خطبة عن (حقوق الجوار)
سبتمبر 20, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (اشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (152) البقرة، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّهَ” [رواه الترمذي وصححه الألباني].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ مَقَامَ “الشُّكْرِ” هُوَ نِصْفُ الإِيمَانِ؛ فَالإِيمَانُ نِصْفَانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ،
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاشْكُرُوا لِي} أَمْرٌ إِلهِيٌّ، يَقْتَضِي الِاعْتِرَافَ بِالمِنَّةِ، وَالثَّنَاءَ عَلَى المُنْعِمِ، وَاسْتِعْمَالَ النِّعْمَةِ فِي طَاعَتِهِ،
فالشُّكْرُ هُوَ “قَيْدُ النِّعَمِ” المَوْجُودَةِ، وَ “صَيْدُ النِّعَمِ” المَفْقُودَةِ؛ فَمَا اسْتُدِرَّتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ طَاعَةِ اللهِ، وَلَا حُفِظَتْ بِمِثْلِ حَمْدِهِ، وإِنَّ العَبْدَ الشَّكُورَ هُوَ الذِي يَرَى يَدَ اللهِ فِي كُلِّ خَيْرٍ يَصِلُ إِلَيْهِ، فَلَا يَنْسُبُ الفَضْلَ لِذَكائِهِ أَوْ كَدِّهِ، بَلْ يَقُولُ بِلِسَانِ اليَقِينِ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}،
والشُّكْرُ عِبَادَةُ الأَنْبِيَاءِ؛ فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَيَقُولُ: “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَكْفُرُونِ}؛ وَالكُفْرَانُ هُنَا: هُوَ جُحُودُ النِّعْمَةِ، أَوْ نِسْيَانُ المُنْعِمِ ،فإِنَّ خَطَرَ نِسْيَانِ الشُّكْرِ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ إِذَا لَمْ تُشْكَرْ فَرَّتْ، وَإِذَا فَرَّتْ قَلَّمَا عَادَتْ،
وكُفْرَانُ النِّعْمَةِ أيضا: يَكُونُ بِتَسْخِيرِ المَالِ فِي الحَرَامِ، أَوْ بَذْلِ الصِّحَّةِ فِي المَعَاصِي، أَوْ بِالتَّسَخُّطِ عَلَى القَدَرِ، مَعَ غَرَقِ الإِنْسَانِ فِي آلاءِ اللهِ، فمَنِ اسْتَعَانَ بِنِعَمِ اللهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِ اللهِ وَزَوَالِ نِعْمَتِهِ، فإِنَّ الشُّكْرَ لَيْسَ كَلِمَةً بَارِدَةً، بَلْ هُوَ حَرَكَةٌ عَمَلِيَّةٌ، تَبْدَأُ مِنَ القَلْبِ تَعْظِيماً، وَتَمُرُّ بِاللِّسَانِ حَمْداً، وَتَنْتَهِي بِالجَوَارِحِ خِدْمَةً وَطَاعَةً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (152) البقرة،
ولِلشُّكْرِ آثَار سُلُوكِيَّة، تَبْنِي المُجْتَمَعَ؛ فَمَنْ شَكَرَ اللهَ رَحِمَ خَلْقَهُ، وَمِنْ تَمَامِ الشُّكْرِ لِلَّهِ: أَنْ نَشْكُرَ مَنْ أَجْرَى اللهُ الخَيْرَ عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ مِنَ الوَالِدَيْنِ، وَالمُعَلِّمِينَ، وَأَصْحَابِ الفَضْلِ، وفي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ لاَ يَشْكُرِ النَّاسَ لاَ يَشْكُرِ اللَّهَ»؛ لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ المَعْرُوفَ الظَّاهِرَ مِنَ البَشَرِ، كَانَ لِجُحُودِ نِعَمِ الخَالِقِ أَسْرَعَ.
والشُّكْرُ يَنْزِعُ الحَسَدَ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأَنَّ الشَّاكِرَ مَشْغُولٌ بِمَا عِنْدَهُ عَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ، رَاضٍ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، مُوقِنٌ أَنَّ رَبَّهُ الشَّكُورَ سَيَزِيدُهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَهَلْ نَحْنُ نَشْكُرُ اللهَ عَلَى نِعْمَةِ الأَمْنِ، وَالعَافِيَةِ، وَالإِيمَانِ، أَمْ أَنَّنَا أَلِفْنَا النِّعَمَ فَغَفَلْنَا عَنْ شُكْرِهَا؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (152) البقرة، وإِنَّ الوَعْدَ الرَّبَّانِيَّ لِلشَّاكِرِينَ صَرِيحٌ لَا يَتَبَدَّلُ: قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7]. وهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَشْمَلُ بَرَكَةَ المَالِ، وَصَلَاحَ الذُّرِّيَّةِ، وَنُورَ البَصِيرَةِ، فمَنْ أَرَادَ دَوَامَ العِزِّ فَلْيَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولِنَجْعَلْ مِنْ بُيُوتِنَا مَنَابِرَ لِلْحَمْدِ؛ فَنُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا أَنْ يَقُولُوا “الحَمْدُ للهِ” عِنْدَ القَلِيلِ قَبْلَ الكَثِيرِ.
وإِنَّ العَالَمَ اليَوْمَ يَغْرَقُ فِي المَادِّيَّاتِ وَلَا يَشْبَعُ، وَالسِّرُّ فِي ضَيَاعِ بَرَكَةِ الشُّكْرِ،
فَعُودُوا إِلَى رِحَابِ الحَمْدِ، وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِالثَّنَاءِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا مَا نَحْنُ فِيهِ، وَيُعْطِيَنَا مِنْ خَزَائِنِهِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]. وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا”،
فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الرِّضَا الإِلهِيِّ العَظِيمِ ،الذِي نَنَالُهُ بِأَيْسَرِ الأَعْمَالِ؛ مُجَرَّدُ حَمْدٍ عَلَى لُقْمَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ!، فالإِسْلَامُ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ أُمَّةً شَاكِرَةً، لَا جَاحِدَةً.
والشُّكْرُ هُوَ دَوَاءُ الكِبْرِ؛ لِأَنَّكَ حِينَ تَحْمَدُ اللهَ، فَقَدْ اعْتَرَفْتَ بِعَجْزِكَ، وَبِفَضْلِ رَبِّكَ، فلَا تَكُونُوا مِمَّنْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ، بَلْ كُونُوا مِنَ القِلَّةِ الَّتِي اصْطَفَاهَا اللهُ، وكُونُوا مِنْ عِبَادِهِ الشَّكُورِينَ، فالشُّكْرُ يَمْلأُ النَّفْسَ طُمَأْنِينَةً، وَيَجْعَلُ الفَقِيرَ غَنِيّاً بِقَلْبِهِ، وَالغَنِيَّ مُبَارَكاً فِي مَالِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]. وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “التَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ” [رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني].
فبَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا مَقَامَ الشُّكْرِ، وَعَظِيمَ قَدْرِهِ، يَبْقَى السُّؤَالُ الأَهَمُّ: كَيْفَ نَشْكُرُ المُنْعِمَ جَلَّ جَلَالُهُ؟، والجواب: إِنَّ الشُّكْرَ لَيْسَ تَمْتَمَةً بِاللِّسَانِ دُونَ أَثَرٍ فِي الجَوَارِحِ، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَبْدَأُ بِـ “شُكْرِ القَلْبِ”؛ وَهُوَ انْكِسَارُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، وَاعْتِرَافُهُ بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ -دَقَّتْ أَوْ جَلَّتْ- هِيَ مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللَّهِ،
والعبد الشاكر بِقَلْبِهِ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ حَقّاً، بَلْ يَرَى لِلَّهِ عَلَيْهِ المِنَّةَ، فحِينَ تَنْظُرُ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَهْلِكَ، وَرِزْقِكَ، قُلْ بِيَقِينٍ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}. فهَذَا الِاعْتِرَافُ البَاطِنِيُّ هُوَ الذِي يَطْرَدُ الكِبْرَ، وَيَجْلِبُ الزِّيَادَةَ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ دَائِمَ الصِّلَةِ بِمَصْدَرِ النَّعِيمِ.
وبعد شكر القلب، يَنْتَقِلُ الشُّكْرُ إِلَى “شُكْرِ اللِّسَانِ”؛ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فـ “التَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ شُكْرٌ”؛ أَيْ: أَنْ تَنْسِبَ الخَيْرَ لِلَّهِ أَمَامَ النَّاسِ، لَا ببَابَ الفَخْرِ وَالخُيَلَاءِ، بَلْ بَابَ التَّعْظِيمِ لِلْخَالِقِ.
وقد كَانَ السَّلَفُ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ: “كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟”، يَقُولُ: “أَصْبَحْنَا فِي نِعَمٍ مِنَ اللَّهِ لَا نُحْصِيهَا، مَعَ مَعَاصٍ كَثِيرَةٍ نَسْتَحِي مِنْهَا”،
وشُكْرُ اللِّسَانِ هُوَ كَثْرَةُ الحَمْدِ فِي الرَّخَاءِ، وَالصَّبْرُ المَقْرُونُ بِالحَمْدِ فِي الضَّرَّاءِ، فمَنْ مَلأَ لِسَانَهُ بِـ “الحَمْدُ لِلَّهِ” قَطَعَ طَرِيقَ الشَّيْطَانِ نَحْوَ التَّسَخُّطِ، وَأَسْمَعَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ طِيبَ الثَّنَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أَمَّا ذُرْوَةُ سَنَامِ الشُّكْرِ فَهِيَ “شُكْرُ الجَوَارِحِ”؛ وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}. فَكُلُّ نِعْمَةٍ لَهَا شُكْرٌ مِنْ جِنْسِهَا، فشُكْرُ نِعْمَةِ “العَيْنِ” أَنْ تَغُضَّهَا عَنِ الحَرَامِ، وَتَنْظُرَ بِهَا فِي المَصَاحِفِ وَالعِبَرِ، وشُكْرُ نِعْمَةِ “الأُذُنِ” أَنْ تَقْبِضَهَا عَنِ الغِيبَةِ، وَتَفْتَحَهَا لِلذِّكْرِ، وشُكْرُ نِعْمَةِ “المَالِ” أَنْ تُخْرِجَ حَقَّهُ، وَتُنْفِقَهُ فِي مَرَاضِي اللَّهِ، وشُكْرُ نِعْمَةِ “الجَاهِ” أَنْ تَنْفَعَ بِهِ الضُّعَفَاءَ، وهكذا..
وإِنَّ اسْتِعْمَالَ النِّعْمَةِ فِي مَعْصِيَةِ المُنْعِمِ، هُوَ قِمَّةُ الجُحُودِ، فكَيْفَ تَعْصِي اللَّهَ بِيَدٍ هُوَ خَلَقَهَا؟، أَوْ تَمْشِي إِلَى حَرَامٍ بِرِجْلٍ هُوَ قَوَّاهَا؟، فالشُّكْرُ العَمَلِيُّ هُوَ الدَّلِيلُ الصَّادِقُ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (اشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والمتدبر لقوله تعالى: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (152) البقرة، فإِنَّ مَنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الشُّكْرِ أَيْضاً: “الشُّكْرُ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ”؛ بِسَجْدَةِ الشُّكْرِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا ﷺ،
وَكَذَلِكَ “الشُّكْرُ بِإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ”؛ فَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِالفَرَجِ، فَافْرِحْ مَكْرُوباً، وَإِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِالشِّبَعِ، فَأَطْعِمْ جَائِعاً، فهَذَا الشُّكْرُ المُتَعَدِّي هُوَ الذِي يَحْفَظُ المُجْتَمَعَاتِ.
ولَا نَجَاةَ لِلأُمَّةِ إِلَّا بِأَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى “أُمَّةٍ شَاكِرَةٍ”؛ يَرَى فِيهَا الغَنِيُّ حَقَّ الفَقِيرِ شُكْراً لِلَّهِ، وَيَرَى فِيهَا القَوِيُّ حَقَّ الضَّعِيفِ ذُلّاً لِلَّهِ، فَلْنُرَاجِعْ سِجِلَّاتِ شُكْرِنَا؛ هَلْ نَحْنُ نَشْكُرُ بِالجَوَارِحِ؟، أَمْ نَكْتَفِي بِالقَوْلِ وَنَحْنُ عَلَى المَعَاصِي مُقِيمُونَ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانُ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]. وَفي الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: “يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ” [رواه أبو داود وصححه الألباني].
فتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فالشُّكْرُ يَحْتَاجُ إِلَى “إِعَانَةٍ” مِنَ اللَّهِ، فلَنْ تَسْتَطِيعَ شُكْرَ اللَّهِ إِلَّا إِذَا وَفَّقَكَ اللَّهُ لِلشُّكْرِ، وَهَذَا التَّوْفِيقُ نِعْمَةٌ أُخْرَى تَسْتَوْجِبُ شُكْراً جَدِيداً!، وهَكَذَا يَعِيشُ الشَّاكِرُ فِي بَحْرٍ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ لَا يَنْقَطِعُ.
والشُّكْرُ هُوَ مِفْتَاحُ الرِّضَا النَّفْسِيِّ؛ فَالشَّاكِرُ لَا يَعْرِفُ الحَسَدَ، وَلَا يَشْعُرُ بِالنَّقْصِ، بَلْ يَرَى بَرَكَةَ اللَّهِ فِي صَغِيرِ الأُمُورِ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْ “القَلِيلِ” الذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ، فَلْيَلْزَمْ هَذَا الدُّعَاءَ، وَلْيُحَوِّلْ حَيَاتَهُ إِلَى طَاعَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، فَالشُّكْرُ تِجَارَةٌ لَنْ تَبُورَ.
ألا فتَعَاهَدُوا أَنْفُسَكُمْ بِالشُّكْرِ القَلْبِيِّ وَالعَمَلِيِّ، ونَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الشَّكُورِينَ، وَأَنْ يُوزِعَنَا أَنْ نَشْكُرَ نِعْمَتَهُ الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْنَا، فاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، ولَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ أَبْدَلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً، وبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا، وَاحْفَظْهُ لَنَا مِنَ الزَّوَالِ.
( الدعاء )
