خطبة عن حديث «البَابُ المَكْسُورُ وَفِتَنُ الدُّهُورِ»
أكتوبر 19, 2026خطبة عن «أُصُولُ الدِّينِ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ»
أكتوبر 20, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الِاسْتِئْذَانُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (27)، (28) النور،
وفي صحيح مسلم: (أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا. قُلْنَا مَا شَأْنُكَ قَالَ إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَىَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا فَقُلْتُ إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَىَّ فَرَجَعْتُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ». فَقَالَ عُمَرُ أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَإِلاَّ أَوْجَعْتُكَ. فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لاَ يَقُومُ مَعَهُ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قُلْتُ أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ. قَالَ فَاذْهَبْ بِهِ).
إخوة الإسلام
فَإِنَّ الإِسْلاَمَ العَظِيمَ جَاءَ بِتَكْمِيلِ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَإِرْسَاءِ أَدَبِ المَعَاشِرَةِ، وَحِفْظِ الحُرُمَاتِ المَصُونَةِ، وَصِيَانَةِ الأَعْرَاضِ وَالعَوْرَاتِ، الَّتِي حَمَاهَا الشَّرْعُ المُطَهَّرُ بِأَعْظَمِ السِّيَاجَاتِ؛ فَلَمْ يَتْرُكْ جَانِبًا مِنْ حَيَاةِ الإِنْسَانِ إِلاَّ وَنَظَّمَهُ بِأَبْهَى الحِلَلِ، وَأَحْسَنِ الآدَابِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي تَتَجَسَّدُ فِيهَا حُرْمَةُ البُيُوتِ، وَسَكِينَةُ الأُسَرِ، وَطَهَارَةُ المُجْتَمَعِ: أَدَبَ “الِاسْتِئْذَانِ“.
فَالِاسْتِئْذَانُ فِقهًا وَلُغَةً: هُوَ طَلَبُ الإِذْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَى الغَيْرِ، أَوْ التَّصَرُّفِ فِي خَاصَّتِهِ؛ لِيَمْنَعَ الطَّارِئَ مِنَ الاِطِّلاَعِ عَلَى مَا يَكْرَهُ المَرْءُ أَنْ يُرَى مِنْ عَوْرَاتِهِ، وَخُصُوصِيَّاتِهِ، وَسَرِيرَةِ بَيْتِهِ.
وَلِهَذَا الأدَبِ فِي شَرِيعَتِنَا المُطَهَّرَةِ مَنْزِلَةٌ عَلِيَّةٌ، وَقَدْرٌ رَفِيعٌ؛ إِذْ هُوَ سِيَاجٌ مَنِيعٌ، يَحْمِي القُلُوبَ مِنَ الخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ، وَيَقِي الأَعْيُنَ مِنَ الخِيَانَةِ، وَيَصُونُ الدُّورَ مِنَ الهَتْكِ وَالتَّجَسُّسِ.
وتَأَمَّلُوا الْحِكْمَةِ العَظِيمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ: فَالْبَيْتُ فِي الإِسْلاَمِ سَكَنٌ وَسِتْرٌ، وَمَمْلَكَةٌ خَاصَّةٌ، يَخْلَعُ فِيهَا المَرْءُ ثِيَابَ التَّكَلُّفِ وَالحَذَرِ، وَيَسْتَرِيحُ فِي جَنَبَاتِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَيَكُونُ عَلَى حَالٍ لاَ يُحِبُّ أَنْ يَرَاهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَلَوْ أُبِيحَ لِكُلِّ طَارِقٍ أَنْ يَقْحَمَ الدَّارَ، دُونَ إِذْنٍ ، أَوْ نِدَاءٍ، لَسَقَطَتِ الحُرُمَاتُ، وَتَكَشَّفَتِ العَوْرَاتُ، وَوَقَعَتِ الحَسْرَاتُ، وَانْهَدَمَتِ القِيَمُ، وَشَاعَتِ الرَّيْبَةُ وَالشَّكُّ فِي المُجْتَمَعِ.
وَلِهَذَا جَاءَ صَرِيحُ القُرْآنِ الكَرِيمِ يُؤَكِّدُ هَذَا الحَقَّ الإِلَهِيَّ المَكْنُونَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلاَ:
﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:28].
فانْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ حِينَ عَدَمِ الإِذْنِ “زَكَاةً” لِلنُّفُوسِ، وَطَهَارَةً لِلْقُلُوبِ، فَلاَ يَجِدُ المُؤْمِنُ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا، أَوْ غِلاًّ، إِذَا رَدَّهُ صَاحِبُ الدَّارِ، لأَنَّ لِلْبُيُوتِ أَبْرَارًا، وَأَسْرَارًا، وَأَحْوَالاً، لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ.
وَجَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَّرَةُ لِتُكَمِّلَ هَذَا البَنَاءَ الإِيمَانِيَّ الجَلِيلَ؛ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ المَقْصُودَ الأَسَاسِيَّ، وَالعِلَّةَ الكُبْرَى مِنَ الِاسْتِئْذَانِ، إنَّمَا هُوَ حِفْظُ البَصَرِ عَنْ حُرُمَاتِ الآخَرِينَ،
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَمَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِدْرًى يَكُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ».
فتَأَمَّلُوا شِدَّةَ هَذَا الزَّجْرِ النَّبَوِيِّ المُرَوِّعِ، لِمَنْ يُحَاوِلُ خَرْقَ الحُجُبِ بِبَصَرِهِ، أَوْ التَّجَسُّسَ عَلَى البُيُوتِ، فَإِنَّ العَيْنَ الخَائِنَةَ، الَّتِي تَسْتَرِقُ النَّظَرَ إِلَى دَاخِلِ الدُّورِ، قَدْ أَهَدَرَتْ حُرْمَتَهَا بِنَفْسِهَا؛ حَتَّى جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِإِسْقَاطِ جِنَايَةِ مَنْ جَنَى عَلَيْهَا، إِذَا فَقَأَهَا صَاحِبُ الدَّارِ طَرْدًا لِلتَّجَسُّسِ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَأُوا عَيْنَهُ، فَقَدْ هَدَرَتْ عَيْنُهُ».
فيَا لَهَا مِنْ حِمَايَةٍ شَرِيفَةٍ، تُقِيمُهَا الشَّرِيعَةُ لِحُرْمَةِ المَسَاكِنِ، فَالِاسْتِئْذَانُ لَيْسَ جِرْمًا أَوْ شَكْلِيَّةً اجْتِمَاعِيَّةً، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ وَتَقْوَى، يُثَابُ الفَاعِلُ عَلَيْهَا، وَيَسْلَمُ بِهَا مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ، وَيَحْفَظُ بِهَا أُخُوَّةَ المُسْلِمِينَ.
ويكفي بالاستئذان رفعة ومكانة عند الله في نفوس المسلمين الصادقين، أن يمتنع عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عن إقامة حد، استوجب أصحابه العقاب، لأنه دخل عليهم بغير استئذان.
فيحكى أن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دخل على قوم يتعاقرون على شراب ويوقدون في أخصاص فقال نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإيقاد في الاخصاص فأوقدتم. فقالوا :
(يا أمير المؤمنين قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير اذن فدخلت، فقال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاتين بهاتين: وانصرف ولم يتعرض لهم) (الاحكام السلطانية).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ لِلِاسْتِئْذَانِ فِي دِينِنَا مَجَالاَتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَمَرَاتِبَ شَامِلَةً تَنْتَظِمُ فِي كُلِّ أَبْعَادِ الحَيَاةِ، ومنها:
الِاسْتِئْذَانُ الخَارِجِيُّ: وَهُوَ طَلَبُ الدُّخُولِ عَلَى بُيُوتِ الآخَرِينَ وَمَنَازِلِهِمْ، فَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا لَيْسَ لَهُ، إِلاَّ بَعْدَ إِذْنٍ صَرِيحٍ مِنْ أَهْلِهِ.
ومنها: الِاسْتِئْذَانُ الدَّاخِلِيُّ: وَهُوَ الِاسْتِئْذَانُ فِي البَيْتِ الوَاحِدِ، بَيْنَ المَحَارِمِ وَالأَقَارِبِ وَالأَوْلاَدِ؛ فَلاَ يَدْخُلُ الوَلَدُ عَلَى أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، كَيْ لاَ يَرَى مِنْهَا مَا يَكْرَهُ.
ففي موطإ مالك: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي فَقَالَ «نَعَمْ». قَالَ الرَّجُلُ إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا». فَقَالَ الرَّجُلُ إِنِّي خَادِمُهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً». قَالَ لاَ. قَالَ «فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا».
بَلْ حَتَّى الأَطْفَالُ وَالصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، وَالمَمْلُوكُونَ، أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِئْذَانِ فِي ثَلاَثَةِ أَوْقَاتٍ لِلْعَوْرَاتِ، يَكْثُرُ فِيهَا وَضْعُ الثِّيَابِ وَالاِسْتِلْقَاءُ؛ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ [النور:58].
فَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ الحُلُمَ، وَجَبَ عَلَيْهِمِ الِاسْتِئْذَانُ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ، كَمَا يَسْتَأْذِنُ الكِبَارُ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور:59].
وَمنها أَيْضًا: الِاسْتِئْذَانُ فِي المَتَاعِ وَالحُقُوقِ: فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى حَاجَةِ أِخِيهِ، أَوْ أَنْ يَرْتَكِبَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ المَالِيَّةِ أَوْ المَعْنُوِيَّةِ، أَوْ يَقْرَأَ كِتَابَهُ وَرَسَائِلَهُ وَهَاتِفَهُ، إِلاَّ بِإِذْنٍ، وَطِيبِ نَفْسٍ.
وَمنها: الِاسْتِئْذَانُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ مِنَ المَجَالِسِ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ: إِذْ مِنَ الأَدَبِ أَنْ لاَ يَقُومَ الجَلِيسُ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِ إِخْوَانِهِ أَوْ صَاحِبِ المَجْلِسِ، وفي سنن أبي داود: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ».
ومنها: استئذان الجليسين جليسَهما الثالث ليتناجيا، ففي مسند أحمد: (عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يُحْزِنه».
ومنها: الاستئذان عند الجلوس إلى اثنين يتناجيان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا تناجى اثنان فلا تجلس إليهما حتى تستأذنهما»، أخرجه أحمد وحسنه الأرناؤوط.
ومنها: الاستئذان للجلوس بين شخصين، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما»، أخرجه أبو داود وصححه الألباني،
وإنما نهي عن ذلك وأمر بالاستئذان في هذا المقام؛ لأنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سِرٍّ وأمانة فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما.
ومنها: الاستئذان في الإقران في أكل التمر، فعن جَبَلة قال: “كنا بالمدينة، فأصابتنا سنة، فكان ابن الزبير يرزقنا التمر، وكان ابن عمر يمر بنا فيقول: لا تقرنوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه». أخرجه البخاري
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (الِاسْتِئْذَانُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلِاسْتِئْذَانِ فِي هَدْيِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، آدَابًا سَامِيَةً، وَصِيَغًا طَيِّبَةً، وَطُرُقًا مُحَدَّدَةً، تَحْفَظُ لِلنَّاسِ كَرَامَتَهُمْ، وَهَيْبَتَهُمْ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ آدَابِهِ:
أَنْ لاَ يَقِفَ المُسْتَأْذِنُ تِلْقَاءَ البَابِ مَكْشُوفًا، يَنْظُرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ إِذَا فُتِحَ، بَلْ يَقِفُ عَنْ يَمِينِ البَابِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ. فَفِي سُنَنِ الإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ أَوْ الأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ».
وَمِنْ آدَابِهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِئْذَانُ ثَلاَثًا، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلاَّ رَجَعَ بِطِيبِ نَفْسٍ، دُونَ وَجْدٍ أَوْ حَرَجٍ فِي صَدْرِهِ. فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلاَّ فَارْجِعْ».
وَمِنْ آدَابِهِ الكُبْرَى: الإِفْصَاحُ عَنِ الاسْمِ الصَّرِيحِ، حِينَمَا يُسْأَلُ المُسْتَأْذِنُ: “مَنْ؟”؛ وَكَرَاهِيَةُ قَوْلِ كَلِمَةِ “أَنَا!” الَّتِي لاَ تُفِيدُ تَعْرِيفًا، وَتُورِثُ الإِبْهَامَ. فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَنَا! كَأَنَّهُ كَرِهَهَا».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن صِيغَةُ الِاسْتِئْذَانِ المَشْرُوعَةِ: فمنها أَنْ يَقْرُنَ المُسْتَأْذِنُ السَّلاَمَ بِطَلَبِ الدُّخُولِ، فَيَقُولُ:
“السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أأَدْخُلُ؟”؛ كَمَا جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِخَادِمِهِ: «اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أأَدْخُلُ؟».
ومن صور تعظيم السلف الصالح للاستئذان: ففي الصحيحين: (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم- وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ).
وفي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- رضي الله عنه- رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَاليَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ)
وفي صحيح البخاري: (أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، وَرَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَضْحَكُ).
وفيه أيضا: (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتِ اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن أثَر العَمَلِ بِهَذَا الأَدَبِ الشَّرِيفِ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ: فإِذَا الْتَزَمَ الفَرْدُ بِالِاسْتِئْذَانِ، زَكَتْ نَفْسُهُ، وَسَلِمَ بَصَرُهُ، وَعَاشَ مَحْبُوبًا مُوَقَّرًا لاَ يَتَثَاقَلُ النَّاسُ زِيَارَتَهُ.
وَإِذَا سَادَ الِاسْتِئْذَانُ فِي المُجْتَمَعِ، شَاعَتِ الثِّقَةُ وَالأَمَانُ، وَامْتَحَتِ الضَّغَائِنُ وَالرَّيْبَةُ، وَحُفِظَتْ كَرَامَاتُ البُيُوتِ، وَنَشَأَتِ الأَجْيَالُ عَلَى العِفَّةِ وَالحَيَاءِ وَاحْتِرَامِ الخُصُوصِيَّاتِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الإِسْلاَمِ فِي اسْتِئْذَانِكُمْ، وَاحْفَظُوا أَبْصَارَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ، وَاحْتَرِمُوا حُرُمَاتِ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ؛ لِتَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ.
الدُّعَاء
