خطبة عن (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)
أكتوبر 15, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (حَقِيقَةُ العَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا) (18): (22) الاسراء.
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع آيات من كتاب الله تعالى: نتلوها، ونتدبر معانيها، ونتفهم مراميها، ونرتوي من نبعها الصافي، ونرتشف من رحيقها المختوم.
فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ قبل الأبدان، لِنُصْغِيَ إِلَى المِيزَانِ الإِلَهِيِّ الدَّقِيقِ، الَّذِي يَزِنُ غَايَاتِ البَشَرِ، وَيَكْشِفُ حَقِيقَة الصِّرَاعِ البَاطِنِيِّ فِي نُفُوسِ العِبَادِ، بَيْنَ زَخَارِيفِ عَالَمٍ فَانٍ، وَبَيْنَ أَبَدِيَّةِ نَعِيمٍ بَاقٍ.
فانْظُرُوا فِي أَهْدَافِ الخَلْقِ، وَتَأَمَّلُوا فِي نِيَّاتِ السَّاعِينَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؛ تَجِدُوا النَّاسَ صِنْفَيْنِ، لاَ ثَالِثَ لَهُمَا:
صِنْفٌ: جَعَلَ الدُّنْيَا العَاجِلَةَ أَكْبَرَ هَمِّهِ، وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ، وَنِهَايَةَ أَمَلِهِ، فَلَا يَسْعَى إِلاَّ لِشَهَوَاتِهَا الَّتِي تَزُولُ، وَأَمْوَالِهَا الَّتِي تُتْرَكُ..
وَصِنْفٌ آخَرُ: ارْتَقَتْ هِمَّتُهُ، وَطَمَحَتْ نَفْسُهُ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ، فَعَاشَ فِي الدُّنْيَا بِبَدَنِهِ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِعَرْشِ رَبِّهِ.
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ القُلُوبِ، وَاسْمَعُوا قَوْلَ تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا * لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (18): (22) الاسراء.
فأَيُّ فَصْلٍ حَاسِمٍ هَذَا الَّذِي يَقْطَعُ الشَّكَّ بِاليَقِينِ؟، فتَأَمَّلُوا فِي حَقِيقَةِ عُبَّادِ ﴿الْعَاجِلَةَ﴾، فقد سَمَّى اللهُ الدار الدُّنْيَا “عَاجِلَةً” لِأَنَّهَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، خَاطِفَةُ المَتَاعِ، تُعْجِلُ بِالإِقْبَالِ، ثُمَّ تُعْجِلُ بِالإِدْبَارِ،
وَتَأَمَّلُوا فِي البَلَاغَةِ المُعْجِزَةِ فِي الشُّرُوطِ الإِلَهِيَّةِ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾، فلَمْ يَقُلْ “عَجَّلْنَا لَهُ مَا يَشَاءُ، وَمَا يُرِيدُ”، بَلْ قَيَّدَهَا بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ يَرْكُضُ المَرْءُ خَلْفَ الدُّنْيَا رَكْضَ الوُحُوشِ فِي البَرِّيَّةِ، وَلَا يَنَالُ مِنْهَا إِلاَّ مَا كَتَبَهُ اللهُ لَهُ، فيَشْقَى فِي طَلَبِهَا، وَيَبِيعُ دِينَهُ مِنْ أَجْلِهَا، ثُمَّ يَمُوتُ حَسْرَةً وَغُصَّةً، لَمْ يَسْتَوْفِ نِهَايَةَ أَمَنِيَّاتِهِ.
فهؤلاء الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها، وملذاتها ومناصبها، خاب سعيهم، وخسروا الدار الأخرة، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (15) الزمر،
وقال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (15)، (16) هود،
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ،تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ)،
وفي سنن الترمذي: (وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ».
وفي سنن أبي داود وابن ماجه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَي بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». يَعْنِى رِيحَهَا.
فهذا القسم من الناس، غلبت عليه إرادة الدنيا، حتى أصبحت هي كل شيء، فهي غايته التي يبتغيها، وهدفه ومطلبه، فعلى الدنيا قصر همه، وعلى حظوظها عقد ضميره، وجعل الدنيا وجهته وقصده، ونصبها غاية سعيه، لا يرجو وراءها ثوابًا، ولا يخاف عقابًا، فهو مقبلٌ عليها بقلبه وقالبه، معرض عن غيرها بكليته، فلا يجيب داعي الله، بترغيب ولا ترهيب، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان،
فمن كانت هذه إرادته، وهذا عمله، عجل الله له في الدنيا ما مضى في مشيئته تعالى أن يعجله له، قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) (18) الاسراء،
وقال الله تعالى: (وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب ﴾ [الشورى:20].
أيها المسلمون
فَمَا هِيَ الخَاتِمَةُ الحَتْمِيَّةُ لِهَذَا السَّاعِي لِلدُّنْيَا وَحْدَهَا؟، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾: فهو يَدْخُلُ النَّارَ لَيْسَ فَقَطْ مَكْوِيًّا بِحَرِّهَا، بَلْ ﴿مَذْمُومًا﴾ مِنْ اللهِ وَالملَائِكَةِ، وَالخَلْقِ أَجْمَعِينَ، ﴿مَّدْحُورًا﴾؛ أَيْ مُطَرَّدًا، مُهَانًا، مَقْصِيًّا عَنْ كُلِّ رَحْمَةٍ وَخَيْرٍ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَلاَ تَجْعَلُوا هَذِهِ العَاجِلَةَ الفَانِيَةَ سَبَبًا فِي خَسَارَةِ الأَبَدِيَّةِ الخَالِدَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (حَقِيقَةُ العَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فيَا مَنْ تَرْجُونَ لِقَاءَ رَبِّكُمْ: اسْمَعُوا فِي المَقَامِ المُقَابِلِ إِلَى النَّمُوذَجِ المُنِيرِ الَّذِي بَاعَ الفَانِيَ بِالبَاقِي، فَارْتَقَى فِي مَعَارِجِ القَبُولِ وَالكَرَامَةِ، يَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾:
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّلاَثَةَ، الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِتَحْقِيقِ الفَوْزِ:
الشرط الأول: ﴿إِرَادَةُ الآخِرَةِ﴾: نِيَّةٌ صَادِقَةٌ يَتَوَجَّهُ بِهَا القَلْبُ إِلَى اللهِ، فَلَا يَبْتَغِي بِعَمَلِهِ رِيَاءً وَلاَ سُمْعَةً.
الشرط الثاني: ﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا﴾: عَمَلٌ وَجُهْدٌ وَحَرَكَةٌ، لاَ أَمَانِيَّ كَاذِبَةً، بَلْ سَعْيٌ يَلِيقُ بِعَظَمَةِ الجَنَّةِ؛ مِنْ صَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَإِحْسَانٍ، وَتَرْكٍ لِلْمُحَرَّمَاتِ.
الشرط الثالث: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: إِيمَانٌ ثَابِتٌ يَعْمُرُ الفُؤَادَ، يَصِحُّ بِهِ العَمَلُ وَيُقْبَلُ.
أيها المسلمون
فمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، فإن الله يثيبه على ذلك، في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴾ [النحل: 97].
فقد تَكَفَّل الله له بالحياة الطيبة، والسعادة، والطمأنينة، وصلاح الحال والبال، ففي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ)،
وفي الصحيحين: (طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ،. ».
فمن قصد بعمله الدار الآخرة، وإياها طلب، وثوابها انتظر، فهو يرجو أن يزحزح فيها عن النار، ويفوز بالجنان، ويحل عليه الرضوان، فكان سعيه مشكورًا،
وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا”،
فالتفاضل الحقيقي في الآخرة، وليس في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء:21].
وقال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال:4].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه:75].
وروى ابن ماجه في سننه: (أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: “الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّ أَعْلَاهَا الْفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ أَوْسَطَهَا الْفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ الْعَرْشَ عَلَى الْفِرْدَوْسِ، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا مَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ” .
وروى أحمد في مسنده: (أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: “الجَنَّةُ مِئَةُ دَرَجَةٍ مَا بَينَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِئَةِ عَامٍ”،
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما: (أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: “إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ “، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: “بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ”
أيها المسلمون
فَالجَزَاءُ الإِلَهِيُّ العَظِيمُ: ﴿فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾، فالله الشَّكُورُ سُبْحَانَهُ، يَشْكُرُ عَبْدَهُ الضَّعِيفَ، يَقْبَلُ القَلِيلَ، وَيَعْفُو عَنِ الـكَثِيرِ، وَيُرَبِّي الحَسَنَةَ حَتَّى تَكُونَ كَالجَبَلِ العَظِيمِ.
ثُمَّ أَتَتِ السُّنَةُ الإِلَهِيَّةُ فِي الرِّزْقِ وَالمُفَاضَلَةِ: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾:
فاللهُ حَلِيمٌ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ المُؤْمِنَ وَالكِافِرَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَمْنَعُ الرِّزْقَ المَادِيَّ عَنْ مَنْ عَصَاهُ، لِأَنَّ الدُّنْيَا لَا تَزِنُ عِنْدَهُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ.
ثم يقول سبحانه: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾: فتَرَى فِي الدُّنْيَا الغَنِيَّ وَالفَقِيرَ، وَالمَلِكَ وَالمَمْلُوكَ، وَالصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ..
﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾: هُنَاكَ المَفَاضَلَةُ الحَقِيقِيَّةُ، دَرَجَاتُ الجَنَّةِ العُلْيَا، فِي مُقَابِلِ دَرَكَاتِ النَّارِ السُّفْلَى.
ثُمَّ تَأْتِي الخَاتِمَةُ القَاطِعَةُ الَّتِي تَحْمِي الإِنْسَانَ مِنَ السَّقُوطِ:
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾:
فلاَ تَعْبُدِ الدُّنْيَا، وَلاَ تَعْبُدِ المَالَ، وَلاَ تَنْقَادَ لِلْهَوَى؛ فَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَى غَيْرِ اللهِ خُذِلَ، وَمَنْ طَلَبَ العِزَّ فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ ذَلَّ، وَقَعَدَ مَكْسُورًا مَذْمُومًا.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
اجْعَلُوا هَمَّكُمُ الأَكْبَرَ مَا يَبْقَى لاَ مَا يَفْنَى، فصَحِّحُوا نِيَّاتِكُمْ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكَنَةٍ، وانْفُضُوا عَنْ قُلُوبِكُمْ الغَفْلَةَ، وَالتَّكَالُّبَ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَاسْعَوْا لِلآخِرَةِ سَعْيَهَا، بِالصَّالِحَاتِ الَّتِي تَبْقَى ذُخْرًا لَكُمْ يَوْمَ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، لِتَكُونُوا مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (19) الاسراء.
الدعاء
