خطبة حول ( فتن آخر الزمان كما أخبر بها سيد الأنام)
أكتوبر 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (9) الاسراء، وقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) (1): (2) الكهف، وَفي الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ”، قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ” [رواه الترمذي].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكِ الخَلْقَ هَمَلًا، بَلْ أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِيزَانًا عَدْلًا، وَنُورًا مُبِينًا، وهُوَ هَذَا القُرْآنُ العَظِيمُ،
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}:
أَيْ: يهدي ويرشد لِلْمِلَّةِ وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَعْدَلُ وَأَصْوَبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
فَهُوَ يَهْدِي فِي “العَقِيدَةِ”: لِتَوْحِيدٍ خَالِصٍ لَا شَوْبَ فِيهِ.
وَيَهْدِي فِي “العِبَادَةِ”: للِتَوَسُّطٍ بَيْنَ الغُلُوِّ وَالجَفَاءِ.
وَيَهْدِي فِي “الأَخْلَاقِ”: لِمَكَارِمِ الأخلاق والشِّيَمِ.
فالقُرْآن لَيْسَ كِتَابًا لِلْبَرَكَةِ فَحسب، بَلْ هُوَ دُسْتُورُ حَيَاةٍ؛ ومَنْ رَغِبَ عَنْهُ ضَلَّ،
وَمَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَذَلَّهُ اللَّهُ، فهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، فمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الجَنَّةِ، ومن جعله خلفه قاده إلى النار.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: فتَأَمَّلُوا فِي هِدَايَةِ القُرْآنِ لِلْمُجْتَمَعَاتِ : فَهُوَ يُنَظِّمُ العَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، عَلَى أَسَاسِ العَدْلِ وَالمَرْحَمَةِ.
ويَهْدِي “لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ” فِي البُيُوتِ؛ فَيُوصِي بِالعِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ.
وَيَهْدِي فِي الأَسْوَاقِ؛ فَيَنْهَى عَنِ الرِّبَا وَتَطْفِيفِ المَكَايِيلِ.
وكُلَّمَا ابْتَعَدَ النَّاسُ عَنْ هَدْيِ هَذَا الكِتَابِ، ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهُمْ، وَتَخَبَّطُوا فِي أَهْوَائِهِمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ العَالَمَ اليَوْمَ- بِكُلِّ نَظَرِيَّاتِهِ وَقَوَانِينِهِ- يَقِفُ حَائِرًا أَمَامَ مُعْضِلَاتِ النَّفْسِ، وَالمُجْتَمَعِ، بَيْنَمَا يَكْمُنُ الحَلُّ فِي آيَاتٍ مَحْكَمَاتٍ، تُخَاطِبُ الفِطْرَةَ، وَتُقِيمُ الحَقَّ، فَهَلْ جَعَلْنَا القُرْآنَ حَكَمًا فِي
نِزَاعَاتِنَا؟ ، وَهَلْ تَدَبَّرْنَا آيَاتِهِ، لِنَسْتَخْرِجَ مِنْهَا دَوَاءَ أَدْوَائِنَا، وأمراضنا؟.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: فمِنَ الهِدَايَةِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ:
أَنْ يَعِيشَ المُسْلِمُ بِـ “اليَقِينِ” فِي زَمَنِ الشُّكُوكِ، فالقُرْآنُ يَبْنِي فِي نَفْسِكَ الثَّبَاتَ؛ فَيُخْبِرُكَ أَنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، وهَذِهِ الرَّسَائِلُ الرَّبَّانِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَحْمِي الشَّبَابَ مِنَ الانْحِرَافِ، وَتَحْمِي المَرأَةَ مِنَ الذَّوَبَانِ، وَتَحْمِي الكَبِيرَ مِنَ اليَأْسِ.
و{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: فِي اتِّخَاذِ القَرَارَاتِ:
فَمَنِ اسْتَخَارَ اللَّهَ، وَتَدَبَّرَ كِتَابَهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ البَصِيرَةِ، فالقُرْآنُ يَصْنَعُ مِنْكَ إِنْسَانًا مُتَوَازِنًا؛ يَعْمَلُ لِدُنْيَاهُ، كَأَنَّهُ يَعِيشُ أَبَدًا، وَيَعْمَلُ لِآخِرَتِهِ، كَأَنَّهُ يَمُوتُ غَدًا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: فإِنَّ حَقَّ هَذَا القُرْآنِ عَلَيْنَا لَيْسَ فَقَطْ حُسْنَ التِّلَاوَةِ،
بَلْ حُسْنَ “الامْتِثَالِ“، فمَا فَائِدَةُ أَنْ نَحْفَظَ حُرُوفَهُ، وَنُضَيِّعَ حُدُودَهُ؟.
فالهِدَايَةُ لِلَّتِي هِيَ (أَقْوَمُ): تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ خُلُقُنَا القُرْآنَ، كَمَا كَانَ خُلُقُ النَّبِيِّ ﷺ،
ففي صحيح الأدب للبخاري ومسند أحمد: (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم:4،
فإِذَا قَرَأْتَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة:83، فَلْيَظْهَرْ ذَلِكَ فِي لِسَانِكَ.
وَإِذَا قَرَأْتَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} النحل:90، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مَنْهَجَكَ، وهكذا…
فالقُرْآن يَشْفَعُ لِأَصْحَابِهِ الذِينَ تَمَسَّكُوا بِهِ عَمَلًا، فَلَا يَكُنْ حَظُّ أَحَدِنَا مِنَ القُرْآنِ نَغَمَاتٍ صَوْتِيَّةً، بَلْ هِدَايَاتٍ عَمَلِيَّةً، تُغَيِّرُ الوَاقِعَ، وَتَرْفَعُ الشَّأْنَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29].
وَفي الحديث: (عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:
“خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ” [رواه البخاري].
فإِنَّ خَيْرِيَّةَ الأُمَّةِ مَرْبُوطَةٌ بِقُرْبِهَا مِنْ هَذَا الكِتَابِ.
فالقُرْآنُ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ فِي “تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ”؛ فَنُعَلِّمُهُمْ حُبَّ اللَّهِ، وَتَعْظِيمَ حُرُمَاتِهِ.
ويَهْدِي فِي “بِرِّ الوَالِدَيْنِ” بِقَوْلِهِ تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} الاسراء:23،
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: فإِنَّ البَرَكَةَ الَّتِي نَنْشُدُهَا فِي بُيُوتِنَا، وَأَرْزَاقِنَا، مَوْجُودَةٌ بَيْنَ دَفَّتَيِ المُصْحَفِ، فَلَا تَهْجُرُوا القُرْآنَ تِلَاوَةً، وَلَا تَهْجُرُوهُ تَدَبُّرًا، وَلَا تَهْجُرُوهُ عَمَلًا، واجْعَلُوا لَكُمْ وِرْدًا يَوْمِيًّا، لَيْسَ لِقِرَاءَتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَحْوِيلِ آيَاتِهِ إِلَى سُلُوكٍ، يَرَاهُ النَّاسُ فِي تَعَامُلَاتِكُمْ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 1-2]. وَفي الحديث الصحيح: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: “أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” [رواه مسلم].
فإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ، وَالثَّنَاءَ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ: هُوَ نِعْمَةُ البَيَانِ، وَهَذَا القُرْآنُ؛
فَقَدِ افْتَتَحَ اللهُ سُورَةَ الكَهْفِ بِـ “الحَمْدِ”: لِيُعْلِمَنَا أَنَّ إِنْزَالَ الكِتَابِ هُوَ أَعْظَمُ مِنَنِهِ عَلَى البَشَرِيَّةِ ، ووَصَفَهُ اللهُ بِأَنَّهُ {لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}؛ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَخْبَارِهِ، وَلَا ظُلْمَ فِي أَحْكَامِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي مَعَانِيهِ، فإِنَّهُ كِتَابٌ مُسْتَقِيمٌ فِي ذَاتِهِ، {قَيِّمًا} يُقِيمُ مَصَالِحَ الخَلْقِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ
فالقُرْآنُ هُوَ المِعْيَارُ الذِي تُوزَنُ بِهِ الأَفْكَارُ؛ فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ الحَقُّ المَسْتُورُ، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ البَاطِلُ المَدْحُورُ، فمَنْ أَرَادَ حَيَاةً بِلَا اضْطِرَابٍ، وَقَلْباً بِلَا ارْتِيَابٍ، فَلْيَعْتَصِمْ بِهَذَا الكِتَابِ، الذِي لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ مَقْصِدَ هَذَا الكِتَابِ الذِي “لَا عِوَجَ فِيهِ” هُوَ الانْطِلَاقُ بِالبَشَرِيَّةِ مِنْ التِّيهِ إِلَى النُّورِ؛ فَهُوَ: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} لِمَنْ تَمَرَّدَ عَلَى خَالِقِهِ، وَأَفْسَدَ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ – فِي المَقَابِلِ- بَشِيرٌ لِأَهْلِ الإِيمَانِ، ولَكِنَّ البِشَارَةَ مَقْرُونَةٌ بِشَرْطٍ عَظِيمٍ: {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ}.
والإِيمَانُ فِي القُرْآنِ لَيْسَ ادِّعَاءً بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ “عَمَلٌ” يُصَدِّقُ اليَقِينَ، فحِينَ يَكُونُ القُرْآنُ “قَيِّمًا” عَلَى سُلُوكِنَا، فَنَحْنُ نَحْصُدُ “الأَجْرَ الحَسَنَ”؛ وَهُوَ الجَنَّةُ فِي الآخِرَةِ، وَالسَّكِينَةُ وَالبَرَكَةُ فِي الدُّنْيَا.
فَهَلْ جَعَلْنَا القُرْآنَ قَيِّمًا عَلَى أَخْلَاقِنَا؟، وَهَلْ اسْتَشْعَرْنَا البِشَارَةَ حِينَ نَقْرَأُ وَعْدَ اللهِ لِلْعَامِلِينَ؟.
وتَأَمَّلُوا فِي ثَبَاتِ مَنْ جَعَلَ القُرْآنَ دَلِيلَهُ؛ وكَيْفَ يَعِيشُ بِاسْتِقَامَةٍ، فِي زَمَنِ الاعْوِجَاجِ، فحِينَ تَمُوجُ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، نَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ كُلَّ جُمْعَةٍ، لِنَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ يَعْصِمُ بِالقُرْآنِ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ.
فالقُرْآنُ يُعَلِّمُكَ أَنْ تَكُونَ “قَيِّمًا” فِي مَوَاقِفِكَ: فَلَا تُمَايِنُ فِي دِينِكَ، وَلَا تَغُشُّ فِي تِجَارَتِكَ، وَلَا تَظْلِمُ فِي حُكْمِكَ،
فالإِنْسَانُ الذِي يَسْتَمِدُّ قِيَمَهُ مِنَ القُرْآنِ لَا يَنْحَنِي لِأَهْوَاءِ النَّاسِ، بَلْ يَنْقَادُ لِوَحْيِ اللهِ، فالعِزَّة كُلَّ العِزَّةِ فِي الِانْتِسَابِ لِهَذَا الكِتَابِ، مَنْهَجاً وَتَطْبِيقاً، لَا مُجَرَّدَ لَفْظٍ وَتَحْمِيداً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الحَمْدَ عَلَى نِعْمَةِ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ: أَنْ نُعِيدَهُ إِلَى صَدَارَةِ حَيَاتِنَا، فلَا يَصِحُّ أَنْ نَحْمَدَ اللهَ عَلَى الكِتَابِ، ثُمَّ نَهْجُرَ تَدَبُّرَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ.
فالهَدَفُ مِنَ التَّنْزِيلِ هُوَ أَنْ يَكُونَ “قَيِّمًا” عَلَى بِيُوتِنَا؛ فَيُصْلِحَ مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَيُهَذِّبَ نُفُوسَ الأَبْنَاءِ، وَيَحْفَظَ الحُقُوقَ.
فمَا نَزَلَ القُرْآنُ لِيُوضَعَ عَلَى الرُّفُوفِ لِلزِّينَةِ، بَلْ لِيَقُودَ الرُّؤُوسَ لِلسَّجْدَةِ، وَالأَيْدِيَ لِلصَّدَقَةِ، وَالأَلْسِنَةَ لِلصِّدْقِ.
فلِنَجْعَلْ مِنْ كُلِّ آيَةٍ نَقْرَؤُهَا خُطَّةَ عَمَلٍ، وَمِنْ كُلِّ تِلَاوَةٍ مَحَطَّةَ تَصْحِيحٍ، لِنَسْتَحِقَّ فِعْلاً أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ حَمِدُوا اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:76-77]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا” [رواه الترمذي وصححه].
فالقُرْآن الذِي بَيْنَ أَيْدِينَا هُوَ “الحَبْلُ المَوْصُولُ” بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فحِينَ نَقْرَأُ قوله تعالى : {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} الكهف(2)،
فَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ خُلُودٍ فِي النَّعِيمِ لَا يَنْقَطِعُ، وهَذَا الوَعْدُ هُوَ الذِي ثَبَّتَ الصَّحَابَةَ فِي المِحَنِ، وَجَعَلَهُمْ يَبْذُلُونَ الغَالِيَ وَالنَّفِيسَ.
فمَنْ تَمَسَّكَ بِالقُرْآنِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الحِكْمَةِ، وَصَارَ يَرَى بِنُورِ اللهِ، فلَا نَجَاةَ مِنَ الفِتَنِ المُعَاصِرَةِ -الفِكْرِيَّةِ مِنْهَا وَالسُّلوكيَّةِ- إِلَّا بِالعَوْدَةِ لِلْكِتَابِ الذِي “لَا عِوَجَ فِيهِ”، فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ بَهَارِجُ الحَضَارَاتِ الَّتِي تَعْتَزُّ بِعِوَجِهَا، وَاعْتَزُّوا بِقُرْآنِكُمْ الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِكُمْ.
ألا فتَمَسَّكُوا بِقُرْآنِكُمْ (تِلَاوَةً وتدبرا وَعَمَلاً)، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ، الذِينَ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ، اللهم انْفَعْنَا وَارْفَعْنَا بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، وَاجْعَلْهُ لَنَا إِمَاماً وَنُوراً وَهُدًى وَرَحْمَةً،
( الدعاء )
