خطبة عن (أَنْتَ مُبْتَلًى)
أكتوبر 28, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
في الصحيحين واللفظ للبخاري: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ – رضي الله عنه – فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً أَوْ رِجَالاً إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِى عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ).
إخوة الإسلام
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ الغَرَّاءَ، أَقَامَتْ صَرْحَهَا الشَّامِخَ عَلَى إِرْسَاءِ العَدْلِ المُطْلَقِ، وَحِمَايَةِ الحُقُوقِ، وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ بِجَمِيعِ صُوَرِهِ وَأَشْكَالِهِ، وَجَعَلَتْ حِفْظَ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ وَالأَعْرَاضِ، سِيَاجًا مَنِيعًا، وَخَطًّ أَحْمَرَ، لاَ يَجُوزُ لاِمْرِئٍ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ يَمَسَّهُ بِسُوءٍ.
بَلْ إِنَّ المَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ العَلِيَّةِ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَحَذَّرَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَعَامَّةَ خَلْقِهِ مِنْ عِقَابِهِ العَاجِلِ فِي الدُّنْيَا وَالآجِلِ فِي الآخِرَةِ،
ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ « يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا..).
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ الحَيَّةُ، وَتُوقِظُ الأَفْئِدَةَ الغَافِلَةَ، وَتَزْجُرُ الظَّالِمِينَ وَالمُفْتَرِينَ، مَهْمَا بَلَغُوا مِنَ القُوَّةِ وَالنُّفُوذِ: ذَلِكِ الحَدِيثُ العَجِيبُ الَّذِي روي فِي قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).
فتَأَمَّلُوا مشهدا مِنْ مَشَاهِدِ الحَقِّ وَالعَدْلِ، وَالِانْتِصَارِ لِلْمَظْلُومِ؛ فحِينَمَا تَجَرَّأَ بَعْضُ أَهْلِ الكُوفَةِ عَلَى هَذَا الصَّحَابِيِّ الجَسُورِ – وَهُوَ الفَارِسُ المُجَاهِدُ الخَالِدُ، وَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَحَدُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ، وَفَاتِحُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ الفَارِسِيَّةِ فِي مَعْرَكَةِ القَادِسِيَّةِ الخَالِدَةِ- فَشَكَوْهُ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَتَعَمَّدُوا الاِفْتِرَاءَ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَلَمْ يَتَنَاهَوْا عَنْ بَغْيِهِمْ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ البُهْتَانُ أَنْ شَكَوْهُ فِي صَلاَتِهِ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي.
فتَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ المَشَاهِدِ المَلِيئَةِ بِالعِبَرِ، وانْظُرُوا إِلَى حِلْمِ الصَّحَابَةِ، وَإِلَى حَزْمِ الفَارُوقِ عُمَرَ فِي تَحَقُّقِ العَدْلِ المُؤَسَّسِيِّ، الَّذِي لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ رَعِيَّةٍ وَوَالٍ.
فَلَمَّا بَعَثَ عُمَرُ التَّحَرِّيَ وَسَأَلَ فِي المَسَاجِدِ، بَرَّأَ النَّاسُ سَعْدًا، حَتَّى قَامَ هَذَا الرَّجُلُ المُدَّعِي، فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْسٍ، بَيْنَ مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ، فَافْتَرَى عَلَى سَعْدٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ثَلاَثَ خِلاَلٍ قَاصِمَةٍ: اتَّهَمَهُ فِي جِهَادِهِ «لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ»، وَاتَّهَمَهُ فِي أَمَانَتِهِ المَالِيَّةِ «لاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ»، وَاتَّهَمَهُ فِي قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ «لاَ يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ».
فأرسَلَ إليه عُمرُ بنُ الخَطَّابِ (رَضيَ اللهُ عنه) يَسألُه عن شِكايتِهم، فكنَّاه قائلًا: يا أبا إسْحاقَ – وهي كُنْيةُ سعدٍ- إنَّ هؤلاء يَزعُمون أنَّك لا تُجيدُ الصَّلاةَ على الوجهِ الأكمَلِ، فقال: أَمَّا أنا واللهِ، فإنِّي كنتُ أُصَلِّي بهم صَلاةَ رَسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) لا أَنقُصُ منها شَيئًا؛ أُصَلِّي صَلاةَ العِشاءِ فأُطيلُ القِراءةَ في الأُولَيَيْنِ؛ لأنَّه يَقرأُ بعْدَ الفاتحةِ سورةً أو ما تيسَّرَ مِن القُرآنِ، وأُخَفِّفُ القِراءةَ في الرَّكعتَينِ الأُخْرَيَيْنِ فلا يَقرأُ بعْدَ الفاتحةِ شَيئًا.
فقال له عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: لَقَد أَصَبتَ السُّنَّةَ فيما فَعَلْتَ، وصَلَّيْتَ مِثلَ صَلاةِ النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ)، وهذا ما نَظُنُّه فيك.
فَلَمَّا اسْتَمَعَ سَعْدٌ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إِلَى هَذَا التَّشْوِيهِ المُتَعَمَّدِ، وَالبُهْتَانِ العَظِيمِ، الَّذِي طَالَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ وَجِهَادَهُ، لَمْ يَلْجَأْ إِلَى السِّلاَحِ، أَوْ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ، وَلَمْ يُجَادِلْ بِالبَاطِلِ، بَلْ اتَّجَهَ فَوْرًا إِلَى القَادِرِ الجَبَّارِ، السَّمِيعِ البَصِيرِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، الَّتِي لاَ يُحْجَبُ عَنْهَا نِدَاءُ المَظْلُومِ، وَدَعَا عَلَيْهِ، مَقْرُونَةً بِشَرْطِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً..فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ)
فَاسْتَجَابَ الله القَيُّومُ دَعْوَتَهُ، وَحَقَّقَ فِيهِ التَّهْلِكَاتِ الثَّلاَثَ بِكَمَالِهَا:
فأَطَالَ اللَّهُ عُمْرَهُ حَتَّى سَقَطَتْ حَوَاجِبُهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ وَالتَّرَهُّلِ.
وَأَطَالَ فَقْرَهُ حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَسْبَابُ وَصَارَ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ فِي الطُّرُقَاتِ يُسْمِعُهُمُ الحَاجَةَ.
وَتَرْكِهِ عُرْضَةً لِلْفِتَنِ؛ حَتَّى صَارَ وَهُوَ فِي تِلْكَ الحَالِ البَائِسَةِ يَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي السِّكَكِ
وَيَغْمِزُهُنَّ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا لَكَ يَا شَيْخُ؟!، فَيَقُولُ بِلِسَانِ الأَسَى وَالعَبْرَةِ الَّتِي أَنْضَجَتْهَا العُقُوبَةُ:
«شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ!».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ فِي هَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ لَدَلاَلاَتٍ بَالِغَةً فِي كَشْفِ “مَنْزِلَةِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ”؛ وأَنَّهُ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، كما فِي صَحِيحِ السِّيرَةِ فَقَالَ:
«اللَّهُمَّ سَدِّدْ سَهْمَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ».
كَمَا تُؤَكِّدُ القِصَّةُ خَطَرَ التُّهْمَةِ بِلَا دَلِيلٍ، وَجُرْمَ الكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مَنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي نُصُوصِ الوَحْيَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، يَجِدُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ “دَعْوَةَ المَظْلُومِ ” سَهْمًا صَائِبًا، لاَ يُخْطِئُ مَرْمَاهُ، وَنَارًا تُحْرِقُ سِتْرَ الظَّالِمِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ تَحْمِلُهَا المَلاَئِكَةُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ لَهَا الـرَّبُّ الجَلِيلُ فِي علْيَائِهِ: «وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ لَهُ: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ يُحَذِّرُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى أَعْلَمَ الأُمَّةِ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ -مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ- مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، فَكَيْفَ بِمَنْ دُونَهُ مِنَ النَّاسِ، الَّذِينَ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ؟!
فَيَا مَنْ تَظْلِمُونَ العِبَادَ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَحُقُوقِهِمْ، أَوْ تَأْكُلُونَ أُجُورَ العُمَّالِ، وَالضُّعَفَاءِ، أَوْ تَبْتَزُّونَ اليَتَامَى وَالأَرَامِلَ، أَوْ تَطْعَنُونَ فِي أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ بِالتُّهَمِ البَاطِلَةِ وَالشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةِ، أَوْ تُسِيئُونَ اسْتِغْلاَلَ المَنَاصِبِ وَالنُّفُوذِ: اتَّقُوا حِلْمَ اللَّهِ وَإِمْهَالَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:102].
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ».
وتَأَمَّلُوا أثَرَ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ وَمَعْرِفَةِ هَذِهِ العُقُوبَةِ الرَّادِعَةِ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ:
فإِذَا اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، الخَوْفُ الشَّدِيدُ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ طَعْنِ أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَأَمْسَكَ يَدَهُ عَنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ، وَعَافَى نَفْسَهُ مِنَ الاِدِّعَاءِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ ،وَسَارَعَ إِلَى التَّوْبَةِ وَرَدِّ المَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ.
وَإِذَا سَادَتْ هَذِهِ الثَّقَافَةُ العَدْلِيَّةُ المهَابَةُ فِي جَسَدِ المُجْتَمَعِ، انْمَحَتِ الضَّغَائِنُ وَالأَحْقَادُ، وَتَلاَشَى البُهْتَانُ، وَأُمِنَتِ الأَعْرَاضُ وَالأَمْوَالُ، وَعَمَّ الأَمْنُ وَالمَوَدَّةُ، وَعَاشَ النَّاسُ إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ فِي ظِلِّ عَدْلِ الإِسْلاَمِ وَسِيَاجِهِ الحَاصِنِ المَتِينِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَبَرِّئُوا ذِمَمَكُمْ مِنْ ظُلْمِ العِبَادِ، وَارْضَوْا بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ مِمَّا اقْتَرَفْتُمُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، لِتَفُوزُوا بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاء
