خطبة عن (بَشَائِرُ التَّوْحِيدِ وَأَدَبُ الصُّحْبَةِ)
أكتوبر 26, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لَا تخلِطُوا إِيمَانَكُمْ بشِرْكٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (82) الأنعام، وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (13) لقمان، وقال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (106) يوسف.
إخوة الإسلام
إِنَّ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى العَبْدِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأَجَلَّ عَطِيَّةٍ يَتَسَبَّبُ بِهَا فِي نَجَاتِهِ يَوْمَ المَعَادِ، هِيَ: نِعْمَةُ (الإِيمَانِ الخَالِصِ، وَالتَّوْحِيدِ النَّقِيِّ)، الَّذِي لا تُشُوبُهُ شَائِبَةٌ، وَلا يُدَنِّسُهُ دَنَسٌ.
فَبِالإِيمَانِ تَحْيَا القُلُوبُ، وَتَزْكُو النُّفُوسُ، وَتَسْتَقِيمُ الجَوَارِحُ، وَيَسْتَنِيرُ الدَّرْبُ فِي ظُلُمَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا الخَادِعَةِ.
وَلَكِنَّ هَذَا الإِيمَانَ العَظِيمَ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِ المَرْءِ، وَعِمَادُ سَعَادَتِهِ فِي الدَّارَيْنِ، يُوَاجِهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ كَيْدًا كبَارًا، وَعَوَاصِفَ عَاتِيَةً، وَعَوَارِضَ خَفِيَّةً، يَتَسَلَّلُ مِنْ خِلالِهَا الشِّرْكُ إِلَى جَنَبَاتِ القَلْبِ، فَيَفْسُدُ جَوْهَرُهُ، وَيَتَهَادَمُ بُنْيَانُهُ، وَالْعَبْدُ لا يَشْعُرُ بِالْخَطَرِ الَدَّاهِمِ الَّذِي يَحُوقُ بِهِ.
فتَأَمَّلُوا- أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ- هَذَا المَشْهَدَ القُرْآنِيَّ المَهِيبَ، الَّذِي يَنْخَلِعُ لَهُ الفُؤَادُ؛ حِينَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (82) الأنعام،
فاشْتَدَّ الأَمْرُ عَلَى أَصْحَابِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهَا مشَقًّة شَدِيدًة، بَلْ بَلَغَ مِنْهُمُ الخَوْفُ وَالوَجَلُ كُلَّ مَبْلَغٍ، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ الظُّلْمَ المَذْكُورَ فِيهَا، هُوَ كُلُّ ذَنْبٍ، أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ خَطِيئَةٍ يَقَعُ فِيهَا الإِنْسَانُ بِبَشَرِيَّتِهِ.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالُوا: أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» لقمان:13.
فَانْظُرُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- كَيْفَ بَيَّنَ النَّبِيُّ المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا الحَقَّ المُبِينَ، فإِنَّ المَقْصُودَ (بِاللَّبْسِ) هُنَا، هُوَ الخَلْطُ وَالشَّوْبُ، وَالمَقْصُودَ بِالظُّلْمِ فِي الآيَةِ: هُوَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى)، فَالمُؤْمِنُ الَّذِي يَسْلَمُ لَهُ الأَمْنُ التَّامُّ فِي الآخِرَةِ، وَتَثْبُتُ لَهُ الهِدَايَةُ الكَامِلَةُ فِي الدُّنْيَا، هُوَ الَّذِي حَمَى حِمَى إِيمَانِهِ، فَلَمْ يَخْلِطْهُ بِشِرْكٍ جَلِيٍّ، وَلا خَفِيٍّ، وَلا أَعْظَمٍ، وَلا أَصْغَرَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا هُوَ أَعْظَمُ جَرِيمَةٍ اقْتُرِفَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ؛ لأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ صَارِخٌ عَلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَإِهَانَةٌ لِحَقِّ الإِلَهِيَّةِ، فكَيْفَ يَكُونُ اللَّهُ هُوَ الخَالِق، المُوجِد مِنَ العَدَمِ، وَالرَّازِق المُحْسِن المُتَفَضِّل، ثُمَّ يُصْرَفُ شَيْءٌ مِنَ العِبَادَةِ، أَوْ التَّعْظِيمِ، أَوْ التَّوَكُّلِ، أَوْ الخَوْفِ، لِغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ الضِّعَافِ، العَاجِزِينَ، الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا، وَلا مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا؟.
لِذَلِكَ كَانَ الشِّرْكُ ظُلْمًا عَظِيمًا؛ لأَنَّهُ وَضْعٌ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَتَسْوِيَةٌ لِلْمَخْلُوقِ النَّاقِصِ، بِالخَالِقِ الكَامِلِ سبحانه.
ثُمَّ تَأَمَّلُوا- أَيُّهَا المُسْلِمُونَ- سُلُوكَ البَشَرِ فِي هَذَا البَابِ الخَطِيرِ، كَيْفَ يَتَسَلَّلُ الشِّرْكُ إِلَى نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلإِيمَانِ، وَهُمْ يَنْتَهِلُونَ مَنَاهِلَ الجَهْلِ، أَوْ يَنْسَاقُونَ وَرَاءَ العَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الرَّدِيئَةِ.
فقَدْ يَظُنُّ المَرْءُ أَنَّ الشِّرْكَ مَقْصُورٌ عَلَى السُّجُودِ لِلأَصْنَامِ، أَوْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ المَجْسُودَةِ، وَلا يدري أَنَّ الشِّرْكَ أَنْوَاعٌ وَأَلْوَانٌ، مِنْهَا: مَا هُوَ دَقِيقٌ خَفِيٌّ، يَدْخُلُ عَلَى القَلْبِ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُ العَبْدُ.
يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف :106].
إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الفَاضِحَةَ لِلنُّفُوسِ، تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةٍ سُلُوكِيَّةٍ مُؤْلِمَةٍ؛ فَقَدْ يُقِرُّ الإِنْسَانُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الخَالِقُ، الرَّازِقُ، المُدَبِّرُ، وَيَدَّعِي الإِيمَانَ بِلِسَانِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي عَمَلِهِ، وَسُلُوكِهِ، وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَأَقْوَالِهِ، يَخْلِطُ هَذَا الإِيمَانَ بِأَلْوَانٍ مِنَ الشِّرْكِيَّاتِ المُهْلِكَةِ:
(فَيَلْتَفِتُ قَلْبُهُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، فِي جَلْبِ النَّفْعِ، أَوْ دَفْعِ الضَّرَرِ، وَيَرْبِطُ أَمَلَهُ وَرَجَاءَهُ بِالأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ، أَوْ يَعْتَمِدُ عَلَى المَخْلُوقِينَ، اعْتِمَادًا يُطْلِقُ عَنَانَ العُبُودِيَّةِ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ففي الصحيحين: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ:
«هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَظَاهِرِ الشِّرْكِيَّةِ، الَّتِي شَاعَتْ فِي وُاقِعِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَأَفْسَدَتْ إِيمَانَهُمْ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: نَشْرَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي أُشْرِبَتْ فِي القُلُوبِ جَهْلاً وَغَفْلَةً؛ فَمِنَ الأَقْوَالِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي تِجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ الكَثِيرِينَ:
الحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى: فالكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ يَحْلِفُونَ بِالآبَاءِ، أَوْ بِالنَّبِيِّ، أَوْ بِالْكَعْبَةِ، أَوْ بِالْحَيَاةِ وَالشَّرَفِ، وَهُمْ لا يَدْرُونَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عِصْيَانٌ شِدِيدٌ، وَشِرْكٌ بِاللَّهِ، فَفِي سُنَنِ الإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ :(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:
«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
وَمِنَ الأَقْوَالِ أَيْضًا: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: “مَا لِي إِلاَّ اللَّهُ وَأَنْتَ”، أَوْ “لَوْلا اللَّهُ وَفُلانٌ”، أَوْ “تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْكَ”: فإِنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ فِيهَا تَسْوِيَةٌ لِلْمَخْلُوقِ بِالخَالِقِ، فِي عَطْفِ المَشِيئَةِ وَالقُدْرَةِ بِالْوَاوِ الَّتِي تُفِيدُ المُشَارَكَةَ،
وَالوُاجِبُ أَنْ يُقَالَ: “مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ”، أَوْ “لَوْلا اللَّهُ ثُمَّ فُلانٌ “؛ لأَنَّ “ثُمَّ” تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالتَّرَاخِيَ، فَتَبْقَى مَشِيئَةُ العَبْدِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ اللَّهِ لا مُسَاوِيَةً لَهَا.
أَمَّا الأَفْعَالُ الشِّرْكِيَّةُ الَّتِي تَتَسَلَّلُ إِلَى سُلُوكِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ، فَمِنْهَا: تَعْلِيقُ التَمَائِمِ، وَالحُرُوزِ، وَالخَرَزَاتِ الزَّرْقَاءِ، وَالحَلَقِ المَعْدَنِيَّةِ، أَوْ وَضْعُ بَعْضِ المُجَسَّمَاتِ فِي البُيُوتِ وَالسَّيَّارَاتِ، بِقَصْدِ دَفْعِ العَيْنِ، أَوْ رَفْعِ البَلاءِ، فهَذَا الاعْتِقَادُ المُنْحَرِفُ، يَقْطَعُ صِلَةَ القَلْبِ بِاللَّهِ، وَيَعْلُقُهُ بِأَشْيَاءَ جَامِدَةٍ، لا حَيَاةَ فِيهَا وَلا قُدْرَةَ.
وَفِي مَسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ».
وَمِنَ الأَفْعَالِ المُهْلِكَةِ أَيْضًا: الذَّهَابُ إِلَى السَّحَرَةِ، وَالمُشَعْوِذِينَ، وَالكُهَّانِ، وَالعَرَّافِينَ، وَمُنَجِّمِي الأَبْرَاجِ، الَّذِينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ، فَيَقْصِدُهُمُ الإِنْسَانُ لِمَعْرِفَةِ المُسْتَقْبَلِ، أَوْ لِكِتَابَةِ العَزَائِمِ وَالعُقَدِ، فَيَسْقُطُ فِي هَاوِيَةِ الشِّرْكِ، وَيَخْسَرُ دِينَهُ وَعَقْلَهُ.
ففي مسند أحمد وغيره: (عَن أَبِى هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
وَمِنْهَا أَيْضًا: الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالنَّذْرُ لِلأَوْلِيَاءِ وَالأَضْرِحَةِ، وَالطَّوَافُ بِالقُبُورِ، وَتَقْدِيمُ القَرَابِينِ لِلْجِنِّ أَوْ لِلأَرْوَاحِ، بِقَصْدِ الشِّفَاءِ أَوْ الشَّفَاعَةِ، وَكُلُّهَا أَعْمَالٌ تُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ الخَالِصَ، وَتَجْعَلُ العَبْدَ يَلْبِسُ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ شَدِيدٍ.
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ قَالَ قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبِرْنَا بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ مَا أَسَرَّ إِلَىَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ».
فَانْظُرُوا كَيْفَ يَخْسَرُ المَرْءُ طَاعَاتِهِ وَأَعْمَالَهُ، بِسَبَبِ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ، الَّتِي يَسْتَهِينُ بِهَا، فإِنَّ الشِّرْكَ إِذَا خَالَطَ العَمَلَ حَبِطَ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَى الإِيمَانِ المَغْشُوشِ أَبْطَلَهُ، فَيَكُونُ صَاحِبُهُ مِنَ الخَاسِرِينَ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (لَا تخلِطُوا إِيمَانَكُمْ بشِرْكٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى سَلامَةِ دِينِهِمْ، وَعَقِيدَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَتْرُكْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الشِّرْكِ – صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ- إِلاَّ حَذَّرَ الأُمَّةَ مِنْهُ، وَوَضَعَ لَهَا المَعَالِمَ الهَادِيَةَ، الَّتِي تَقِيهَا مِنْ التَرَدِّي فِي المَهَالِكِ.
لَقَدْ خَافَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ المَشُوبَةِ بِالشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَالتَّصَنُّعُ فِي العِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الرِّيَاءَ يَتَسَلَّلُ إِلَى القَلْبِ، تَسَلُّلَ النَّمْلَةِ السَّودَاءِ، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَيُفْسِدُ خُلُوصَ النِّيَّةِ لِلَّهِ، فَيُصَلِّي المَرْءُ لِيُقَالَ صَلَّى، وَيُنْفِقُ لِيُقَالَ أَنْفَقَ، وَيَتَكَلَّمُ بِالعِلْمِ لِيُمَدَحَ.
وَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً».
فَيَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَمَا يَقِفُ العَبْدُ المُرَائِي أَمَامَ جَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَيَجِدُ أَعْمَالَهُ الَّتِي أَتْعَبَ فِيهَا نَفْسَهُ، قَدْ ذهَبَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا؛ لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ.
وَإِنَّ مِنْ سُبُلِ العِلاجِ وَسَلامَةِ المَنَهَجِ أَنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ دَائِمَ الوَجَلِ، شَدِيدَ الحَذَرِ، كَثِيرَ الالتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَحْمِيَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ مِنَ الشِّرْكِ.
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) – وهو إِمَامُ الحُنَفَاءِ، وَكَاسِرُ الأَصْنَامِ- كَانَ يَدْعُو رَبَّهُ بِخَوْفٍ وَتَضَرُّعٍ فَيَقُولُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:35]!
فَإِذَا كَانَ الخَلِيلُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَأْمَنُ البَلاءَ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَهُ؟.
لِذَلِكَ أَرْشَدَنَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى التَّحَصُّنِ بِالدُّعَاءِ العَظِيمِ، الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الشِّرْكَ، كَبِيرَهُ وَصَغِيرَهُ،
ففي صحيح الأدب المفرد للبخاري: (قال النبي (صلى الله عليه وسلم): “والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟”. قال: “قل:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ “
فَعَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَلْهَجَ بِهِ لَيْلاً وَنَهَارًا، وَأَنْ يُرَاقِبَ نِيَّتَهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَنْ يُطَهِّرَ لِسَانَهُ مِنَ الأَيْمَانِ الشِّرْكِيَّةِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ شَأْنِهِ، لِيَلْقَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يُقِيلُ العَثَرَاتِ وَيَبْلُغُ بِهِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاء
