خطبة عن (اشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)
سبتمبر 20, 2026خطبة عن (نوح ودَعْوَةٌ لَا تَعْرِفُ اليَأْسَ)
سبتمبر 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (يَا عِبَادِي: لاَ تَظَالَمُوا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
في صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ – إن شاء الله تعالى- مَعَ نِدَاءٍ رَبَّانِيٍّ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الجُلُودُ، وَتَخْشَعُ لَهُ القُلُوبُ، إنه نِدَاءٌ يَبْدَأُ بِقَوْلِ المَلِكِ: (يَا عِبَادِي)؛ ففِيهِ التَّقْرِيبُ، وَفِيهِ التَّحْنِينُ، وَفِيهِ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ فُقَرَاءُ إِلَى اللهِ، مَمْلُوكُونَ لَهُ،
وَأَوَّلُ حَقِيقَةٍ يُقَرِّرُهَا هَذَا الحَدِيثُ القُدْسِيُّ العَظِيمُ هِيَ تَنْزِيهُ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ عَنِ الظُّلْمِ، فاللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَمَعَ ذَلِكَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ العَدْلَ، وَنَفَى عَنْ سُلْطَانِهِ مَثَاقِيلَ الذَّرِّ مِنَ الظُّلْمِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء :40]. وإِذَا كَانَ الخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَتَجَرَّأُ المَخْلُوقُ الضَّعِيفُ عَلَى مُمَارَسَتِهِ؟!،
لِذَا، جَاءَ الأَمْرُ الصَّرِيحُ: «فَلَا تَظَالَمُوا»، فإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ، يَهْلِكُ فِيهِ الأَفْرَادُ، وَتَسْقُطُ فِيهِ الدُّوَلُ،
وَالظُّلْمُ أَنْوَاعٌ: منها: ظُلْمُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ بِالشِّرْكِ وَالمَعَاصِي، وَظُلْمُ العَبْدِ لِغَيْرِهِ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ،
فَاتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ النِّدَاءُ الإِلَهِيُّ إِلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الإِنْسَانِ؛ فَقَالَ: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ». وهُنَا تَنْكَسِرُ كِبْرِيَاءُ النَّفْسِ، وَيَعْرِفُ المَرْءُ قَدْرَهُ، فإِنَّنَا بِلَا هِدَايَةِ اللهِ نَتِيهُ فِي ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالشَّهَوَاتِ، فلَا تَقُلْ نِلْتُ العِلْمَ بِذَكَائِي، وَلَا تَقُلْ عَرَفْتُ الطَّرِيقَ بِقُوَّتِي، بَلْ هُوَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ، فكُلُّ نَبْضَةِ إِيمَانٍ فِي قَلْبِكَ، وَكُلُّ سَجْدَةٍ تَسْجُدُهَا، هِيَ مِنْ هِدَايَةِ اللهِ لَكَ.
وَمَا دَامَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَأَيْنَ المَفَرُّ؟، المَفَرُّ إِلَى اللهِ بِالطَّلَبِ: «فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»، فهَذَا أَمْرٌ بِالدُّعَاءِ وَالِافْتِقَارِ، وَلِذَلِكَ فَرَضَ اللهُ عَلَيْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ الهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِنَا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة:6. فاسْتَهْدِ اللهَ فِي شُؤُونِكَ كُلِّهَا؛ واسْتَهْدِهِ فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِكَ، واسْتَهْدِهِ فِي كَسْبِ مَالِكَ، واسْتَهْدِهِ عِنْدَ الحَيْرَةِ وَالفِتَنِ، فمَنْ طَلَبَ الهُدَى مِنْ غَيْرِ مَنَابِعِ الوَحْيِ ضَلَّ، وَمَنْ طَلَبَهُ مِنَ اللهِ صِدْقًا وَصَلَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15].
وَفِي تَتِمَّةِ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُنَا، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَتُنَا، فنَحْنُ الذِينَ نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ الذِينَ نَفْتَقِرُ إِلَى صَفْحِهِ، فإِذَا هَدَاكَ اللهُ فَلِنَفْسِكَ، وَإِذَا اسْتَقَمْتَ فَلِصَالِحِكَ،
وإِنَّ عظمة هَذَا الدِّينِ تَتَجَلَّى فِي أَنَّ مَفَاتِيحَ الخَزَائِنِ بِيَدِ المَلِكِ، وَقَدْ فَتَحَ لَكَ بَابَ السُّؤَالِ، فَلَا تَعْجِزْ عَنِ الدُّعَاءِ، وَلَا تَيْأَسْ مِنْ طَلَبِ الهِدَايَةِ مَهْمَا بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا الجَمْعَ العَظِيمَ فِي الحَدِيثِ بَيْنَ (تَحْرِيمِ الظُّلْمِ) وَ(طَلَبِ الهِدَايَةِ)، لِيُخْبِرَنَا رَبُّنَا أَنَّ أَعْظَمَ هِدَايَةٍ هِيَ: الِالتِزَامُ بِالعَدْلِ مَعَ الخَلْقِ، وَأَنَّ أَعْظَمَ ضَلَالٍ هُوَ: التَّجَبُّرُ عَلَى العِبَادِ، فَارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فلِنَخْرُجْ مِنْ هَذا اللقاء بِعَهْدٍ مَعَ اللهِ: أَنْ نُطَهِّرَ حَيَاتَنَا مِنَ المَظَالِمِ، وَأَنْ نَلْهَجَ بِطَلَبِ الهِدَايَةِ لَيْلَ نَهَارَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم:42]. وَفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»،
فإِنَّ الظُّلْمَ الذِي قَدْ يَرَاهُ البَعْضُ مَغْنَمًا بَارِدًا فِي الدُّنْيَا، أَوْ سُلْطَةً يَبْطِشُ بِهَا، أَوْ مَالًا يَنْتَهِبُهُ، سَيَتَحَوَّلُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَحَابٍ مِنَ الظَّلَامِ الدَّامِسِ، يَحْجُبُ عَنِ العَبْدِ نُورَ الصِّرَاطِ، وَيَسُوقُهُ إِلَى مَهَالِكِ الخُسْرَانِ، فهَذَا الظَّلَامُ لَيْسَ حِسِّيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ظُلْمَةُ الحِجَابِ عَنْ مَرْضَاةِ اللهِ، وَظُلْمَةُ الحَسْرَةِ الَّتِي تَعْتَصِرُ القَلْبَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَدَمٌ.
وقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّمَادِي فِي الظُّلْمِ، وَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ أَنِينِ المَظْلُومِينَ. فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] [أخرجه البخاري].
فَإِيَّاكَ وَالغُرُورَ بِحِلْمِ اللهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِقُوَّتِكَ عَلَى مَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ سِهَامَ اللَّيْلِ مِنَ المَظْلُومِينَ لَا تُخْطِئُ أَبَدًا، وَقَدْ قِيلَ: “نَامَتْ عُيُونُكَ وَالمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ.. يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ الله لم تنم
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (يَا عِبَادِي: لاَ تَظَالَمُوا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وإِنَّ مَجَالَاتِ الظُّلْمِ كَثِيرَةٌ، وَأَخْطَرُهَا: مَا يتَعَلَّقَ بِحُقُوقِ العِبَادِ، فَمَنْ أَكَلَ مَالَ يَتِيمٍ، أَوْ جَارَ فِي وَصِيَّةٍ، أَوْ حَرَمَ وَارِثًا مِنْ حَقِّهِ، أَوْ مَطَلَ أَجِيرًا حَقَّهُ بَعْدَ جُهْدِهِ، فَقَدْ أَعَدَّ لِنَفْسِهِ ظُلُمَاتٍ يَتَخَبَّطُ فِيهَا يَوْمَ العَرْضِ،
وَانْظُرُوا إِلَى خُطُورَةِ أَعْرَاضِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ تَقُولُهَا فِي عِرْضِ أَخِيكَ ظُلْمًا، قَدْ تَهْوِي بِكَ فِي مَنَازِلِ الظَّالِمِينَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا (تَعْنِي قَصِيرَةً)، فَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءٍ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» [أخرجه أبو داود].
وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَعْمَالٍ كَأَمْثَالِ الجِبَالِ، صَلَاةً وَصِيَامًا وَصَدَقَةً، ولَكِنَّهُ “المُفْلِسُ” الذِي حَذَّرَنَا مِنْهُ ﷺ؛ فَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، هَذِهِ هِيَ نِهَايَةُ الظُّلْمِ، وَهَذِهِ هِيَ الظُّلُمَاتُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تَنْتَظِرُ مَنْ لَمْ يَتُبْ وَيَرُدَّ المَظَالِمَ إِلَى أَهْلِهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]. وَفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ…»،
فإِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَلَكِنَّ تَوْبَةَ الظَّالِمِ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِأَدَاءِ الحُقُوقِ، فَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ مَالِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَوِيًّا فِي العِرْضِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِذَارِ وَطَلَبِ العَفْوِ، أَوْ الدُّعَاءِ لِلْمَظْلُومِ ، وَذِكْرِهِ بِالخَيْرِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي اغْتَبْتَهُ فِيهَا، فإِنَّ الدُّنْيَا هِيَ دَارُ التَّصَالُحِ، أَمَّا الآخِرَةُ فَهِيَ دَارُ القِصَاصِ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.
ألا فلنَتَفَقَّدْ أَنْفُسَنَا فِي عِلَاقَاتِنَا؛ هَلْ ظَلَمْنَا زَوْجَاتِنَا؟، هَلْ ظَلَمْنَا أَبْنَاءَنَا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ؟، هَلْ ظَلَمْنَا العُمَّالَ الَّذِينَ تَحْتَ أَيْدِينَا؟، فإِنَّ الكَيِّسَ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَأَبْرَأَ ذِمَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الحَكَمِ العَدْلِ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ قَدْ يَغْفِرُ مَا كَانَ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ لَا يَغْفِرُ مَا كَانَ بَيْنَ العِبَادِ حَتَّى يَتَصَالَحُوا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فاجْعَلُوا مِنْ هذا الحَدِيثِ زَاجِرًا لَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، فكُنْ مَظْلُومًا وَلَا تَكُنْ ظَالِمًا؛ فَإِنَّ المَظْلُومَ مَنْصُورٌ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، وَالظَّالِمَ مَخْذُولٌ وَلَوْ طَالَ المَدَى، فاللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ طَهِّرْ صَحَائِفَنَا مِنَ المَظَالِمِ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.
( الدعاء )
