خطبة عن (الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)
أكتوبر 5, 2026الخطبة الأولى (الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ)
الحمد لله رب العالمين. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان. ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (90) الأنبياء، وقال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:56]. وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:49 ،50]. وروى مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».
إخوة الإسلام
(الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ): هي من مقامات ومنازل السائرين إلى الله تعالى، وهي أَرْكَانُ العِبَادَةِ القَلْبِيَّةِ، فيَا سَالِكِي الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ، قِفُوا مَعِي مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ، لِأَعْظَمِ سِرٍّ مَكْنُونٍ فِي حَيَاتِكُمْ؛ أَتَدْرُونَ مَا الَّذِي يُحَيِّي هَذِهِ القُلُوبَ حِينَ تَمُوتُ؟، وَمَا الَّذِي يَحْمِلُ العَبْدَ الضَّعِيفَ، عَلَى أَنْ يَقُومَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ البَارِدِ، يَتَجَافَى جَنْبُهُ عَنِ المَضَاجِعِ، أَوْ يَبْذُلَ مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، رَاضِيًا مَغْتَبِطًا؟، إنه (الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ).
(الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ): هِيَ العِبَادَةُ القَلْبِيَّةُ، وَالعِبَادَةُ القَلْبِيَّةُ لَا تَقُومُ إِلاَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ عِظَامٍ، لاَ تَسْتَقِيمُ حَيَاةُ المُسْلِمِ، وَلاَ تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، إِلاَّ بِاجْتِمَاعِهَا مَعًا، وهي:
(المَحَبَّةُ، وَالخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ)، وهي المِيزَانُ الدَّقِيقُ، الَّذِي إِذَا اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِكَ، صِرْتَ عَبْدًا رَبَّانِيًّا، وَإِذَا اخْتَلَّ فِي صَدْرِكَ، طَاشَتْ أَعْمَالُكَ، وَلَوْ كَانَتْ كَالجِبَالِ.
واعْلَمُوا أَنَّهُ لاَ صَلَاحَ لِلْقُلُوبِ أَبَدًا، وَلاَ زَكَاةَ لِلنُّفُوسِ، وَلاَ اسْتِقَامَةَ لِلأَحْوَالِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِيهَا مَعْرِفَةُ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَمَعْرِفَةُ عَظَمَتِهِ وَكَبِرِيَائِهِ، وَتَسْتَقِرَّ فِيهَا مَحَبَّتُهُ، الَّتِي تَمْلَأُ الشَّغَافَ، وَخَشْيَتُهُ وَمَهَابَتُهُ، الَّتِي تُخْشِعُ الجَوَارِحَ، وَرَجَاؤُهُ وَالتَّوَكُّلُ الصَّادِقُ عَلَيْهِ.
وتَخَيَّلُوا هَذِهِ الصُّورَةَ البَدِيعَةَ، الَّتِي صَاغَهَا حَبْرُ الأُمَّةِ، الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ فِي كِتَابِهِ “مَدَارِجِ السَّالِكِينَ” حِينَ قَالَ:
«الْقَلْبُ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَنْزِلَةِ الطَّائِرِ؛ فَالْمَحَبَّةُ رَأْسُهُ، وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَاهُ، فَمَتَى سَلِمَ الرَّأْسُ وَالْجَنَاحَانِ، فَالطَّائِرُ جَيِّدُ الطَّيَرَانِ، وَمَتَى قُطِعَ الرَّأْسُ، مَاتَ الطَّائِرُ، وَمَتَى فُقِدَ الْجَنَاحَانِ، فَهُوَ عُرْضَةٌ لِكُلِّ صَائِدٍ وَكَاسِرٍ».
فَالمَحَبَّةُ: هِيَ الرَّأْسُ المُحَرِّكُ، وَرُكْنُ العِبَادَةِ الأَعْظَمُ، يَسِيرُ بِهَا العَبْدُ إِلَى اللهِ، شَوْقًا، وَرِضًا، وَإِجْلَالًا، وَتَعْظِيمًا.
وَالخَوْفُ: هُوَ الجَنَاحُ الأَوَّلُ؛ إِجْلَالٌ وَخَشْيَةٌ مِنْ عِقَابِ اللهِ، يَقُودُ النَّفْسَ الأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ وَيَزْجُرُهَا، وَيَمْنَعُ الجَوَارِحَ عَنِ المَعَاصِي.
وَالرَّجَاءُ: هُوَ الجَنَاحُ الثَّانِي؛ طَمَعٌ صَادِقٌ فِي رَحْمَةِ اللهِ وَثَوَابِهِ، يَحْمِلُكَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّكَ، وَيَدْفَعُكَ دَفْعًا إِلَى الطَّاعَاتِ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
فهَلْ تُتَصَوَّرُ عِبَادَةٌ بِلاَ حُبٍّ؟!، كَلَّا وَاللهِ، فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ شَيْئًا لَا يَعْبُدْهُ، وَالعِبَادَةَ فِي دِينِنَا لَيْسَتْ حُبًّا مُجَرَّدًا، كَحُبِّكَ لِوَلَدِكَ أَوْ مَالِكَ؛ بَلْ هِيَ المَحَبَّةُ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِالخُضُوعِ، وَالذُّلِّ التَّامِّ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
فَالعَابِدُ الحَقِيقِيُّ: هُوَ المُحِبُّ الخَاضِعُ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مُحِبٍّ عَابِدًا، وَلَكِنْ مَنْ عَبَدَ اللهَ حَتَّى اقْتَرَنَ حُبُّهُ بِالخُضُوعِ، وَالذُّلِّ لِلمَحْبُوبِ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ حَقَّقَ المَقَامَ، واسْمَعُوا إِلَى القُرْآنِ، كَيْفَ يَصِفُ المَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الصَّادِقِينَ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:165].
وَتَأَمَّلُوا أَيْضًا: كَيْفَ مَدَحَ اللهُ أَهْلَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ الصَّادِقَيْنِ، الَّذِينَ لَا يَطْغَى فِي قُلُوبِهِمْ رُكْنٌ عَلَى رُكْنٍ؛ فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9].
وَحِينَمَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَصِفَ صَفْوَةَ الخَلْقِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، فكَيْفَ وَصَفَ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ فِي حَيَاتِهِمْ؟، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:90]؛ “رَغَبًا” فِي عَفْوِهِ وَجَنَّتِهِ، وَ “رَهَبًا” مِنْ عَذَابِهِ وَسَخَطِهِ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
وانْتَبِهُوا وَاحْذَرُوا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ التَّكَافُؤِ وَالتَّوَازُنِ الدَّقِيقِ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ؛ حَتَّى تَسْتَقِيمَ حَيَاتُكُمْ، أَتَدْرُونَ مَاذَا يَحْدُثُ لَوْ اخْتَلَّ المِيزَانُ؟،
فمَنْ غَلَّبَ الخَوْف عليه، حَتَّى سَادَ قَلْبَهُ دُونَ دَاعٍ، سَقَطَ فِي بِئْرِ القُنُوطِ وَاليَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَمَنْ غَلَّبَ عليه الرَّجَاء وَالأَمَانِيَّ البَاطِلَةَ، وَقَعَ فِي الأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ، فَتَفَرَّطَ، وَانْغَمَسَ فِي المَعَاصِي وَهُوَ يَضْحَكُ.
فَمَا هُوَ الضَّابِطُ إِذَنْ؟: فنقول: الخَوْفُ المَحْمُودُ الصَّادِقُ: هُوَ مَا حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَحَارِمِ اللهِ، فَإِذَا صَدَّكَ عَنِ الذَّنْبِ فَقَدْ أَدَّى دَوْرَهُ، أَمَّا إِذَا زَادَ حَتَّى أَقْعَدَكَ عَنِ العَمَلِ، وَأَوْرَثَكَ اليَأْسَ، فَهُوَ
خَوْفٌ مَذْمُومٌ.
وَالرَّجَاءُ المَحْمُودُ الصَّادِقُ: هُوَ رَجَاءُ رَجُلٍ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، فَهُوَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، أَوْ رَجُلٍ أَذْنَبَ فَنَدِمَ وَتَابَ، فَهُوَ يَرْجُو المَغْفِرَةَ، أَمَّا الَّذِي يُصِرُّ عَلَى المَعْصِيَةِ، وَيَقُولُ: “اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”، فَهَذَا مَغْرُورٌ، وأُمْنِيَّاتُهُ بَاطِلَةٌ.
واسْمَعُوا هَذِهِ القَاعِدَةَ التَّارِيخِيَّةَ، الَّتِي خَطَّهَا السَّلَفُ، لِتَكُونَ مَنَارَةً لَكُمْ:
«مَنْ عَبَدَ اللهَ بِالحُبِّ وَحْدَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ؛ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالخَوْفِ وَحْدَهُ فَهُوَ حَرُورِيٌّ(مِنَ الخَوَارِجِ )؛ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُرْجِئٌ؛ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالحُبِّ وَالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ».
فَالتَّوَسُّطُ وَالقَصْدُ هُوَ الإِسْلَامُ؛ حُبٌّ يَحْمِلُكَ عَلَى الشَّوْقِ، وَخَوْفٌ يَزْجُرُكَ عَنِ الحَرَامِ، وَرَجَاءٌ يَبْعَثُكَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالعَمَلِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَزِنُوا قُلُوبَكُمْ بِمِيزَانِ الحَقِّ، وَسِيرُوا إِلَى رَبِّكُمْ صَادِقِينَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ)
الحمد لله رب العالمين. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان. ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
انْقُلُوا أَبْصَارَكُمْ وَقُلُوبَكُمْ مَعِي إِلَى هَذِهِ المَشَاهِدِ النَّبَوِيَّةِ الخَالِدَةِ، لِتَرَوْا كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُرَبِّي أُمَّتَهُ عَلَى هَذَا التَّوَازُنِ الصَّارِمِ، حَتَّى فِي أَشد اللَّحَظَاتِ،
ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ «كَيْفَ تَجِدُكَ». قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ».
والله جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة» رواه ابن حبان في صحيحه
والرسول صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الخوف والرجاء، ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَهِ الله-صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».
وقد عَالَجَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا المِيزَانَ فِي نَفْسِهِ المَعْصُومَةِ، لِتَكُونَ لَنَا أُسْوَةً؛ فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الرَّجَاءِ، وَالتَّحْدِيثِ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ:
«أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
وَفِي ذَاتِ الوَقْتِ الَّذِي يَعْلُو فِيهِ أَمَلُهُ، يَقِفُ لِيَحْثُوَ التُّرَابَ عَلَى نُفُوسِ العِبَادِ حَتَّى لاَ تَغْتَرَّ، فَيَقُولُ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ»! قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ».
بَلْ حَتَّى حِينَمَا ذَكَرَ “الوَسِيلَةَ” تِلْكَ المَنْزِلَةَ العَلِيَّةَ فِي الجَنَّةِ قَالَ:
«إِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الـجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ».
فَإِذَا كَانَ سَيِّدُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ يَرْجُو، وَيَخَافُ، وَيَنْكَسِرُ لِلَّهِ، فَمَاذَا نَقُولُ نَحْنُ المُقَصِّرُونَ المُذْنِبُونَ ؟!.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن الأَسْبَابِ البَاعِثَةِ على هَذِهِ المَشَاعِرَ فِي صُدُورِكُمْ: أَتُرِيدُونَ المَحَبَّةَ؟: فعَلَيْكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَتَدَبُّرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، الَّتِي تُغْدَقُ عَلَيْكُمْ صَبَاحًا وَمَسَاءً.
أَتُرِيدُونَ الخَوْفَ الَّذِي يَحْمِيكُمْ؟: فتَذَكَّرُوا شِدَّةَ بَطْشِ اللهِ، وَتَأَمَّلُوا فِي المَوْتِ وَسَكَرَاتِهِ، وَالقَبْرِ وَظُلُمَاتِهِ، وَأَهْوَالِ القِيَامَةِ، وَمَوَاقِفِهَا العَظِيمَةِ.
أَتُرِيدُونَ الرَّجَاءَ الَّذِي يُقَوِّي هِمَمَكُمْ؟: تَأَمَّلُوا فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ، الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ.
أما عن ثمرات (الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: فمنها: اسْتِقَامَةُ الجَوَارِحِ: فَتَرَاهَا تَرْكُضُ فِي الخَيْرَاتِ رَغَبًا، وَتَنْكَفُّ عَنِ المُنْكَرَاتِ وَالشَّهَوَاتِ رَهَبًا.
ومنها: طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ: فَلَا يَصْرِعُكَ هَمٌّ، وَلاَ يَقْتُلُكَ يَأْسٌ، وَلاَ يُطْغِيكَ عُجْبٌ.
ومنها: الفَوْزُ بِالجَنَّةِ وَالنَّجَاةُ مِنَ النَّارِ: وَحُصُولُ أَعْظَمِ جَائِزَةٍ؛ الرِّضْوَانِ الأَكْبَرِ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
فَاجْعَلُوا هَذِهِ الأَرْكَانَ الثَّلَاثَةَ (الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ) شِعَارَ قُلُوبِكُمْ، وَحَقِّقُوا المِيزَانَ فِي
حَيَاتِكُمْ، وَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
[الدُّعَاءُ]
