خطبة عن (نوح ودَعْوَةٌ لَا تَعْرِفُ اليَأْسَ)
سبتمبر 21, 2026خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ التَّكَاثُر)
سبتمبر 22, 2026الخُطْبَةُ الأولى (الزواجُ آيةٌ وأمانة )
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» [أخرجه الترمذي].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
الزواجُ في الاسلام سنة من سنن الأنبياء والمُرسَلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (الرعد:38)، وقد أمرَ الله بالزواج فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النور:32)،
كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – شَبَابًا لاَ نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهُ – صلى الله عليه وسلم – «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». (والباءةُ هي القُدرة على المهر والنفقة والسكَن)،
وفي سنن أبي داود: (عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لاَ تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا قَالَ «لاَ». ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ»
والزواج طهارةٌ للقلب، وزكاةٌ للنفس، وسببٌ للذرِّيَّة التي تتعاقَبُ على الأرض، لعبادةِ الله وعُمرانها، وهو طهارةٌ وعِفَّةٌ للزوجين، وصلاحٌ للمُجتمع، وحِفظٌ لهم من الانحِراف، وهو أمانٌ للمُجتمع من تفشِّي الزنا وعمل قوم لُوط.
ويُشرعُ لمن عزم على النكاح أن يختار الزوجةَ الصالِحةَ، بالخُلُق والدين، وحُسن المنبَت؛ ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»
كما يشرع لولي البنت أن يحرص على السؤال عن حسن علاقة الخاطب مع الله، وحسن علاقته مع عباد الله، فإذا كان ذا خلقٍ ودينٍ زوَّجَه؛
ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِى حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)
ومما تقدم يتبين لنا أنَّ مَنْزِلَةَ الزَّوَاجِ فِي الإِسْلَامِ مَنْزِلَةٌ عُلْيَا؛ فَهُوَ لَيْسَ عَقْداً مَادِيّاً، بَلْ هُوَ “سَكَنٌ لِلرُّوحِ” وَ “طُمَأْنِينَةٌ لِلْقَلْبِ”، وَلَا تَدُومُ هَذِهِ السَّكِينَةُ إِلَّا بِأَنْ يَعْرِفَ كُلُّ طَرَفٍ مَا لَهُ مِنَ حُقُوقٍ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ، فَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامُ العَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةً عَلَى التَّبَادُلِ الكَرِيمِ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة:228.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فإِنَّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا حُقُوقاً أَوْجَبَهَا اللهُ، مَنْ ضَيَّعَهَا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَخَانَ مِيثَاقَهُ، ومنها: المُعَاشَرَةُ بِالمَعْرُوفِ: وَهِيَ جِمَاعُ الأَخْلَاقِ؛ مِنْ حُسْنِ الكَلَامِ، وَطِيبِ العِشْرَةِ، وَالتَّغَاضِي عَنِ الزَّلَّاتِ.
ومنها: الِانْفَاقُ وَالكِسْوَةُ: فَالرَّجُلُ هُوَ رَبُّ البَيْتِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ كِفَايَةِ أَهْلِهِ بِالمَعْرُوفِ ،دُونَ إِسْرَافٍ أَوْ تَقْتِيرٍ.
ومنها: الحِمَايَةُ وَالتَّعْلِيمُ: بِأَنْ يَكُونَ لَهَا سَنَداً، وَيُعِينَهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَيَحْفَظَ عِرْضَهَا وَكَرَامَتَهَا.
وَفِي المُقَابِلِ، فقد جَعَلَ اللهُ لِلزَّوْجِ حُقُوقاً عَلَى زَوْجَتِهِ، لِيَسْتَقِيمَ مَرْكَبُ الحَيَاةِ، ومنها: الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ: فَلَا قِوَامَةَ لِلْبَيْتِ بِلَا رَأْسٍ، وَطَاعَتُهَا لِزَوْجِهَا هِيَ قُرْبَةٌ لِرَبِّهَا.
ومنها: حِفْظُ البَيْتِ وَالعِرْضِ: فَلَا تُدْخِلُ بَيْتَهُ مَنْ يَكْرَهُ، وَتَحْفَظُ مَالَهُ وَسِرَّهُ وَأَبْنَاءَهُ.
ومنها: التَّجَمُّلُ وَحُسْنُ التَّبَعُّلِ: بِأَنْ تَكُونَ لَهُ مَصْدَرَ سُرُورٍ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ.
واعلموا أن الحَيَاة الزَّوْجِيَّة لَا تَقُومُ عَلَى “المُشَاحَّةِ” وَالمُطَالَبَةِ الدَّائِمَةِ بِالحُقُوقِ، بَلْ تَقُومُ عَلَى “المُسَامَحَةِ” وَالفَضْلِ، فمَا أَجْمَلَ أَنْ يَتَسَابَقَ الزَّوْجَانِ فِي إِرْضَاءِ بَعْضِهِمَا!، فَمَا أُكْرِمَتِ النِّسَاءُ إِلَّا مِنْ كَرِيمٍ، وَمَا أُهِينَتْ إِلَّا مِنْ لَئِيمٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» [أخرجه مسلم].
فكَثِير مِنَ المُشْكِلَاتِ الزَّوْجِيَّةِ تَنْشَأُ حِينَ يَنْسَى الطَّرَفَانِ أَنَّ المَقْصِدَ هُوَ “المَوَدَّةُ”، فَتَتَحَوَّلُ البُيُوتُ إِلَى سَاحَاتٍ لِلْمُحَاكَمَةِ،
ونَصِيحَتِي لِكُلِّ زَوْجٍ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، وَنَصِيحَتِي لِكُلِّ زَوْجَةٍ: اِتَّقِي اللهَ فِي رَاعِي بَيْتِكِ، فاِجْعَلُوا التَّغَافُلَ سَيِّدَ أَخْلَاقِكُمْ، وَاحْذَرُوا دَخَائِلَ الشَّيْطَانِ الَّتِي تُرِيدُ “التَّفْرِيقَ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ”.
فاللَّهُمَّ أَصْلِحْ بَيْنَ أَزْوَاجِ المُسْلِمِينَ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ. واجْعَلْ بُيُوتَنَا مَنَارَاتٍ لِلْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَارْزُقْنَا الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَقَرُّ بِهَا الأَعْيُنُ. وَوفِّقْ كُلَّ زَوْجَيْنِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ حَيَاتَهُمَا سَكَنًا، وَآخِرَتَهُمَا جَنَّةً.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الزواج آية وأمانة)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» [متفق عليه].
فمِمَّا يَغْفَلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ أَنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ أَمْراً خَاصّاً بِهِمَا فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ “المَنَاخُ” الذِي يَتَنَفَّسُهُ الأَبْنَاءُ، فإِنَّ الطِّفْلَ لَا يَتَرَبَّى بِالمَوَاعِظِ الَّتِي يَسْمَعُهَا، بِقَدْرِ مَا يَتَرَبَّى بِالقُدْوَةِ الَّتِي يَرَاهَا أَمَامَهُ، تَتَجَسَّدُ فِي تَعَامُلِ أَبِيهِ مَعَ أُمِّهِ، وَأُمِّهِ مَعَ أَبِيهِ، فَإِذَا رَأَى الوَلَدُ احْتِرَاماً مُتَبَادَلًا، نَشَأَ مُحْتَرِماً لِلآخَرِينَ، وَإِذَا رَأَى مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، نَمَتْ فِي قَلْبِهِ مَعَانِي العَطَاءِ وَالسَّكِينَةِ.
وتَأَمَّلُوا فِي الآثَارِ المُبَاشِرَةِ لِلْوِفَاقِ الزَّوْجِيِّ عَلَى نُفُوسِ النَّاشِئَةِ، ومنها: الأَمْنُ النَّفْسِيُّ: فحِينَ يَرَى الأَبْنَاءُ بَيْتًا هَادِئًا بَعِيدًا عَنِ الصُّرَاخِ وَالنِّزَاعِ، تَتَوَلَّدُ لَدَيْهِمْ ثِقَةٌ بِالنَّفْسِ وَتَوَازُنٌ فِي الشَّخْصِيَّةِ، بَيْنَمَا تَهْدِمُ “الخِلَافَاتُ المُرَّةُ” كِيَانَ الطِّفْلِ وَتَجْعَلُهُ فَرِيسَةً لِلْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ.
ومنها: تَعَلُّمُ مَهَارَاتِ الحَيَاةِ: ففِي بَيْتِ السَّكِينَةِ، يَتَعَلَّمُ الأَبْنَاءُ “فَنَّ الِاعْتِذَارِ” حِينَ يَرَوْنَ أَبَاهُمْ يَعْتَذِرُ عَنْ خَطَئِهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ “فَنَّ الحِوَارِ” حِينَ يَرَوْنَ وَالِدَيْهِمْ يَتَنَاقَشُونَ بِرِفْقٍ، فَيَخْرُجُونَ لِلْمُجْتَمَعِ قَادِرِينَ عَلَى بِنَاءِ عَلَاقَاتٍ نَاجِحَةٍ.
ومنها: التَّحْصِينُ مِنَ الِانْحِرَافِ: فإِنَّ البَيْتَ الطَّارِدَ بِكَثْرَةِ مَشَاكِلِهِ يَجْعَلُ الأَبْنَاءَ يَبْحَثُونَ عَنِ الأَمَانِ خَارِجَهُ، مِمَّا يُعَرِّضُهُمْ لِرُفَقَاءِ السُّوءِ. أَمَّا البَيْتُ المَحْفُوفُ بِمَحَبَّةِ الزَّوْجَيْنِ، فَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ يَحْمِي أَبْنَاءَنَا مِنْ سُمُومِ الشَّارِعِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فاتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ الأَمَانَةِ؛ فَالرَّجُلُ الذِي يُكْرِمُ زَوْجَتَهُ أَمَامَ أَبْنَائِهِ إِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُمْ دَرْسًا عَمَلِيًّا فِي “الرُّجُولَةِ”، وَالأُمُّ الَّتِي تَقْدُرُ زَوْجَهَا إِنَّمَا تُعَلِّمُ بَنَاتِهَا كَيْفَ يَكُنَّ “رَبَّاتِ بُيُوتٍ” صَالِحَاتٍ، واعلموا أنَّ كُلَّ لَحْظَةِ صَفَاءٍ بَيْنَكُمَا هِيَ لَبِنَةٌ فِي بِنَاءِ مُسْتَقْبَلِهِمْ، وَكُلَّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ تَتَبَادَلَانِهَا هِيَ رَسَالَةُ حُبٍّ لِأَطْفَالِكُمْ. وتدبروا قول اللهُ تَعَالَى: {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1]،
فقَدْ تَقَعُ الخِلَافَاتُ بين الزوجين –وَهَذَا أمر طَبِيعِيٌّ– وَلَكِنَّ التَّقْوَى تَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ الأَبْنَاءُ وَقُوداً لِهَذِهِ النِّزَاعَاتِ، فإِيَّاكُمْ وَتَحْقِيرَ الطَّرَفِ الآخَرِ أَمَامَ الأَوْلَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَهْزِمُ “الرَّمْزِيَّةَ” وَالقُدْوَةَ فِي قُلُوبِهِمْ، واِجْعَلُوا خِلَافَاتِكُمْ خَلْفَ الأَبْوَابِ المُغْلَقَةِ، وَأَظْهِرُوا لَهُمُ الوَحْدَةَ وَالتَّمَاسُكَ ،فَإِذَا صَلُحَ مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، صَفَا المَشْرَبُ لِلأَبْنَاءِ، وَنَشَأَ جِيلٌ سَوِيٌّ يَعْرِفُ قَدْرَ المَعْرُوفِ وَالوَفَاءِ.
فاللَّهُمَّ أَصْلِحْ بُيُوتَنَا وَاجْعَلْهَا سَكَنًا لَنَا وَلِذُرِّيَّاتِنَا. وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ لِيَكُونُوا خَيْرَ قُدْوَةٍ لِلأَبْنَاءِ. واجْعَلْ أَوْلَادَنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَاجْعَلْهُمْ ذُخْرًا لِلإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ.
( الدعاء )
