خطبة عن (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)
أكتوبر 14, 2026خطبة عن (حَقِيقَةُ العَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ)
أكتوبر 15, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (163) البقرة، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156]. وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي“
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع قوله تعالى: (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (163) البقرة، فإِنَّنَا بهذين الاسمين نَفْتَتِحُ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، وَنَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِنَا: “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ”؛ فَمَا أَعْظَمَهُما مِنِ اسْمَيْنِ، جَمَعَا أَسَاسَ العَلَاقَةِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ.
فـ “الرَّحْمَنُ“: هُوَ الذِي شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا، مُؤْمِنَهُمْ، وَكَافِرَهُمْ، بَلْ حَتَّى الجَمَادَ وَالحَيَوَانَ.
وَ “الرَّحِيمُ“: هُوَ الذِي يَخُصُّ بِرَحْمَتِهِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وإِنَّ رَحْمَةَ اللهِ هِيَ الهَوَاءُ الذِي نَتَنَفَّسُهُ، وَالسِّتْرُ الذِي يَلُفُّ عُيُوبَنَا، وَالرِّزْقُ الذِي يَجْرِي بَيْنَ أَيْدِينَا، فلَوْلَا رَحْمَةُ اللهِ: لَمَا طَابَ لَنَا عَيْشٌ، وَلَا هَدَأَ لَنَا بَالٌ.
فالرَّحْمَنُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، لِيُطَمْئِنَ قُلُوبَ العِبَادِ، أَنَّ تَدْبِيرَ المَلَكُوتِ بِيَدِ رَحِيمٍ وَدُودٍ، لَا بِيَدِ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.
وتَأَمَّلُوا فِي سِعَةِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ: فَقَدْ جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا جُزْءاً وَاحِداً إِلَى الأَرْضِ، ففي الصحيحين: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ».
فَإِذَا كَانَ هَذَا حَال جُزْءٍ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءاً ادَّخَرَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الزِّحَامِ؟، ففي صحيح مسلم: (عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ».
ومن رحمة (الرَّحْمَن الرَّحِيم): أنه يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ، لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ، لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
(هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ): فكَيْفَ لَا نُحِبُّ مَنْ يُنَادِينَا بَعْدَ المَعْصِيَةِ: “يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ”؟، فإِنَّ الرَّحِيمَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، أَكْثَرَ مِنْ فَرَحِ الضَّالِّ بِرَاحِلَتِهِ، ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومِنْ آثَارِ اسْمِ اللهِ ” الرحمن الرَّحِيمِ“: أَنَّهُ جَعَلَ لَنَا فِي كُلِّ بَلَاءٍ رَحْمَةً، وَفِي كُلِّ مِحْنَةٍ مِنْحَةً، فَالإِنْسَانُ قَدْ يَكْرَهُ المَرَضَ، وَلَكِنَّ فِي طَيَّاتِهِ رَحْمَةَ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ يَكْرَهُ الفَقْرَ، وَلَكِنَّ فِيهِ رَحْمَةَ التَّخَفُّفِ مِنَ الحِسَابِ، فرب الخير لا يأتي إلا بالخير.
فـ (الرحمن الرَّحِيمُ): لَا يَقْضِي لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ فِي صُورَةِ البَلَاءِ، وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
فنَحْنُ نَعِيشُ فِي كَنَفِ رَحْمَةٍ سَبَقَتِ الغَضَبَ، وَأَحَاطَتْ بِالكَوْنِ مِنْ أَقْطَارِهِ، فمَنْ تَعَلَّقَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، ذَهَبَ هَمُّهُ، وَانْفَسَحَ صَدْرُهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّ مَنْ يَرْحَمُ العُصْفُورَ الصَّغِيرَ فِي عُشِّهِ، لَنْ يَضِيعَ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الذِي يَقُولُ: “يَا رَبُّ”، ويسجد بين يديه.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ تَعْظِيمَنَا لِرَحْمَةِ اللهِ، يَجِبُ أَنْ يَدْفَعَنَا إِلَى التَّخَلُّقِ بِهَا؛ فَمَنْ رَجَا رَحْمَةَ الرَّحْمَنِ، فَلْيَرْحَمِ النَّاسَ، ففي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).
فارْحَمُوا الضُّعَفَاءَ، وَالأَيْتَامَ، وَالمَسَاكِينَ، وارْحَمُوا الجَاهِلَ بِتَعْلِيمِهِ، وَالعَاصِيَ بِنُصْحِهِ، وَالمَكْرُوبَ بِتَنْفِيسِ كَرْبِهِ.
وإِنَّ المُجْتَمَعَ الذِي يَقُومُ عَلَى مَعْنَى “الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“: هُوَ مُجْتَمَعٌ مُتَمَاسِكٌ، لَا مَكَانَ فِيهِ لِلْقَسْوَةِ، أَوِ الغِلْظَةِ، فلِنَجْعَلْ مِنْ بَسْمَلَتِنَا مَنْهَجَ حَيَاةٍ، نَنْشُرُ بِهَا الرَّحْمَةَ فِي بُيُوتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَغَمَّدَنَا بِرَحْمَتِهِ، الَّتِي لَا نَجَاةَ لَنَا إِلَّا بِهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفي الحديث: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَأَى امْرَأَةً مِنَ السَّبْيِ، تَضُمُّ وَلَدَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَتُرْضِعُهُ، فَقَالَ: “أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟”، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: “لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا” [رواه البخاري ومسلم].
واعلموا أنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَعْنِي الِاغْتِرَارَ بِالحِلْمِ، وَتَرْكَ العَمَلِ، بَلْ تَعْنِي الرَّجَاءَ، الذِي يَبْعَثُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، فالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ أَرَادَ لَنَا اليُسْرَ، فَلَمْ يُكَلِّفْنَا مَا لَا نُطِيقُ، فحِينَ نُخْطِئُ، يُنَادِينَا لِلْمَغْفِرَةِ، وَحِينَ نُحْسِنُ، يُضَاعِفُ لَنَا الأُجُورَ،
وهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ مَلَاذُنَا عِنْدَ المَوْتِ، وَمُؤْنِسُنَا فِي القَبْرِ، فلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ، مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ؛ فَإِنَّ بَحْرَ الرَّحْمَةِ يَغْسِلُ جِبَالَ الخَطَايَا، إِذَا صَدَقَتِ الإِنَابَةُ.
فاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِالثَّنَاءِ عَلَى (الرَّحْمَنِ الرحيم)، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَرْحَمَنَا رَحْمَةً تُغْنِينَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاهُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156].
فإِنَّ الإِيمَانَ بِاسْمِ اللهِ “الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“: لَيْسَ مَعْلُومَةً تُحْفَظُ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ، يُغَيِّرُ مَسَارَ النَّفْسِ، وَيُهَذِّبُ طِبَاعَ البَشَرِ.
وأَوَّلُ آثَارِ هَذَا الإِيمَانِ فِي سُلُوكِ المُؤْمِنِ هُوَ: “التَّفَاؤُلُ وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ“: فَمَنْ أَيْقَنَ أَنَّ رَبَّهُ رَحِيمٌ، لَمْ يَعْرِفِ اليَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلاً، وَلَمْ يَضِقْ صَدْرُهُ بِنَوَائِبِ الدَّهْرِ، فالمُؤْمِنُ يَرَى رَحْمَةَ اللهِ فِي المَنْعِ، كَمَا يَرَاهَا فِي العَطَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّحِيمَ لَا يَقْضِي لِعَبْدِهِ إِلَّا خَيْراً.
وهَذَا اليَقِينُ يُثْمِرُ سُلُوكاً مُتَّزِناً، فَلَا جَزَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وَلَا بَطَرَ عِنْدَ النِّعْمَةِ، بَلْ صَبْرٌ جَمِيلٌ، وَرِضاً بِمَا قَسَمَ الرَّحْمَنُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِ الرَّحْمَةِ فِي سُلُوكِ المُسْلِمِ: “اللِّينُ وَالرِّفْقُ مَعَ الخَلْقِ“: فَالقَلْبُ الذِي ذَاقَ رَحْمَةَ اللهِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَاسِياً، أَوْ غَلِيظاً، فتَرَى أَثَرَ “الرَّحْمَنِ” فِي تَعَامُلِ المُسْلِمِ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَجِيرَانِهِ، وَزُمَلَائِهِ؛ فَهُوَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، ابْتِغَاءَ رَحْمَةِ اللهِ.
والمُسْلِمُ الرَّحِيمُ: يَكُونُ سَهْلَ المَنَالِ، بَسِيطَ الخُلُقِ، يَرْحَمُ الصَّغِيرَ، وَيُوَقِّرُ الكَبِير.
ولَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَرْحَمَ النَّاسِ بِالنَّاسِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَهَلْ نَحْنُ نُمَثِّلُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ فِي بِيُوتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، ومعاملاتنا؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومَنْ عَرَفَ اللهَ بِالرَّحْمَةِ: سَلَكَ مَسْلَكَ “السِّتْرِ عَلَى عِبَادِ اللهِ“؛ فَالرَّحِيمُ سِتِّيرٌ يُحِبُّ السِّتْرَ، فالمُسْلِمُ الذِي يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَتَتَبَّعُ عَوْرَاتِ النَّاسِ، وَلَا يَنْشُرُ فَضَائِحَهُمْ، بَلْ يَسْتُرُ مَا رَأَى، وَيَنْصَحُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ، فهَذَا السُّلُوكُ الرَّحِيمُ، يَحْمِي المُجْتَمَعَ مِنَ التَّمَزُّقِ، وَيَنْشُرُ فِيهِ المَوَدَّةَ.
والرَّحْمَةُ تَدْفَعُكَ لِأَنْ تَكُونَ “مِفْتَاحاً لِلْخَيْرِ مِغْلَاقاً لِلشَّرِّ“: فَإِذَا رَأَيْتَ مُبْتَلًى رَحِمْتَهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ جَاهِلاً عَلَّمْتَهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ فَقِيراً أَغْنَيْتَهُ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ.
وَمِنَ الآثَارِ السُّلوكِيَّةِ العَظِيمَةِ للرحمة: “الرَّحْمَةُ بِالحَيَوَانِ وَالجَمَادِ“: فَدِينُ الرَّحْمَةِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً إِلَّا وَشَمَلَهُ، فالإِيمَانُ بِالرَّحْمَنِ: يَجْعَلُكَ لَا تُؤْذِي دَابَّةً، وَلَا تَقْطَعُ شَجَرَةً لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَتُحْسِنُ الذِّبْحَةَ كَمَا أَمَرَكَ نَبِيُّكَ ﷺ، وإِنَّ قِصَّةَ المَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، وَالرَّجُلِ الذِي دَخَلَ الجَنَّةَ فِي كَلْبٍ سَقَاهُ، هِيَ دُرُوسٌ عَمَلِيَّةٌ فِي آثَارِ الرَّحْمَةِ.
فالمُسْلِمُ المَوْصُولُ بِاسْمِ “الرَّحِيمِ”: هُوَ بَلْسَمٌ لِلْجِرَاحِ، وَغَيْثٌ حَيْثُمَا وَقَعَ نَفَعَ.
فَمَا أَحْوَجَ عَالَمَنَا اليَوْمَ إِلَى سُلُوكِ الرَّحْمَةِ، الذِي يُطْفِئُ نِيرَانَ الحِقْدِ، وَيَبْنِي جُسُورَ المَحَبَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ أَثَرَ الرَّحْمَةِ فِي سُلُوكِنَا يَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِـ “بِرِّ الوَالِدَيْنِ“: فَهُمَا أَحَقُّ النَّاسِ بِجَنَاحِ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّوْجَةُ، وَالأَبْنَاءُ؛ فَالرَّحِيمُ فِي بَيْتِهِ، هُوَ الخَيْرُ كُلُّهُ، “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ”، والمُسْلِمُ الذِي تَمَلَّكَتِ الرَّحْمَةُ قَلْبَهُ، لَا يُهِينُ ضَعِيفاً، وَلَا يَزْدَرِي فَقِيراً.
فرَاقِبُوا أَنْفُسَكُمْ عِنْدَ القُدْرَةِ؛ هَلْ تَرْحَمُونَ؟، وَعِنْدَ الغَضَبِ؛ هَلْ تَصْفَحُونَ؟، فإِنَّ اسْمَ اللهِ (الرَّحِيمِ) يَدْعُونَا لِأَنْ نَكُونَ رُحَمَاءَ بَيْنَنَا، لِيَسْتَحِقَّ المُجْتَمَعُ كُلُّهُ نُزُولَ رَحَمَاتِ السَّمَاءِ.
ألا فتَعَاهَدُوا سُلُوكَكُمْ بِخُلُقِ الرَّحْمَةِ، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَمْلأَ قُلُوبَنَا رَحْمَةً، وَأَنْ يَجْعَلَنَا رُحَمَاءَ فيما بَيْنَنَا.
( الدعاء )
