْلِيَاءُ مِنْ هَذَا المَوْقِفِ النَّبَوِيِّ الخَالِدِ، فِي رَأْبِ الصَّدْعِ وَتَحْصِينِ البُيُوتِ:
أَوَّلاً: تَغْيِيرُ المَكَانِ، وَكَبْحُ الجِمَاحِ عِنْدَ الغَضَبِ: فإِذَا اشْتَدَّتِ المِصَادَمَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَالحِكْمَةُ تَقْتَضِي: أَنْ يَكُفَّ الطَّرَفَانِ عَنِ التَّلاَحِي، أَوْ أَنْ يَخْرُجَ الزَّوْجُ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، حَتَّى تَهْدَأَ الـفَوْرَةُ والثورة؛ فَالسُّكُوتُ، وَتَغْيِيرُ البِيئَةِ، يَقْطَعَانِ عَلَى الشَّيْطَانِ طَرِيقَ الإِفْسَادِ، وَيَمْنَعَانِ اتِّخَاذَ قَرَارَاتٍ طَائِشَةٍ، فِي لَحَظَاتِ الِانْفِعَالِ.
ثَانِيًا: الدَّوْرُ الرَّاشِدُ لِلآبَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ فِي الإصْلاحِ: فانْظُرُوا كَيْفَ تَدَخَّلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي خِلافِ ابْنَتِهِ؛ ولَمْ يَنْحَزْ لاِبْنَتِهِ بِالبَاطِلِ، ولم يعنف أحد الطرفين، وَلَمْ يُصَعِّدِ المَوَاقِفَ، وَلَمْ يَشْحَنْ صَدْرَهَا ضِدَّ زَوْجِهَا، وَهَذَا بِعَكْسِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ اليَوْمَ؛ حَيْثُ يَتَدَخَّلُونَ صَبًّا لِلزَّيْتِ عَلَى النَّارِ، فَيَنْصُرُونَ أَبْنَاءَهُمْ ظَالِمِينَ أَوْ مَظْلُومِينَ، وَيَشْتَرِطُونَ الشُّرُوطَ المُعَجِّزَةَ، فَيَكُونُونَ سَبَبًا مُبَاشِرًا فِي هَدْمِ البُيُوتِ، وَإِشْعَالِ لَهَبِ الطَّلاقِ.
ثَالِثًا: فَنُّ التَّغَافُلِ، وَعَدَمُ نَبْشِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ: فالنَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَمْ يُنَقِّبْ عَنْ أَسْبَابِ الشِّجَارِ، وَلَمْ يَقُلْ: “مَنْ المخطَّئ مِنْكُمَا؟”، بَلْ طَوَى الصَّفْحَةَ، وَمَسَحَ التُّرَابَ، وَأَبْدَلَ الجَفَاءَ بِالمُلاطَفَةِ!، فَالتَّغَافُلُ نِصْفُ العَقْلِ، وَهُوَ الرَّكِيزَةُ الأَسَاسِيَّةُ لِاسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ الـزَّوْجِيَّةِ، فَمَنْ تَتَبَّعَ كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، سَاءَتْ عَيْشَتُهُ وَتَهَدَّمَ بَيْتُهُ.
رَابِعًا: جَبْرُ الخَوَاطِرِ، وَإِعَادَةُ البَسْمَةِ: فمَسْحُ التُّرَابِ عَنْ شِقِّ عَلِيٍّ، وَمُنَادَاتُهُ بِـ “أَبِي تُرَابٍ” كَانَ بَلْسَمًا شَافِيًا لِلنَّفْسِ المَكْرُوبَةِ.
فعَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَالأَوْلِيَاءِ، أَنْ يَتَعَلَّمُوا فَنَّ جَبْرِ الخَوَاطِرِ، وَإِبْدَالِ الكَلِمَاتِ الجَارِحَةِ بِالكَلِمَاتِ الطَّيِّبَةِ، والمُلاطِفَةِ التِي تُعِيدُ الدِّفْءَ إِلَى القُلُوبِ.
خَامِسًا: الحَذَرُ مِنْ ضَيَاعِ الأَبْنَاءِ: فإِنَّ الضَّحِيَّةَ الأُولَى وَالأَخِيرَةَ، لِلتَّعَنُّتِ الزَّوْجِيِّ، وَالتَّسَرُّعِ فِي الطَّلاقِ، هُمُ الأَبْنَاءُ!، فحِينَ يَنْتَهِي المَطَافُ بِالتَّفَكُّكِ، يَعِيشُ الأَطْفَالُ بَيْنَ شَتَاتِ الآبَاءِ، وَقَسْوَةِ المُجْتَمَعِ، فَيَكُونُونَ هُمُ الطَّرَفَ الخَاسِرَ، الذِي يَدْفَعُ ثَمَنَ أَنَانِيَّةِ الكِبَارِ، وَعَجْزِهِمْ عَنْ إِدَارَةِ مَشَاكِلِهِمْ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
اعْرِفُوا لِلْبُيُوتِ حُرْمَتَهَا، وَلِلْمِيثَاقِ الغَلِيظِ قَدْرَهُ، وَاحْرِصُوا عَلَى اقْتِفَاءِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجَاتِ وَالأَصْهَارِ. وَلْيَكُنِ الرَّفْقُ وَالتَّغَافُلُ وَالمُلاطَفَةُ هِيَ الحَاكِمَةَ فِي بُيُوتِكُمْ؛ حَتَّى تَسْتَقِرَّ الأُسَرُ، وَتَسْلَمَ المُجْتَمَعَاتُ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالضَّيَاعِ، وَتَنْشَأَ الأَجْيَالُ فِي ظِلِّ الأَمْنِ وَالـسَّكِينَةِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَاحْذَرُوا كَيْدَ الشَّيْطَانِ، الذِي لا يَفْرَحُ بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ!.
الدعاء
