خطبة عن ( من القواعد والسنن الربانية : الجزاء من جنس العمل )
سبتمبر 19, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
روى مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ «… يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
اليَوْمَ – إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ أَعْظَمِ حديث نبوي فِي “التَّوْحِيدِ العَمَلِيِّ”؛ فهو يَقْتَلِعُ مِنْ جُذُورِ النَّفْسِ كِبْرَهَا وَغُرُورَهَا، لِيَغْرِسَ مَكَانَهَا الذِّلَّةَ وَالِانْكِسَارَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ،
لَقَدْ نَادَانَا رَبُّنَا بِـ (يَا عِبَادِي) لِيُذَكِّرَنَا بِأَنَّنَا مِلْكٌ لَهُ، وَأَنَّ صِفَتَنَا الأَصِيلَةَ هِيَ الفَقْرُ الذَّاتِيُّ، وَصِفَتُهُ الأَصِيلَةَ هِيَ الغِنَى المُطْلَقُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15].
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِ المَوْلَى: يَا عِبَادِي «كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ»، فالإِنْسَانَ يُولَدُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَلَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِالعَقْلِ، ثُمَّ بِأَنْ نَوَّرَ بَصَائِرَنَا بِالوُحِي، لَكُنَّا أَرْذَلَ مِنَ الأَنْعَامِ سَبِيلًا،
فالهِدَايَةُ -يَا عِبَادَ اللهِ- لَيْسَتْ بِالذَّكَاءِ، وَلَا بِكَثْرَةِ القِرَاءَةِ، بَلْ هِيَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي القَلْبِ، فَإِذَا رَأَيْتَ نَفْسَكَ مُقْبِلًا عَلَى الطَّاعَةِ، مُدْبِرًا عَنِ المَعْصِيَةِ، فَلَا تَقُلْ (هَذَا مِنْ عِنْدِي)، بَلْ قُلْ (هَذَا مِنْ مَنِّ اللهِ عَلَيَّ).
ومن دعاء أهل الجنة: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) الأعراف:43، وقال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (83) النساء، لِذَلِكَ جَاءَ الأَمْرُ: «فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ». فاسْأَلُوا اللهَ الثَّبَاتَ، وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ فِي سُجُودِكُمْ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَكُمْ بَعْدَ إِذْ هَدَاكُمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ انْتَقَلَ الحَدِيثُ إِلَى حَاجَةِ الأَبْدَانِ بَعْدَ حَاجَةِ الأَرْوَاحِ: يَا عِبَادِي «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ »، يَا عِبَادِي «كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ».
فإِنَّ رَغِيفَ الخُبْزِ الذِي تَأْكُلُهُ، وَالثَّوْبَ الذِي يَسْتُرُ جَسَدَكَ، لَيْسَا مِنْ صَنْعَةِ يَدِكَ فِي الحَقِيقَةِ، بَلْ هُمَا رِزْقُ اللهِ سَاقَهُ إِلَيْكَ، فمَنْ أَنْبَتَ الزَّرْعَ؟، ومَنْ أَدَرَّ الضَّرْعَ؟، ومَنْ سَخَّرَ لَكَ السُّبُلَ لِتَكْسِبَ المَالَ؟، إِنَّهُ اللهُ، فَمَا أَقْبَحَ أَنْ يَتَقَلَّبَ العَبْدُ فِي نِعَمِ اللهِ، ثُمَّ يَنْسَى المُطْعِمَ وَالكَاسِيَ.
وطَلَبَ الرِّزْقِ مَقْرُونٌ بِالِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ. «فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ». فهَذَا يَعْنِي أَنَّ بَذْلَ الأَسْبَابِ، وَالسَّعْيَ فِي الأَرْضِ، لَا بُدَّ أَنْ يُصَاحِبَهُ قَلْبٌ مُعَلَّقٌ بِالسَّمَاءِ، فَلَا تَطْلُبِ الرِّزْقَ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا تَظُنَّ أَنَّ حِرْصَ حَرِيصٍ يَجْلِبُ رِزْقًا لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ، فلَقَدْ حَصَرَ اللهُ الخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَهُوَ الكَرِيمُ الذِي يَسْتَحْيِي أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ عَبْدِهِ صِفْرًا إِذَا رَفَعَهُمَا إِلَيْهِ، ففي سنن أبي داود: (عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وهَذَا الحَدِيث القُدْسِيَّ يَقْطَعُ حِبَالَ التَّعَلُّقِ بِالبَشَرِ، فَإِذَا كَانَ الخَلْقُ جَمِيعًا -مِنْ مَشْرِقِ الأَرْضِ إِلَى مَغْرِبِهَا- فُقَرَاءَ إلى الله، لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَكَيْفَ يُطْلَبُ الرِّزْقُ مِنْهُمْ؟، وَكَيْفَ نَخْشَى فَقْرًا وَالخَزَائِنُ مَلأَى عِنْدَ اللهِ؟!، فإِنَّ “الِاسْتِهْدَاءَ” وَ”الِاسْتِطْعَامَ” وَ”الِاسْتِكْسَاءَ” عُنْوَانُ الغِنَى الحَقِيقِيِّ؛ فَمَنْ كَانَ مَعَ اللهِ، كَانَ اللهُ مَعَهُ، وقَالَ اللهُ تَعَالَى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186].
ألا فلِنَجْعَلْ هَذِهِ الكَلِمَاتِ نِبْرَاسًا لَنَا فِي أَزَمَاتِنَا وَحَيَاتِنَا، فإِذَا ضَاقَ بِكَ الرِّزْقُ، فَقُلْ: (يَا رَبِّ ارْزُقْنِي)، وَإِذَا حَارَ عَقْلُكَ فِي أَمْرٍ، فَقُلْ: (يَا رَبِّ اهْدِنِي)، ولَا تَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ فِي السُّؤَالِ، ففي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ»، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ تَنَالُهُ فِي دِينِكَ أَوْ دُنْيَاكَ، هُوَ مَحْضُ جُودٍ مِنَ اللهِ عَلَيْكَ، فَأَدِّ حَقَّ الشُّكْرِ لِيَزِيدَكَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53].
وَفِي تَتِمَّةِ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ العَظِيمِ المتقدم، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا
ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» [أخرجه مسلم].
فهذا الحديث القدسي يَمْلأُ القُلُوبَ أَمَلًا، وَيَفْتَحُ لِلْعُصَاةِ بَابَ الأَوْبَةِ، فلَقَدْ قَرَّرَ اللهُ فيه حَقِيقَةً بَشَرِيَّةً لَا مَفَرَّ مِنْهَا، وَهِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى النَّقْصِ وَالتَّقْصِيرِ؛ «تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ». وَلَكِنَّ العَجَبَ لَيْسَ فِي خَطَئِنَا، بَلِ العَجَبُ فِي صَبْرِ اللهِ عَلَيْنَا، وَسَعَةِ مَغْفِرَتِهِ لَنَا، فَكُلَّمَا أَظْلَمَتِ النَّفْسُ بِالذَّنْبِ، فُتِحَ لَهَا نُورُ الِاسْتِغْفَارِ، فَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ، وَلَا يَبْتَعِدُ عَنْ رَحْمَتِهِ إِلَّا مَنْ أَبَى،
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى لاَ أَدْرِى أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ «اعْمَلْ مَا شِئْتَ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: «فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». ففي هَذَا أَمْرٌ بِمُدَاوَمَةِ الطَّلَبِ، فَالِاسْتِغْفَارُ لَيْسَ كَلِمَةً تَقُولُهَا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ انْكِسَارٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَإِقْرَارٌ بِالخَطَإِ، وَعَزْمٌ عَلَى عَدَمِ العَوْدَةِ، وإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ففي صحيح مسلم: (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». فَلَا تَيْأَسْ مِنْ نَفْسِكَ مَهْمَا تَكَرَّرَ ذَنْبُكَ، فَإِنَّ لَكَ رَبًّا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ النِّدَاءُ إِلَى تَقْرِيرِ أَعْظَمِ قَاعِدَةٍ فِي صِفَاتِ الجَلَالِ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي». وهُنَا يَتَجَلَّى كَمَالُ الغِنَى الإِلَهِيِّ، فإِنَّ طَاعَةَ الطَّائِعِينَ لَا تَزِيدُ فِي مُلْكِ اللهِ شَيْئًا، وَمَعْصِيَةَ العَاصِينَ لَا تَنْقُصُ مِنْ سُلْطَانِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، فنَحْنُ الذِينَ نَنْتَفِعُ بِالطَّاعَةِ ،وَنَحْنُ الذِينَ نَتَضَرَّرُ بِالمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أَمَرَنَا اللهُ بِأَمْرٍ فَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ رَحِيمٌ بِنَا، لَا لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْنَا، فمَا أَعْظَمَ هَذَا المَلِكَ!، يُعْصَى فَيَغْفِرُ، وَيُطَاعُ فَيَشْكُرُ، ويُنَادِينَا بِـ (يَا عِبَادِي) لِيُؤَنِّسَ وَحْشَتَنَا، وَيُخْبِرَنَا أَنَّ كُلَّ جُهْدِنَا فِي العِبَادَةِ هُوَ لِصَالِحِنَا نَحْنُ، وهَذَا اليَقِينُ يَجْعَلُ المُسْلِمَ يَعْبُدُ اللهَ بِحُبٍّ وَإِجْلَالٍ، لَا بِخَوْفِ المُكْرَهِ، فَاعْرِفُوا قَدْرَ رَبِّكُمْ، وَقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ سَجْدَةٍ تَسْجُدُونَهَا هِيَ رِفْعَةٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
ويَخْتِمُ رَبُّنَا هَذَا المَشْهَدَ في الحديث القدسي بِقَوْلِهِ: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا».
فتَخَيَّلُوا البَشَرِيَّةَ كُلَّهَا، مُنْذُ آدَمَ إِلَى آخِرِ رَجُلٍ، وَمَعَهُمُ الجِنُّ، كُلُّهُمْ بِقَلْبِ أَتْقَى رَجُلٍ (وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ)، لَمْ يُضِفْ ذَلِكَ لِلَّهِ مَجْدًا جَدِيدًا، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَامِلٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، فهَذِهِ الحَقِيقَةَ تَدْعُونَا لِلتَّوَاضُعِ، فلَا تَمُنَّ عَلَى اللهِ بِإِيمَانِكَ، وَلَا تَرَى لِنَفْسِكَ فَضْلًا عَلَى الخَلْقِ بِعِبَادَتِكَ، بَلِ اشْكُرِ اللهَ أَنْ قَبِلَكَ فِي صَفِّ العَابِدِينَ، فإِنَّنَا فُقَرَاءُ إِلَى مَغْفِرَتِهِ، ومَسَاكِينُ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، فَلْنُكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، وَلْنُطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ العُجْبِ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّنَا بِلَا رَحْمَةِ اللهِ ضَائِعُونَ. فاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجِلَّهَا، أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، عَلَانِيَتَهَا وَسِرَّهَا،
( الدعاء )
