خطبة عن «اخْتِيَارُ الرَّفِيقِ وَفَضْلُ الصِّدِّيقِ»
أكتوبر 12, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
روى مسلم في صحيحه: (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ». قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان:22].
فإِنَّنَا اليَوْمَ -إن شاء الله تعالى- نلتقي مَعَ مَشْهَدٍ تَعْلِيمِيٍّ فَرِيدٍ، جَمَعَ بَيْنَ سَيِّدِ المَلَائِكَةِ جِبْرِيلَ، وَسَيِّدِ البَشَرِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فلَقَدْ جَاءَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) لِيَرْسُمَ لَنَا مَعَالِمَ الدِّينِ الاسلامي الكُبْرَى، وَيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَرَاتِبُ وَدَرَجَاتٌ، يَصْعَدُ فِيهَا العَبْدُ بِحَسَبِ عَمَلِهِ وَيَقِينِهِ،
وهَذَا الحَدِيثُ يُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ “أُمُّ السُّنَّةِ”، لِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ وَظَائِفِ العِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ.
والمَرْتَبَةُ الأُولَى من الدين الاسلامي هِيَ: (الإِسْلَامُ): وَهِيَ المَرْتَبَةُ الظَّاهِرَةُ، وَقَاعِدَةُ البِنَاءِ الَّتِي لَا يَقُومُ الدِّينُ إِلَّا عَلَيْهَا، ولَمَّا سَأَلَ جِبْرِيلُ عَنِ الإِسْلَامِ، قَالَ ﷺ:
«أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»،
فهَذِهِ هِيَ الأَرْكَانُ الخَمْسَةُ للدين، وهي أَعْمَالُ الجَوَارِحِ الَّتِي يَعْصِمُ بِهَا الإِنْسَانُ دَمَهُ وَمَالَهُ، فَالإِسْلَامُ: هُوَ الِانْقِيَادُ وَالخُضُوعُ لله تعالى، وأَنْ يَكُونَ هَوَاكَ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ، وأَنْ تَكُونَ صَلَاتُكَ وَصِيَامُكَ، وَسَائِرُ شَعَائِرِكَ، لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ المَشْهَدُ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى وَأَعْمَقَ، من مراتب ومنازل الدين، وَهِيَ مَرْتَبَةُ (الإِيمَانِ)، وَالإِيمَانُ: هُوَ عَمَلُ القَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ، فقَالَ ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»،
فالإِيمَان لَيْسَ تَمَنِّيًا وَلَا تَحَلِّيًا، وَلَكِنَّهُ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ، وَصَدَّقَهُ العَمَلُ،
والإِيمَانُ بِاللهِ: أَنْ تَعْرِفَهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ،
والإِيمَانُ هُوَ الرَّكِيزَةُ الَّتِي تَمْنَحُ العَبْدَ الطُّمَأْنِينَةَ وَالثَّبَاتَ فِي مُوَاجَهَةِ عَوَاصِفِ الحَيَاةِ، وَلَا يَكْتَمِلُ إِسْلَامُ المَرْءِ حَتَّى يَذُوقَ حَلَاوَةَ هَذَا الإِيمَانِ بِيَقِينٍ لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ،
ففي صحيح مسلم: (يَقُولُ-صلى الله عليه وسلم- «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً»، وفيه أيضا: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ جَاءَ السُّؤَالُ عَنِ الذُّرْوَةِ وَالسَّنَامِ، عَنْ مَرْتَبَةِ (الإِحْسَانِ)، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هِيَ خُلَاصَةُ الخُلَاصَةِ، فقَالَ ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»،
وهُنَا نَقِفُ أَمَامَ مَقَامِ المُراقَبَةِ العَظِيمِ: فالإِحْسَانُ أَنْ تُتْقِنَ عَمَلَكَ، وأَنْ تُجَوِّدَ صَلَاتَكَ، وأَنْ تَصْدُقَ فِي حَدِيثِكَ، لَا لِأَنَّ الخَلْقَ يَرَوْنَكَ، بَلْ لِأَنَّكَ تَعِيشُ مَعَ “البَصِيرِ”، الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكَ خَافِيَةٌ،
فالإِحْسَانُ هُوَ رُوحُ الدِّينِ، فَمَنْ عَبَدَ اللهَ بِمَقَامِ الإِحْسَانِ، اسْتَحَالَ فِي حَقِّهِ أَنْ يَعْصِيَ، وَاسْتَحَالَ فِي حَقِّهِ أَنْ يَغْفُلَ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا التَّدَرُّجَ؛ فكُلُّ مُحْسِنٍ مُؤْمِنٌ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا، وَلَا كُلُّ مُؤْمِنٍ مُحْسِنًا، إِنَّهُ سُلَّمٌ لِلرُّقِيِّ الرُّوحِيِّ، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ المَرَاتِبِ؟، وهَلْ اكْتَفَيْنَا بِمُجَرَّدِ الِانْتِسَابِ الظَّاهِرِ لهذا الدين؟، أَمْ أَنَّنَا نَسْعَى لِتَحْقِيقِ كَمَالِ الإِيمَانِ، وَبُلُوغِ مَقَامِ الإِحْسَانِ؟،
فإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَضَعُ مَسْؤُولِيَّةً كُبْرَى عَلَى عَاتِقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، لِيُحَقِّقَ دِينَ اللهِ فِي نَفْسِهِ بِيَقِينٍ وَصِدْقٍ وَإِتْقَانٍ، يقول اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل :128]،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفِي تَتِمَّةِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ، سَأَلَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ ﷺ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ أَمَارَاتِهَا وَأَشْرَاطِهَا، لِيُنَبِّهَنَا أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِمَعْرِفَةِ “مَتَى” السَّاعَةُ، بَلْ مَاذَا أَعْدَدْنَا لَهَا، ورَبْط مَرَاتِبِ الدِّينِ بِذِكْرِ السَّاعَةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، لَهُ دَلَالَةٌ عَمِيقَةٌ؛ فَالإِنْسَانُ الذِي يُحَقِّقُ مَقَامَ الإِحْسَانِ، لَا يَخَافُ بَغْتَةَ السَّاعَةِ، لِأَنَّهُ يَعِيشُ فِي معية اللهِ دَائِمًا، فغَايَة هَذَا الدِّينِ هِيَ إِصْلَاحُ المَرْءِ، لِيَكُونَ صَالِحًا لِلِقَاءِ رَبِّهِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ،
وإن تَعَلُّم مَرَاتِبِ الدِّينِ يَحْمِينَا مِنَ التَّطَرُّفِ وَالغُلُوِّ، وَيَحْمِينَا مِنَ التَّفْرِيطِ وَالجَفَاءِ، وتَعْلِيمَ الدِّينِ كَمَا فَعَلَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَبْدَأُ بِالأَهَمِّ ثُمَّ المُهِمِّ، فَلَا شَيْءَ يَعْلُو عَلَى التَّوْحِيدِ، وَلَا شَيْءَ يَعْلُو عَلَى الصَّلَاةِ، وَالإِيمَانِ بِالقَدَرِ، فَاحْرِصُوا عَلَى تَعْلِيمِ أَبْنَائِكُمْ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ، ففِيهِ يَتَعَلَّمُونَ أَرْكَانَ الإِسْلَامِ، وَأُصُولَ العَقِيدَةِ، وَأَدَبَ المُرَاقَبَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) يَتَعَامَلُونَ مَعَ هَذِهِ المَرَاتِبِ كَحَقَائِقَ يَعِيشُونَهَا، لَا كَمَعْلُومَاتٍ يَحْفَظُونَهَا، فَلْنَجْتَهِدْ فِي أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُنَا نَقِيًّا، وَإِيمَانُنَا صَادِقًا، وَإِحْسَانُنَا دَائِمًا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2].
وَفي الحديث: (عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إنَّ الدِّينَ لَيْسَ دَعَاوَى تُقَالُ، بَلْ هُوَ حَقَائِقُ تُعَاشُ، ولَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ “مُسَمَّى الدِّينِ” وَبَيْنَ “الأَخْلَاقِ وَالمُعَامَلَاتِ”، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ نَصِيبَكَ مِنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَى طُولِ رُكُوعِكَ وَسُجُودِكَ فَحَسْبُ، بَلِ انْظُرْ إِلَى أَثَرِ ذَلِكَ فِي تَعَامُلِكَ مَعَ الخَلْقِ،
يَقُولُ ﷺ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
فهَذَا هُوَ الحَدُّ الأَدْنَى مِنَ الِانْقِيَادِ لِلَّهِ؛ أَنْ يَكُفَّ المَرْءُ أَذَاهُ عَنِ الآخَرِينَ، فَاللِّسَانُ قَدْ يَكُونُ أَدَاةً لِلْبِنَاءِ، أَوْ مِعْوَلًا لِلْهَدْمِ، وَاليَدُ قَدْ تَكُونُ بَاسِطَةً لِلْخَيْرِ، أَوْ بَاطِشَةً بِالشَّرِّ، فمَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ بِالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالقَذْفِ، أَوْ مَدَّ يَدَهُ بِالغِشِّ وَالسَّرِقَةِ وَالاعْتِدَاءِ، فَقَدْ نَقَصَ مِنْ إِسْلَامِهِ بِقَدْرِ مَا انْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ النَّاسِ، فإِنَّ سَلَامَةَ النَّاسِ مِنْ أَذَاكَ هِيَ عُنْوَانُ صِدْقِ نُطْقِكَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، ففي صحيح البخاري: (أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ». قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائقَهُ»
ثُمَّ يَرْتَقِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَرْتَبَةِ الإِيمَانِ، فَيَقُولُ: «المُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ». فانْظُرُوا إِلَى الفَرْقِ الدَّقِيقِ؛ المُسْلِمُ كَفَّ أَذَاهُ (سَلِمُوا مِنْهُ)، أَمَّا المُؤْمِنُ فَقَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا جَعَلَ النَّاسَ يَثِقُونَ بِهِ (أَمِنُوهُ)، فهَذِهِ هِيَ ثَمَرَةُ الإِيمَانِ الذِي وَقَرَ فِي القَلْبِ؛ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَصْدَرَ أَمْنٍ لِلْمُجْتَمَعِ. فَلَا يَخَافُ جَارُهُ مِنْ بَوائِقِهِ، وَلَا يَخَافُ شَرِيكُهُ مِنْ خِيَانَتِهِ. فالمُرَاقَبَةُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمَقَامُ الإِحْسَانِ الذِي تَعَلَّمْنَاهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، هُوَ الذِي يُثْمِرُ هَذِهِ الأَمَانَةَ العَظِيمَةَ.
فمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى اسْتِعَادَةِ هَذِهِ المَعَانِي فِي بُيُوتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، وَوَظَائِفِنَا، فإِنَّ عِزَّةَ هَذَا الدِّينِ لَا تَكُونُ بِالشِّعَارَاتِ، بَلْ بِأَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ هُوَ الرَّجُلَ الذِي إِذَا وَعَدَ وَفَى، وَإِذَا ائْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا تَكَلَّمَ صَدَقَ، هَذَا هُوَ الإِيمَانُ الذِي يَبْنِي الأُمَمَ، وَهَذَا هُوَ الإِسْلَامُ الذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ ضِيقِ الأَنَانِيَّةِ إِلَى سَعَةِ الأَمَانِ وَالسَّلَامِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي مسند أحمد: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ»،
فبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَاقَةَ العَبْدِ بِالخَلْقِ (الأَمْنُ وَالسَّلَامَةُ)، انْتَقَلَ لِيُبَيِّنَ عَلَاقَةَ العَبْدِ بِذَاتِهِ وَبِخَالِقِهِ، فَالمُجَاهِدُ لَيْسَ فَقَطْ مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللهِ، بَلْ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ: مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ، فكَبَحَ شَهَوَاتِهَا، وأَلْزَمَهَا بِالحَلَالِ، وَمَنَعَهَا عَنِ الحَرَامِ، فإِنَّ جِهَادَ النَّفْسِ هُوَ الجِهَادُ الأَكْبَرُ، وَهُوَ السَّبِيلُ لِتَحْقِيقِ كَمَالِ الإِيمَانِ، يقول اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
وَالمُهَاجِرُ كَذَلِكَ؛ لَيْسَ فَقَطْ مَنِ انْتَقَلَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، بَلِ المُهَاجِرُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ، فهَجَرَ المَعَاصِيَ، وهَجَرَ الرِّبَا، وهَجَرَ الكَذِبَ، وهَجَرَ القَطِيعَةَ، هَذِهِ هِيَ “الهِجْرَةُ القَلْبِيَّةُ”، الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا، فمَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ وَهُوَ يَهْوَاهَا، فَقَدْ هَاجَرَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ بِيَقِينِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فلِنَجْعَلْ هَذِهِ المَعَانِيَ الأَرْبَعَةَ (المُؤْمِنُ، المُسْلِمُ، المُجَاهِدُ، المُهَاجِرُ) نَصْبَ أَعْيُنِنَا، ولِنَسْأَلْ أَنْفُسَنَا: هَلْ أَمِنَنَا النَّاسُ؟، هَلْ سَلِمُوا مِنْ أَلْسِنَتِنَا؟، هَلْ نُجَاهِدُ أَنْفُسَنَا فِي الطَّاعَةِ؟ هَلْ نَهْجُرُ الذُّنُوبَ؟،
فإِنَّ الجَوَابَ عَلَى هَذِهِ الأَسْئِلَةِ هُوَ الذِي يُحَدِّدُ مَنْزِلَتَنَا عِنْدَ اللهِ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مُؤْمِنِينَ أُمَنَاءَ، وَمُسْلِمِينَ حُنَفَاءَ، وَمُجَاهِدِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي رِضَاكَ، وَمُهَاجِرِينَ لِكُلِّ مَا يُسْخِطُكَ.
( الدعاء )
