خطبة حول حديث ( طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِى الاِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الاِثْنَيْنِ يَكْفِى الأَرْبَعَةَ )
أكتوبر 17, 2026خطبة عن (الإيمانُ والتوحيدُ شرطٌ لدخولِ الجنةِ)
أكتوبر 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (آدَابُ المَسَاجِدِ وَشَرَفُ عُمَّارِهَا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
في الصحيحين البخاري ومسلم: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ»، وفيهما أيضا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».
إخوة الإسلام
إِنَّ المَسَاجِدَ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بِنَايَاتٍ تُقَامُ مِنْ حِجَارَةٍ وَطِينٍ، أَوْ جُدْرَانٍ تُزَخْرَفُ بِالأَلْوَانِ وَالرِّيَاشِ، بَلْ هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، وَمَهَاوِي أِفْئِدَةِ المُؤْمِنِينَ، وَمَنَارَاتُ الْهُدَى، وَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فِي المَسَاجِدِ تَتَنَزَّلُ السَّكِينَةُ، وَتَغْشَى الرَّحْمَةُ، وَتَتَحَفَّفُ المَلائِكَةُ، وَفِيهَا يَتَجَرَّدُ العَبْدُ مِنْ مَشَاغِلِ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا، لِيَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ المُلُوكِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيَسْتَغْفِرُ وَيَذْكُرُ الله.
وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى المَسَاجِدَ، بِنِسْبَتِهَا إِلَى ذاته نِسْبَةَ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، وَقَضَى بِأَنَّ عِمَارَتَهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، هِيَ العَلامَةُ الفَارِقَةُ، وَالشَّاهِدُ الصَّادِقُ، عَلَى صِحَّةِ الإِيمَانِ؛ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:18].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:36-37].
فتَأَمَّلُوا هَذَا الوَصْفَ الإِلَهِيَّ الجَلِيلَ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾؛ أيْ أَنْ تُبْنَى وَتُعَظَّمَ، وَتُطَهَّرَ مِنَ الدَّنَسِ، وَاللَّغْوِ، وَالخُصُومَاتِ.
وَمَنْ هُمْ عُمَّارُهَا؟، هُمْ ﴿رِجَالٌ﴾؛ رِجَالٌ بِإِيمَانِهِمْ، وَعَزَائِمِهِمْ، لَمْ تَسْتَبِدَّ بِهِمُ المَادِّيَّاتُ، وَلَمْ تَشْغَلْهُمُ الأَمْوَالُ وَالتِّجَارَاتُ، عَنْ تَلْبِيَةِ نِدَاءِ “حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ”.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
وَلِأَجْلِ هَذِهِ المَنْزِلَةِ العَالِيَةِ لِلْمَسَاجِدِ، شَرَعَ الإِسْلامُ لَهَا آدَابًا سَامِيَةً، وَأَحْكَامًا جَلِيلَةً، تَحْفَظُ حُرْمَتَهَا، وَتُوَفِّرُ لِقَاصِدِيهَا جَوًّا مِنَ الخُشُوعِ وَالهَيْبَةِ.
فَمِنْ أَعْظَمِ آدَابِ المَسَاجِدِ: التَّطَهُّرُ وَالأَخْذُ بِالزِّينَةِ؛ بِالِاغْتِسَالِ، وَلَبْسِ الثِّيَابِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ، وَالتَّطَيُّبِ بِالرَّائِحَةِ الحَسَنَةِ، وَتَجَنُّبِ إِتْيَانِ المَسْجِدِ بِمَنْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ؛ مِنْ ثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ دُخَانٍ، إِكْرَامًا لِلْمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَإِخْوَانِهِ المُصَلِّينَ.
وَمِنْ آدَابِهَا: السَّعْيُ إِلَيْهَا بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ؛ فَلا يُسْرِعُ المَرْءُ إِسْرَاعًا يُشَوِّشُ خُشُوعَهُ، أَوْ يُجْهِدُ أَنْفَاسَهُ، لِقَوْلِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كما في صحيح البخاري: «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
وَمِنْ هَذِهِ الآدَابِ أَيْضًا: الدُّخُولُ بِالرِّجْلِ اليُمْنَى، مَعَ الصَلاةِ والسَّلامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَالدُّعَاءِ المَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»، وَالخُرُوجُ بِالرِّجْلِ اليُسْرَى مَعَ قَوْلِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ». ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ».
وَمِنْ آدَابِهَا: إِذَا وَلَجَ (دخل) المُؤْمِنُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ فَوْرًا كَمَا يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَتْجَرِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ “تَحِيَّةَ المَسْجِدِ”؛ إِجْلالاً لِلْمَكَانِ، وَتَعْظِيمًا لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ. ففي الحديث: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فتَأَمَّلُوا هَذَا الأَمْرَ النَّبَوِيَّ الحَكِيمَ؛ الرَّكْعَتَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ هُمَا هَدِيَّةُ المَسْجِدِ، وَتَحِيَّتُهُ الإِيمَانِيَّةُ، شُرِعَتَا لِيَنْتَقِلَ القَلْبُ فَوْرًا مِنْ أِجْوَاءِ الدُّنْيَا وَشَوَاغِلِهَا، إِلَى أِجْوَاءِ الصَّلاةِ وَالخُشُوعِ، فَيَبْدَأَ المُسْلِمُ وُجُودَهُ فِي بَيْتِ اللهِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْتَشِرَ أَوْ يَسْتَرِيحَ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
إِنَّ خُطُوَاتِكُمْ إِلَى المَسَاجِدِ لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ جَسَدِيَّةً عَابِرَةً، بَلْ هِيَ حَسَنَاتٌ تُكْتَبُ، وَدَرَجَاتٌ تُرْفَعُ، وَذُنُوبٌ تُحَطُّ.
يَقُولُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
بَلْ إِنَّ الكِبارَ وَالمَسَاكِينَ الذِينَ تَبْعُدُ دِيَارُهُمْ عَنِ المَسْجِدِ، هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا؛ لأَنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ المَشَقَّةِ وَالخُطَى، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِبَنِي سَلِمَةَ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» رواه مسلم
فَاشْكُرُوا اللَّهَ عَبَادَ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةِ المَسَاجِدِ، وَاحْرِصُوا عَلَى شُهُودِ الجَمَاعَاتِ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا الحِصْنُ الحَصِينُ لِلأَفْرَادِ وَالمُجْتَمَعَاتِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (آدَابُ المَسَاجِدِ وَشَرَفُ عُمَّارِهَا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِذَا أَدَّى المُسْلِمُ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ، وَقَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، أَوْ جَلَسَ بَعْدَهَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَإِنَّهُ لا يَكُونُ فِي حَالَةِ بَطالَةٍ، أَوْ خَسَارَةِ وَقْتٍ، بَلْ هُوَ فِي أَعْظَمِ صَفَقَاتِ الرِّبْحِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» [رَوَاهُ الـبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ فِي هَذَا الفَضْلِ العَظِيمِ الذِي يَغْفُلُ عَنْهُ الكَثِيرُونَ، فأَنْتَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ، هَادِئُ البَالِ، قَرِيرُ العَيْنِ، وَالمَلائِكَةُ الكِرَامُ البَرَرَةُ الذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، مَشْغُولِينَ بِكُم، وَبِالدُّعَاءِ لَكُمْ، يَسْتَغْفِرُونَ لَكَ، وَيَطْلُبُونَ لَكَ الرَّحْمَةَ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَقُولُونَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».
وَهَلْ تُرَدُّ دَعَوَاتُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ؟!، وَالشَّرْطُ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ بَسِيطَانِ، وهما:
أَنْ يَبْقَى فِي مُصَلاَّهُ الذِي صَلَّى فِيهِ أَوْ فِي المَسْجِدِ. والثاني: «مَا لَمْ يُحْدِثْ»؛ أَيْ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ، أَوْ مَا لَمْ يُحْدِثْ شَرًّا، وَأَذًى بِاللِّسَانِ؛ كَالغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالقِيلِ وَالقَالِ، وَخُصُومَاتِ الدُّنْيَا فِي بُيُوتِ اللهِ.
أَيُّهَا المسلمون
وَلا يَقِتَصِرُ فَضْلُ المَسَاجِدِ عَلَى صَلاةِ المَلائِكَةِ المُقِيمِينَ فِيهَا، بَلْ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلائِكَةً سَيَّارِينَ فِي الأَرْضِ، طَوَّافِينَ فِي الطُّرُقِ وَالسِّكِكِ، عَمَلُهُمْ وَشُغْلُهُمُ الشَّاغِلُ هُوَ البَحْثُ عَنْ أَهْلِ الذِّكْرِ فِي المَسَاجِدِ، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا…» [رَوَاهُ الـبُخَارِيُّ].
وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فَضْلاً عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ فَإِذَا وَجَدُوا أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ اللَّهُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ.
قَالَ فَيَقُولُ فَهَلْ رَأَوْنِي فَيَقُولُونَ لاَ. قَالَ فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَأَشَدَّ تَمْجِيدًا وَأَشَدَّ لَكَ ذِكْرًا. قَالَ فَيَقُولُ وَأَيُّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ قَالَ فَيَقُولُونَ يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ. قَالَ فَيَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ فَيَقُولُونَ لاَ. قَالَ فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا لَهَا أَشَدَّ طَلَبًا وَأَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا. قَالَ فَيَقُولُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ قَالُوا يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ. قَالَ فَيَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا فَيَقُولُونَ لاَ. فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوَ رَأَوْهَا فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا مِنْهَا أَشَدَّ هَرَبًا وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا وَأَشَدَّ مِنْهَا تَعَوُّذًا. قَالَ فَيَقُولُ فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. فَيَقُولُونَ إِنَّ فِيهِمْ فُلاَنًا الْخَطَّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَهُمْ لِحَاجَةٍ. فَيَقُولُ هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى لَهُمْ جَلِيسٌ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الغَنَائِمِ البَارِدَةِ؟!، أَيْنَ نَحْنُ مِنْ عِمَارَةِ المَسَاجِدِ التِي شَكَتْ قِلَّةَ العُمَّارِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَوْقَاتِ؟!، تَجِدُ المَرْءَ يَجْلِسُ فِي المَقْهَى، أَوْ الصَالُونِ، أَوْ أَمَامَ الشَّاشَاتِ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ، دُونَ كلل أو مَلَلٍ أَوْ تَعَبٍ، فإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، اسْتَثْقَلَ الـقُعُودَ فِيهِ دَقَائِقَ مَعْدُودَاتٍ، وَتَمَنَّى الخُرُوجَ مِنْهُ، كَأَنَّهُ المَسْجُونُ!.
إِنَّ التَّعَلُّقَ بِالمَسَاجِدِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ القَلْبِ، وَصِدْقِ الإِيمَانِ، وَهِيَ إِحْدَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ التِي يُظِلُّ اللَّهُ بِهَا العَبْدَ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ»! أَيْ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُ، حَنَّ إِلَيْهِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاعْمُرُوا بُيُوتَ اللَّهِ بِالصَّلاةِ، وَالذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَتَعَلُّمِ العِلْمِ النَّافِعِ وَحَافِظُوا عَلَى آدَابِهَا، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِهَا، الذِينَ تُصَلِّي عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، وَيَشْهَدُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ بِالإِيمَانِ.
الدعاء
