خطبة عن «أُصُولُ الدِّينِ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ»
أكتوبر 20, 2026خطبة عن حديث «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ»
أكتوبر 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (21) النور،
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (49) النساء.
إخوة الإسلام
إِنَّ طَهَارَةَ القُلُوبِ، وَصَلاَحَ الأَرْوَاحِ، وَسُمُوَّ الأَخْلاَقِ، وَاسْتِقَامَةَ الجَوَارِحِ، لَيْسَتْ حِظْوَةً يَنَالُهَا العَبْدُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَلاَ بِمَجَرَّدِ كَسْبِهِ وَدَهَائِهِ، بَلْ هِيَ مِنَّةٌ إِلهِيَّةٌ كُبْرَى، وَفَضْلٌ مَحْضٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ.
فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ، وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي، وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ، وَيكْرَهُ إِلَيْهِ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، لعلمه الأزلي المسبق بالخلق.
أما عن مَفْهُومِ “التَّزْكِيَةِ” فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى: فَالْتَّزْكِيَةُ فِي (اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ) تَدُورُ حَوْلَ مَعْنَيَيْنِ عَظِيمَيْنِ:
الأَوَّلُ: “التَّطْهِيرُ وَالتَّنْقِيَةُ”: مِنَ الأدْرَانِ وَالآَثَامِ، وَالشِّرْكِ، وَالرِّيَاءِ.
وَالثَّانِي: “النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ”: فِي الخَيْرَاتِ، وَالطَّاعَاتِ، وَالأَخْلاَقِ الفَاضِلَةِ.
فَمَعْنَى “اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ”: أي أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلاَ هُوَ المُعْطِي المَانِعُ، الَّذِي يَخْتَصُّ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ بِتَوْفِيقِهِ، فَيُطَهِّرُ نُفُوسَهُمْ مِنَ العُيُوبِ، وَيُزَكِّي قُلُوبَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَالمَعْرِفَةِ، وَيُكْمِلُ ذَوَاتَهُمْ بِالتَّقْوَى.
وَلِهَذَا، كَانَتِ التَّزْكِيَةُ لَهَا المَنْزِلَةُ العَلِيَّةُ، وَالمَقَامُ الأَسْمَى فِي هَذَا الدِّينِ؛ إِذْ هِيَ الغَايَةُ الكُبْرَى مِنْ بَعْثَةِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:2].
وَاعلموا أنَّ التَّزْكِيَةَ الإِيمَانِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ، حِينَمَا تُخَالِطُ بَشَاشَةَ القَلْبِ، لاَ تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ المَشَاعِرِ البَاطِنَةِ، بَلْ تَتَعَدَّاهَا، لِتَظْهَرَ آَثَارُهَا مَشْهُودَةً عَلَى الرُّوحِ، وَسَائِرِ الجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ؛ فَإِنَّ الجَوَارِحَ جُنُودٌ لِلْقَلْبِ، يَسْتَقِيمُونَ بِاسْتِقَامَتِهِ، وَيَفْسُدُونَ بِفَسَادِهِ.
فَتَزْكِيَةُ الرُّوحِ وَالقَلْبِ: تَكُونُ بِتَطْهِيرِهِمَا مِنْ سُمُومِ الشِّرْكِ، وَالرِّيَاءِ، وَالكِبْرِ، وَالحَسَدِ، وَالعُجْبِ، وَعِمَارَتِهِمَا بِالمَحَبَّةِ، وَالخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.
وَأَمَّا تَزْكِيَةُ اللِّسَانِ: فَبِصِيَانَتِهِ عَنِ الكَذِبِ، وَالغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالفُحْشِ، وَشَغْلِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلاَوَةِ القُرْآنِ، وَالقَوْلِ السَّدِيدِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب:70-71].
وَتَزْكِيَةُ العَيْنِ: بِغَضِّهَا عَنِ المَحَارِمِ، وَكفِّهَا عَنِ الِاطِّلاَعِ عَلَى عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ، وَاسْتِعْمَالِهَا فِي النَّظَرِ إِلَى آيَاتِ اللَّهِ، وَمَصَاحِفِ الهُدَى؛ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلاَ:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:30].
وَتَزْكِيَةُ السَّمْعِ: بِإِعْرَاضِهِ عَنِ سَمَاعِ المَلاَهِي، وَالغِنَاءِ المُحَرَّمِ، وَالغِيبَةِ، وَالقِيلِ وَالقَالِ، وَتَوْجِيهِهِ لِسَمَاعِ القُرْآنِ، وَالحِكْمَةِ، وَالعِلْمِ النَّافِعِ.
وَتَزْكِيَةُ الفَرْجِ: بِعِفَّتِهِ، وَحِفْظِهِ عَنِ الزِّنَا وَالفَوَاحِشِ، وَالاِقْتِصَارِ عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ،
ثُمَّ تَزْكِيَةُ اليَدَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ: بِأَنْ لاَ تَبْطِشَ اليَدُ إِلاَّ فِي حَقٍّ، وَلاَ تَمْشِيَ القَدَمُ إِلاَّ إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الحَدِيثِ الإِلَهِيِّ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا».
فَهَذَا هُوَ سِرُّ التَّزْكِيَةِ الجَامِعَةِ؛ أَنْ تَكُونَ أَعْضَاءُ العَبْدِ كُلُّهَا مُسَخَّرَةً لِطَاعَةِ المَوْلَى سبحانه وتعالى: (كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ لِلتَّزْكِيَةِ فِي الشَّرِيعَةِ قِسْمَيْنِ، وَنَوْعَيْنِ بَالِغَيِ الأَهَمِّيَّةِ، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِقْهًا وَسُلُوكًا:
النَّوْعُ الأَوَّلُ: “التَّزْكِيَةُ الإِلَهِيَّةُ المَحْمُودَةُ“: وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَبْدِهِ، وَبَثُّ النُّورِ فِي قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ،
وَمِثْلُهَا: “تَزْكِيَةُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ”: أَيْ سَعْيُهُ فِي طَهَارَتِهَا، بِإِتقَاءِ المَعَاصِي،
وَالقِيَامِ بِالفَرَائِضِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس:9-10].
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَهُوَ “تَزْكِيَةُ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ: مَدْحًا، وَإِعْجَابًا، وَتَزْيِينًا“: وَهِيَ التزكية المَذْمُومَةُ، الَّتِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهَا حَذَرًا شَدِيدًا، فحِينَمَا يُثْنِي المَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، أَوْ يَتَمَادَى فِي اسْتِعْرَاضِ صَلاَحِهِ وَتَقْوَاهُ، لِيَسْتَجْلِبَ ثَنَاءَ الخَلْقِ، وَيَتَرَفَّعَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ.
وَفِي هَذَا الخَطَرِ العَظِيمِ (تزكية النفس): يُحَذِّرُنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ مِنْ مَقْتِ هَذِهِ التَّزْكِيَةِ المَذْمُومَةِ، الَّتِي اقْتَرَفَتْهَا اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، حِينَمَا ادَّعَوْا العِصْمَةَ وَالطَّهَارَةَ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:49].
وقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) المائدة:18.
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم:32].
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ زَجَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَنْ ثَنَاءِ المَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ فِي النَّفْسِ بِالكَمَالِ، وَالطَّهَارَةِ، هُوَ جسْرُ الكِبْرِ، وَبَابُ الهَلاَكِ، وَمُوجِبٌ لِمَقْتِ الجَبَّارِ جَلَّ وعَلاَ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: «سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الاسْمِ، وَسُمِّيْتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ البِرِّ مِنْكُمْ، فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: سَمُّوهَا زَيْنَبَ».
فانْظُرُوا كَيْفَ نَهَى النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى عَنِ الأَسْمَاءِ الَّتِي تَحْمِلُ فِي ظَاهِرِهَا تَزْكِيَةً، وَتَطْهِيرًا لِلذَّاتِ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ العُجْبِ، وَحِفْظًا لِعُبُودِيَّةِ الاِفْتِقَارِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي نُصُوصِ الوَحْيَيْنِ، يَجِدُ أَنَّ لِلتَّزْكِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ المَحْمُودَةِ ثَمَرَاتٍ جَلِيلَةً، وَفَضَائِلَ عَمِيمَةً، تُصْلِحُ دُنْيَا العَبْدِ وَآخِرَتَهُ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ نَتَائِجِ التزكية و ثَمَرَاتها:
الفَلاَحُ المُطْلَقُ فِي الدَّارَيْنِ، وَصَلاَحُ القَلْبِ، وَعِمَارَةُ الجَوَارِحِ بِالطَّاعَاتِ، وَنَيْلُ رِضْوَانِ اللَّهِ وَالجَنَّاتِ العُلاَ.
وَفِي المَقَابِلِ، فَإِنَّ عَاَقِبَةَ مَنْ لَمْ يَتَزَكَّ (أي لم يزك نفسه) عَاَقِبَةٌ وَخِيمَةٌ: فهِيَ الخُسْرَانُ المُبِينُ، وَخَبَثُ النَّفْسِ، وَتَرَاكُمُ الرَّانِ عَلَى القُلُوبِ، حَتَّى يَصِيرَ العَبْدُ أَعْمَى عَنِ الحَقِّ، يُقَادُ إِلَى الهَلاَكِ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ.
والسؤال: مَا هِيَ الوَصْفَةُ النَّبَوِيَّةُ، الَّتِي تُعِينُ المُسْلِمَ عَلَى تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، (مَعْرِفَةً، وَعَمَلاً؟)
والجواب: إِنَّ أَوْلَى الوَسَائِلِ المُعِينَةِ على التزكية: صِدْقُ اللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ، وَالاِفْتِقَارِ؛ فَلاَ يُزَكِّي القُلُوبَ إِلاَّ بَارِئُهَا، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ فِي التَّزْكِيَةِ، مَا فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا».
وَثَانِي هَذِهِ الوَسَائِلِ فِي الوَصْفَةِ النَّبَوِيَّةِ للتزكية: إِقَامَةُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ المَالِيَّةَ وَالصَّدَقَةَ سُمِّيَتْ “زَكَاةً” لأَنَّهَا تُطَهِّرُ النَّفْسَ مِنَ الشُّحِّ وَالبُخْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة:103].
وَثَالِثُهَا: تِلاَوَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِالتَّدَبُّرِ وَالعَمَلِ، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى تَرْكِ المَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ؛ فَإِنَّ المَعْصِيَةَ تُدَنِّسُ النَّفْسَ، وَالطَّاعَةَ تُنَمِّيهَا وَتُرَفِّعُهَا.
وتَأَمَّلُوا أثَرَ التَّزْكِيَةِ الحَقِيقِيَّةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ: فإِذَا تَزَكَّتْ نَفْسُ الفَرْدِ، سَلِمَ مِنْ الحَسَدِ، وَالعُجْبِ، وَالكِبْرِ، وَعَاشَ نَقِيَّ الصَّدْرِ، رَاضِيًا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ.
وَإِذَا سَادَتِ التَّزْكِيَةُ فِي المُجْتَمَعِ، انْقَطَعَتِ المَظَالِمُ، وَشَاعَتِ المَوَدَّةُ، وَعَمَّ الأَمْنُ، وَتَمَاسَكَتْ الأُسَرُ، وَصَارَتِ الأُمَّةُ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ، فِي الطَّهَارَةِ، وَالفَضِيلَةِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ بَاطِلاً، وَاسْأَلُوا اللَّهَ صَبَاحًا وَمَسَاءً أَنْ يُزَكِّيَ قُلُوبَكُمْ، وَأَنْ يَهْدِيَكُمْ لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، فلاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلاَّ هُوَ، وَاصْدُقُوا فِي مُجَاهَدَةِ أَهْوَائِكُمْ، لِتَكُونُوا مِنَ المُفْلِحِينَ، الفَائِزِينَ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاء
