خطبة عن (الإسلامُ وحقوقُ الانسانِ)
أكتوبر 18, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْبَيِّنَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة:1-8).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
اعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَوْضُوعِيَّ لِسُوَرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، يُوَضِّحُ كُلِّيَّاتِ الرِّسَالَةِ، وَيَكْشِفُ عَنْ جَوْهَرِ التَّوْحِيدِ، وَمَعَالِمِ الْفِلاَحِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَإِنَّ سُورَةَ «الْبَيِّنَةِ» هِيَ إِحْدَى السُّوَرِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي رَسَمَتْ خَطّاً فَاصِلاً بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيَّنَتْ حَاجَةَ الْبَشَرِيَّةِ الْملحَةَ إِلَى الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَيَتَجَلَّى الْمَحْوَرُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي:
«بَيَانِ ضَرُورَةِ الرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ لِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الضَّلاَلِ، وَتَحْدِيدِ جَوْهَرِ الدِّينِ الْقَيِّمِ، الْمَبْنِيِّ عَلَى الإِخْلاَصِ، مَعَ بَيَانِ مَصِيرِ شَرِّ الْبَرِيَّةِ، وَخَيْرِ الْبَرِيَّةِ».
وَقَدِ اسْتَفْتَحَتِ السُّورَةُ بِبَيَانِ حَالِ الأُمَمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فقال تعالى:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾:
أَيْ لَمْ يَكُونُوا مُنْتَهِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْبُرْهَانُ الْوَاضِحُ.
ثُمَّ فَسَّرَتِ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهَا:
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾:
أَيْ مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي يَقْرَأُ كِتَاباً مُطَهَّراً مِنَ الْبَاطِلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، فِيهِ أَحْكَامٌ عَادِلَةٌ، وَأَخْبَارٌ صَادِقَةٌ، تَقُومُ بِهَا الْمَصَالِحُ.
ثُمَّ بَيَّنَتِ السُّورَةُ جرْمَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ وُضُوحِ الْحَقِّ، فقال تعالى:
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾:
أَيْ أَنَّ اخْتِلاَفَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَنْ جَهْلٍ، بَلْ عَنْ بَغْيٍ وَحَسَدٍ، بَعْدَ أَنْ قَامَتْ عَلَيْهِمُ البينة والْحُجَجُ.
ثُمَّ لَخَّصَتِ السُّورَةُ جَوْهَرَ الشَّرَائِعِ الإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا فِي آيَةٍ جَامِعَةٍ، فقال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾:
أَيْ مَا أُمِرَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَسَائِرُ النَّاسِ فِي شَرَائِعِهِمْ، إِلاَّ بِإِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الشِّرْكِ، مَعَ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَهَذَا هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ.
ثُمَّ قَسَّمَتِ السُّورَةُ الْخَلْقَ إِلَى فَرِيقَيْنِ؛ فَبَدَأَتْ بِالْفَرِيقِ الخَاسِرِ، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾:
فهم في نار جهنم لأنهم شر البرية، ولاِنْحِرَافِهِمْ عَنِ الْفِطْرَةِ، وَرَفْضِهِمْ لِلْبَيِّنَةِ.
ثُمَّ ثَنَّتْ بِالْفَرِيقِ الْفَائِزِ، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكِ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾: لِتَخْتِمَ السُّورَةُ بِأَعْظَمِ غَايَةٍ يَنَالُهَا الْمُؤْمِنُ، وَهِيَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى، الْمَقْرُونُ بِالْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ الْبَيَانِ: «قَوْلُهُ: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيْ مَا أُمِرَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلاَّ بِأَنْ يُخْلِصُوا لِلَّهِ الطَّاعَةَ، وَلاَ يَجْعَلُوا مَعَهُ شَرِيكاً فِي عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أَيْ وَذَلِكَ الدِّينُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ الْعَادِلُ الَّذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: «أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ؛ أَيْ شَرُّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي بَرَأَهَا اللَّهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الأَبْرَارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَبْدَانِهِمْ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الإِمَامُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ وَغَيْرُهُ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذِهِ السُّورَةِ الدَّلاَلَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الإِخْلاَصَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ سَائِرِ الطَّاعَاتِ، فَلاَ يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلاَّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصاً».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الْمَدَارِجِ: «جَمَعَتْ سُورَةُ الْبَيِّنَةِ أُصُولَ الدِّينِ؛ فَبَيَّنَتْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لاَ تَكُونُ عِبَادَةً إِلاَّ بِالإِخْلاَصِ، وَأَنَّ التَّوْحِيدَ وَالصَّلاَةَ وَالزَّكَاةَ هِيَ عِمَادُ الدِّينِ الْقَيِّمِ، وَأَنَّ الْخَشْيَةَ هِيَ الْمُحَرِّكُ الأَسَاسِيُّ لِلْوُصُولِ إِلَى رِضَاءِ اللَّهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الْمَحْوَرَ الْمَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ الْبَيِّنَةِ، يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ الْقُرْآنَ وَالرَّسُولَ ﷺ هُمَا الْبَيِّنَةُ الْعُظْمَى، الَّتِي أَنْقَذَتِ الْبَشَرِيَّةَ مِنَ الضَّلاَلِ.
ثَانِياً: أَنَّ جَوْهَرَ العِبَادَةِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ: هُوَ إِخْلاَصُ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ، مَعَ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
ثَالِثاً: أَنَّ التَّفَرُّقَ عَنِ الْحَقِّ، بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ، هُوَ أَسَاسُ الْهَلاَكِ، وَالانْحِرَافِ.
رَابِعاً: أَنَّ مَقَامَ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِالْإِيمَانِ، الْمَقْرُونِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَخَشْيَةِ اللَّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن فضائل هذه السورة: ما جاء في الصحيحين: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَكَى أُبَيٌّ».
وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في الأعمال الصالحة: ففي الصحيحين: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رواه مسلم).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَقِيلَ أَبِي عَمْرَةَ- سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْبَيِّنَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:162-163).
فعلى المسلمين أن يتَدَبَّرُوا الْمَقَاصِدَ السُّلُوكِيَّةَ، الْمُنْبَثِقَةَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ (الْبَيِّنَةِ)؛ فَإِنَّ الاِعْتِقَادَ بِأَنَّ الدِّينَ الْقَيِّمَ يَقُومُ عَلَى الإِخْلاَصِ، يَفْرِضُ عَلَى الْعَبْدِ تَصْحِيحَ النِّيَّةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ وَقَوْلٍ.
وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ قَدْ يُكْثِرُونَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، ولَكِنَّهُمْ يُغْفِلُونَ عَنْ شَرْطِ الْقَبُولِ الأَعْظَمِ، وَهُوَ تَجْرِيدُ الإِخْلاَصِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَدْخُلُ الرِّيَاءُ، أَوْ السُّمْعَةُ، أَوْ حَظُّ النَّفْسِ فِي عِبَادَاتِهِمْ، فَتَحْبَطُ أَعْمَالُهُمْ.
كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَفْصِلُونَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، أَوْ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الشَّعَائِرِيَّةِ: كَالصَّلاَةِ، وَبَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ كَالزَّكَاةِ؛ وَيَنْسَوْنَ أَنَّ «دِينَ الْقَيِّمَةِ» شَرِيعَةٌ مُتَكَامِلَةٌ، تَجْمَعُ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ فِي التَّوْحِيدِ وَالصَّلاَةِ، وَحَقِّ الْعِبَادِ فِي الزَّكَاةِ وَالإِحْسَانِ.
وَإِنَّ مَقَامَ «خَيْرِ الْبَرِيَّةِ» لَيْسَ ادِّعَاءً بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ تُصَدِّقُهَا خَشْيَةُ اللَّهِ، فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَالاحْتِكَامُ إِلَى بَيِّنَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ الْحَيَاةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «لاَ يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ صِحَّةِ الاعْتِقَادِ وَصَلاَحِ الْعَمَلِ، فَالإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ لاَ يُجْزِئُ واحِدٌ مِنْهَا إِلاَّ بِالآخَرِ ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الْمَدَارِجِ: «الإِخْلاَصُ هُوَ رُوحُ الْعَمَلِ وَسِرُّ قَبُولِهِ، فَمَنْ عَمِلَ بِلاَ إِخْلاَصٍ كَانَ كَالْمُسَافِرِ يَمْلأُ جِرَابَهُ رَمْلاً يُثْقِلُهُ وَلاَ يَنْفَعُهُ، وَخَشْيَةُ اللَّهِ هِيَ أَمَارَةُ الإِخْلاَصِ وَعَلاَمَةُ صِدْقِ الإِيمَانِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها:
تَجْرِيدُ الإِخْلاَصِ لِلَّهِ: فِي كُلِّ سَكَنَةٍ وَحَرَكَةٍ وَعِبَادَةٍ.
ومنها: الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ: وَفِي مُقَدَّمَتِهَا الصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ.
ومنها: الاعْتِصَامُ بِالْبَيِّنَةِ: وَعَدَمُ التَّفَرُّقِ وَالاخْتِلاَفِ بَعْدَ وُضُوحِ الْحَقِّ.
ومنها: تَحْقِيقُ الخَشْيَةِ فِي الْغَيْبِ: لِنَيْلِ مَقَامِ «خَيْرِ الْبَرِيَّةِ» وَرِضْوَانِ اللَّهِ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصاً وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (رواه النسائي).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ »
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ» (رواه الترمذي).
وفي سنن الترمذي: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا مِنْ تَدَبُّرِ سُورَةِ الْبَيِّنَةِ مِنْهَاجاً لِحَيَاتِكُمْ، وَاخْلِصُوا لِلَّهِ فِي عِبَادَاتِكُمْ، وَاتَّبِعُوا نَبِيَّكُمْ ﷺ فِي ظَوَاهِرِكُمْ وَبَوَاطِنِكُمْ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الرِّضَا وَالْجَنَّةِ.
فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الإِخْلاَصَ فِي القَوْلِ وَالَعَمَلِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، الَّذِينَ رَضِيتَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْكَ. وأَعِنَّا عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَعِبَادَتِكَ حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ.
الدعاء
