خطبة عن (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، فهي مِيزَانُ البَاطِن)
أكتوبر 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الاسلامُ ومخططاتُ أعدائِهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:30]. وفي صحيح مسلم: (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلاَ إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا:
كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ..).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ رِسَالَةَ الإِسْلَامِ العَظِيمَةَ، بَدَتْ وَاضِحَةَ المَعَالِمِ، مُنْذُ إِشْرَاقَةِ نُورِهَا الأَوَّلِ، دَاعِيَةً الخَلْقَ كَافَّةً، إِلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَالخَلَاصِ الأَبَدِيِّ، حَيْثُ جَاءَ النِّدَاءُ النَّبَوِيُّ الأَحْلَى وَالأَصْدَقُ، ففي مسند أحمد وغيره: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تُفْلِحُوا».
لَقَدْ كَانَ العَالَمُ يَوْمَئِذٍ يَغْرَقُ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ ظُلْمَةِ العَقِيدَةِ العَمْيَاءِ: بِعِبَادَةِ الحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، وَالبَشَرِ، وَظُلْمَةِ الأَخْلَاقِ المُمِيتَةِ: بِوَأْدِ البَنَاتِ، وَدَفْنِهِنَّ أَحْيَاءً بِلَا رَحْمَةٍ وَلَا وِجْدَانٍ، وَظُلْمَةِ الِاجْتِمَاعِ: حَيْثُ كَانَ القَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، وَصَاحِبُ المَالِ يَسْتَعْبِدُ الفَقِيرَ، فِي غَابَةٍ بَهِيمِيَّةٍ، تَنْطِدُ عَنِ الإِنْسَانِيَّةِ حَقِيقَتَهَا.
فَجَاءَ الإِسْلَامُ البُنْيَانُ المُرْصُوصُ، لِيَنْتَشِلَ هَذَا الإِنْسَانَ الحَائِرَ، مِنْ ذَلِكَ الوَحْلِ العَمِيقِ، كَيْ يُعِيدَهُ إِلَى الفِطْرَةِ النَّقِيَّةِ، الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (30): (32) الروم.
وهدى الاسلام الناس بِالهَدْيِ المُحَمَّدِيِّ الجَلِيلِ، حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
كما في مسند أحمد: (خطبَ رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ ». قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ «أُيُّ يَوْمٍ هَذَا». قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا». قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ ثُمَّ قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا». قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ». قَالَ وَلاَ أَدْرِي قَالَ أَوْ أَعْرَاضَكُمْ أَمْ لاَ «كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ». قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».
ولَقَدْ كَانَ السَّلَامُ رِسَالَةَ الإِسْلَامِ الكُبْرَى، وَدَعْوَةَ الحَقِّ المُبِينِ، وَالغَايَةَ الوَضِيئَةَ، الَّتِي تَرْمِي إِلَيْهَا هَذِهِ الرِّسَالَةُ الخَالِدَةُ، وهِيَ: (تَزْكِيَةُ الأَنْفُسِ وَتَطْهِيرُهَا)، عَنْ طَرِيقِ المَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِاللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَتَدْعِيمُ الرَّوَابِطِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَإِقَامَتُهَا عَلَى أَسَاسٍ رَاسِخٍ، مِنَ الحُبِّ، وَالرَّحْمَةِ ، وَالإِخَاءِ، وَالمُسَاوَاةِ، وَالعَدْلِ الشَّامِلِ.
وَلَمَّا هَاجَرَ المُصْطَفَى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، كَانَ تَعَامُلُهُ مَعَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ آيَةً فِي الحِكْمَةِ، وَالعَدْلِ؛ فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، دُونَ إِكْرَاهٍ، وَلَا قَسْرٍ، وَمَنْ ظَلَّ عَلَى دِينِهِ، وَعَهْدِهِ، ولَمْ يَقِفْ ضِدَّ دَعْوَةِ الغَيْرِ إِلَى الحَقِّ، يعيش بينهم في أمن وأمان، وَهَذَا مَا تَضَمَّنَتْهُ وَثِيقَةُ المَدِينَةِ العَادِلَةُ، مَعَ قَبَائِلِ اليَهُودِ وَمَنْ مَعَهُمْ.
وَحِينَ اتَّسَعَتْ دَوْلَةُ الإِسْلَامِ الفَتِيَّةُ، بِالفُتُوحَاتِ المُبَارَكَةِ، كَانَتْ أَهْدَافُهَا سَاطِعَةً كَالشَّمْسِ، نَاطِقَةً بِالرَّحْمَةِ وَالحُرِّيَّةِ، أَلَا تَرَى إِلَى ذَلِكَ المَوْقِفِ الخَالِدِ، لِلصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ (رِبْعِيِّ بْنِ عَامِرٍ) (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، عِنْدَمَا دَخَلَ عَلَى (رُسْتُمَ) قَائِدِ الفُرْسِ، فِي مَعْرَكَةِ القَادِسِيَّةِ العَظِيمَةِ، فَسَأَلَهُ رُسْتُمُ: (مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ؟)، فَقَالَ فِي كِبْرِيَاءِ الإِيمَانِ، وَعِزَّةِ التَّوْحِيدِ:
(إِنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ قَبِلْنَا مِنْهُ وَرَجَعْنَا عَنْهُ). وَكَانَ يُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ الإِسْلَامِ، أَوْ الجِزْيَةِ، أَوْ القِتَالِ.
وَحِينَ حَكَمَ الإِسْلَامُ أَجْزَاءً كَبِيرَةً مِنْ عَالَمِ اليَوْمِ، عُرِفَ بَيْنَ الأُمَمِ بِالعَدْلِ المُطْلَقِ، وَعَدَمِ الإِكْرَاهِ، تَصْدِيقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} [البقرة:256]،
فَعَاشَ فِي ظِلِّ السِّيَادَةِ الإِسْلَامِيَّةِ: اليَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَالمَجُوسُ، فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَذِمَّةٍ وَعَهْدٍ، لَا يُضَامُونَ فِيهِ وَلَا يُظْلَمُونَ.
إِنَّ هذه المَسِيرَةَ الوَضِيئَةَ، الَّتِي خَطَّهَا الإِسْلَامُ فِي قُلُوبِ الخَلْقِ وَعُقُولِهِمْ، تَبْقَى الشُّعْلَةَ المُنِيرَةَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، يَبْغِي العِزَّةَ وَالرِّفْعَةَ، فَالقَضِيَّةُ لَيْسَتْ تُرَاثاً نَحْكِيهِ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، وَأَمَانَةُ رِسَالَةٍ، تُسْتَحْثُّ فِيهَا الهِمَمُ، لِتَحْقِيقِ التَّزْكِيَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَإِقَامَةِ الحَيَاةِ: عَلَى قِيَمِ البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَصِيَانَةِ الأَخْلَاقِ، وَحِفْظِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ النَّافِعِ، وَالتَّوْعِيَةِ الأُسْرِيَّةِ السَّلِيمَةِ، الَّتِي تَبْنِي الأَجْيَالَ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَحُبِّ الفَضِيلَةِ، وَتُعَزِّزُ رَوَابِطَ التَّوَاصُلِ وَالإِخَاءِ، بَيْنَ أَبْنَاءِ المُجْتَمَعِ الوَاحِدِ، دُونَ فُرْقَةٍ أَوْ شَتَاتٍ، مَعَ الوُقُوفِ بِصَفٍّ وَاحِدٍ، تَقْوَىً، وَوَرَعاً، وَتَوَاصُلاً عَلَى الطَّاعَةِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالمَبَادِئِ الرَّاسِخَةِ، وَالعَمَلِ لِهَذَا الدِّينِ بِعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ وَإِخْلَاصٍ دُونَ يَأْسٍ أَوْ إِحْبَاطٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (الاسلام ومخططات أعدائه)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولكن أعداء الاسلام لم يهدأ لهم بال، يقول الله تعالى في محكم آياته، وهو أصدق القائلين: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة 217،
ويقول سبحانه : (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) البقرة 120،
وقل تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (109) البقرة:109،
فمضى أعداء الاسلام يدبرون للمسلمين، ويخططون لا سقاط الحكم الاسلامي، بكل الطرق والوسائل، وبعد قرون عدة، تحقق لهم ذلك، فأسقطت الخلافة الاسلامية، وعلى إثرها قاموا بتقسيم الدول التابعة لها، بما يعرف باتفاقية (سايكس بيكو)، فحكموا العباد، واستولوا على خيرات البلاد، ولم يغادروها، إلا بعد أن أتوا بمن يحكم المسلمين بالنيابة عنهم، ويتبع سياستهم، ويحقق أهدافهم، ورغباتهم، ومخططاتهم.
واليوم يخططون للسيطرة الكاملة بما يسمونه بـ (الشرق الأوسط الجديد)، ويقصدون بذلك افراغ المسلمين من هويتهم، وعقيدتهم، تحت مسمى (الديانة الابراهيمية)،
وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلك الحقبة من استضعاف المسلمين، ففي سنن أبي داود ومسند أحمد: (عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ».
وفي صحيح مسلم: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: (..نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصَّلاَةَ جَامِعَةً. فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي. ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولكن هيهات هيهات، وأنى لهم ذلك، فسوف تبوء خطط الأعداء كلها بالفشل، وسوف يرتدون على أعقابهم خاسرين، وسوف يعود المسلمون إلى سابق عهدهم، أقوياء بعد ضعفهم، وأعزاء بعد ذلهم، ومنصورين بعد هزيمتهم، فقد وعد الله، ووعده الحق، أن العاقبة للمتقين، وبشر رسوله صلى الله عليه وسلم، وبشارته حق، أن النصر للمؤمنين.
يقول الله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (30) الأنفال،
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:33]،
وفي مسند أحمد: (عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ:
«لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ».
وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِراً الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ.
وفي مسند أحمد: (قَالَ حُذَيْفَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ». ثُمَّ سَكَتَ.
فالإسلام قادم رغم أنف الكافرين، وشرع الله سوف يسود الأرض، ويحكم العالم، ولو كره المشركون، وهذه الحقبة من الاستضعاف سوف تنتهي، رغم أنف المنافقين، والمخذلين.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: ما هو واجب المسلمين اليوم تجاه ما يخطط لهم؟. والجواب: في قول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ) [الأنفال:60]،
وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) [النساء:71]،
ومن واجب المسلمين اليوم: التمسك بالعلم الشرعي، والتوعية، والتربية الأسرية، والاعتصام والوحدة، ونبذ الفرقة والشتات، واليقظة، والحذر الفكري، والصبر والمصابرة، والثبات على المبدإ، والعمل للإسلام بعزيمة وإخلاص، دون استسلام لليأس أو الإحباط والقنوط.
كذلك ينبغي أن ندرب أبناءنا على البذل لله -عز وجل- فيبذلوا من أوقاتهم، ويبذلوا من أموالهم؛ يتقربون بذلك إلى الله – سبحانه وتعالى- حتى يكونوا بعد ذلك قادة للأمة، يقودونها إلى الخير، ويرجعونها إلى دين الله -عز وجل-، ويكونوا ممن يساهم في محاربة المنكرات، والسعي في التعاون على البر والتقوى،
قال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (40) الحج،
وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (7) محمد،
وقال تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ) آل عمران:160.
وفي مسند أحمد: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :
«بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ».
الدُّعَاء
