خطبة عن (التَّسْبِيحُ) (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
أكتوبر 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الدِّين عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران:19]. وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) المائدة:3، وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إن المتدبر لقوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) المائدة:3، فمعنى “الإِسْلَامِ” الذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ دِيناً لِخَلْقِهِ هُوَ: (الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ).
فهَذَا الدِّينُ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِسَابٍ بِالهُوِيَّةِ، بَلْ هُوَ عَهْدٌ غَلِيظٌ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ،
ولَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الأَنْبِيَاءَ جَمِيعاً بِأَصْلِ الإِسْلَامِ، فَكُلُّهُمْ دَعَوْا إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ، ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ الشَّرَائِعَ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَأَصْبَحَ الإِسْلَامُ هُوَ السَّبِيلَ الوَحِيدَ لِلنَّجَاةِ،
فمَنْ أَرَادَ الفَلَاحَ، فَلْيَلْزَمْ هَذَا الصِّرَاطَ؛ فَإِنَّ كُلَّ دِينٍ سِوَاهُ مَرْدُودٌ، وَكُلَّ مَنْهَجٍ غَيْرَهُ مَهْجُورٌ، قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران:85،
واعلموا أنَّ اعْتِزَازَ المُسْلِمِ بِدِينِهِ هُوَ رَأْسُ مَالِهِ، وَهُوَ النُّورُ الذِي يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي شُمُولِيَّةِ هَذَا الدِّينِ الاسلامي: فَهُوَ لَمْ يَتْرُكْ شَأْناً مِنْ شُؤُونِ الحَيَاةِ، إِلَّا وَنَظَّمَهُ بِالحِكْمَةِ وَالعَدْلِ، فالإِسْلَامُ عَقِيدَةٌ طَاهِرَةٌ، وَشَرِيعَةٌ عَادِلَةٌ، وَأَخْلَاقٌ سَامِيَةٌ،
وحِينَ نَقُولُ “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ“، فَنَحْنُ نُؤَكِّدُ أَنَّه: لَا سَعَادَةَ لِلْبَشَرِيَّةِ، إِلَّا بِتَحْكِيمِ شَرْعِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمُجْتَمَعَاتِهِمْ، فهَذَا الدِّينُ حَفِظَ الدِّمَاءَ، وَالأَمْوَالَ، وَالأَعْرَاضَ، وَالعُقُولَ، ومَنْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقَى فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالنَّجَاةِ، قال تعالى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (22) لقمان، وَمَنْ ابَتغَى غَيْرَهُ، ابْتِغَاءَ رِضَا النَّاسِ، أَوْ مُجَارَاةً لِلْأَهْوَاءِ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً، فالتَّمَسُّكُ بِالإِسْلَامِ فِي زَمَنِ الشُّبُهَاتِ هُوَ الجِهَادُ الحَقِيقِيُّ، وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ هُوَ الكَرَامَةُ الكُبْرَى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومِمَّا يُؤْسفُ لَهُ، أَنْ نَرَى بَعْضَ أَبْنَاءِ الجِلْدَةِ يَنْهَزِمُونَ نَفْسِيّاً أَمَامَ المَنَاهِجِ الغَرْبِيَّةِ، أَوْ الأَفْكَارِ المُنْحَرِفَةِ، نَاسِينَ أَنَّ عِزَّهُمْ فِي إِسْلَامِهِمْ، فقد قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا العِزَّةَ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ”.
فالإِسْلَامُ يُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ قَوِيّاً بِإِيمَانِكَ، مُعْتَزّاً بِقِيَمِكَ، لَا ذَيْلاً لِكُلِّ نَاعِقٍ، فإِنَّ مَحَاسِنَ هَذَا الدِّينِ تَبْهَرُ العُقُولَ المُنْصِفَةَ: فَمُسَاوَاتُهُ بَيْنَ الخَلْقِ، وَرَحْمَتُهُ بِالضُّعَفَاءِ، وَعَدْلُهُ مَعَ الأَعْدَاءِ، كُلُّهَا شَوَاهِدُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، فَهَلْ نَحْنُ نُمَثِّلُ هَذَا الدِّينَ تَمْثِيلاً صَحِيحاً بِأَفْعَالِنَا قَبْلَ أَقْوَالِنَا؟.
واعلموا أنَّ الحِفَاظَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، يَتَطَلَّبُ تَعَلُّمَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِنعْبدَ اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ، فالإِسْلَامُ لَيْسَ جُهوداً عَاطِفِيَّةً، بَلْ هُوَ بِنَاءٌ عِلْمِيٌّ وَعَمَلِيٌّ، ومَنْ عَرَفَ قَدْرَ هَذَا الدِّينِ، بَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ لِخِدْمَتِهِ، فقد كَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ يَرَوْنَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ الإِسْلَامِ حَيَاةً، وَنَحْنُ مَطْلُوبٌ مِنَّا اليَوْمَ أَنْ نَحْيَا بِالإِسْلَامِ حَيَاةً طَيِّبَةً، نَنْشُرُ بَرَّهُ، وَنَكُفُّ شَرَّ الغُلُوِّ وَالجَفَاءِ عَنْهُ، لِنَجْعَلْ مِنْ كُلِّ جُمْعَةٍ مَحَطَّةً لِتَجْدِيدِ الوَلَاءِ لِهَذَا الدِّينِ العَظِيمِ، وَتَعَاهُدِ القُلُوبِ عَلَى الثَّبَاتِ حَتَّى المَمَاتِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”،
فأَثَر انْتِمَائِنَا لِلْإِسْلَامِ يَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ فِي أَمْنِ النَّاسِ مِنْ بَائِقَتِنَا وشرورنا، فالمُسْلِمُ لَيْسَ غَدَّاراً، وَلَا كَذَّاباً، وَلَا ظَالِماً، لأنَّ الدِّينَ الذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لَنَا هُوَ دِينُ السَّلَامِ وَالبِنَاءِ،
فحِينَ نُطَبِّقُ الإِسْلَامَ فِي بِيُوتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، فَنَحْنُ نَدْعُو إِلَيْهِ بِصَمْتٍ، ولَا يَكْفِي أَنْ نَفْتَخِرَ بِتَارِيخِنَا، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَصْنَعَ حَاضِرَنَا بِأَخْلَاقِ الإِسْلَامِ، فالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِإِسْلَامٍ حَقِيقِيٍّ هُوَ المَخْرَجُ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَهُوَ الحِصْنُ مِنْ كُلِّ ضَلَالَةٍ.
وِعلينا أن نَسْأَل اللَّهَ الثَّبَاتَ عَلَى هَذَا الدِّينِ؛ فَالقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، ففي سنن الترمذي: (قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قُلْتُ لأُمِّ سَلَمَةَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا كَانَ عِنْدَكِ قَالَتْ كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لأَكْثَرِ دُعَائِكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ قَالَ «يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ». فَتَلاَ مُعَاذٌ: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) آل عمران (8).
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
يقول اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]. وَفي الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ”،
فهَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ هِيَ فَيْصَلُ القَضَاءِ فِي مَصِيرِ البَشَرِيَّةِ؛ فَقَدْ حَصَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ القَبُولَ وَالنَّجَاةَ فِي اتِّبَاعِ دِينِ الإِسْلَامِ، الذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ،
فـ “الابْتِغَاءُ” هُوَ الطَّلَبُ بِرَغْبَةٍ؛ فَمَنْ طَلَبَ الهُدَى فِي غَيْرِ الوَحْيِ، أَوْ رَجَا الفَلَاحَ فِي مَنَاهِجَ وَتَشْرِيعَاتٍ تُخَالِفُ شَرْعَ اللهِ، فَقَدْ سَلَكَ طَرِيقاً مَسْدُوداً، واللهُ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، فلَا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصاً لِوَجْهِهِ، صَوَاباً عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ،
وإِنَّ العُدُولَ عَنِ الإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النِّحَلِ وَالأَفْكَارِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اخْتِيَارٍ ثَقَافِيٍّ، بَلْ هُوَ خَسَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ لِلرُّوحِ وَالمُسْتَقْبَلِ، فالإِسْلَامُ هُوَ السَّفِينَةُ الوَحِيدَةُ فِي بَحْرِ الظُّلُمَاتِ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْهَا غَرِقَ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا نَجَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومَعْنَى قوله تعالى: “فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ”: تَنْطَبِقُ أَيْضاً عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْلِطَ الإِسْلَامَ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَالذِي يَبْتَغِي دِيناً مُحَرَّفاً، أَوْ يُدْخِلُ فِي الدِّينِ بِدَعاً وَأَهْوَاءً، فَقَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ غَيْرِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ، فالدِّينُ قَدْ كَمُلَ، وَالنِّعْمَةُ قَدْ تَمَّتْ، قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]. فَمَنْ بَحَثَ عَنْ “زِيَادَةٍ” أَوْ “تَعْدِيلٍ” فَقَدِ اتَّهَمَ الشَّرِيعَةَ بِالنَّقْصِ.
وإِنَّ العِزَّةَ كُلَّ العِزَّةِ فِي الاسْتِقْلَالِ بِهَوِيَّتِنَا الإِسْلَامِيَّةِ، فَلَا نَتَشَبَّهُ بِغَيْرِنَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَلَا فِي شَعَائِرِهِمْ، لِأَنَّنَا نَمْلِكُ المَنْهَجَ الرَّبَّانِيَّ، الذِي لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،
فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ الذَّوَبَانِ فِي مَنَاهِجِ الغَيْرِ، ابْتِغَاءَ رِضَاهُمْ؛ فَلَنْ يَرْضَوْا عَنْكَ، حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (120) البقرة.
وتَأَمَّلُوا فِي وَصْفِ اللهِ لِمَنْ يَبْتَغِي غَيْرَ الإِسْلَامِ دينا، بِأَنَّهُ “مِنَ الخَاسِرِينَ”، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].
فالخَسَارَةُ هُنَا شَامِلَةٌ؛ خَسَارَةُ الدُّنْيَا: بِضَيَاعِ الغَايَةِ، وَالتَّخَبُّطِ فِي المَادِيَّاتِ، وَخَسَارَةُ الآخِرَةِ: بِالحِرْمَانِ مِنَ الجَنَّةِ،
ومَنْ آثَرَ القَوَانِينَ البَشَرِيَّةَ المُنْحَرِفَةَ عَلَى أَحْكَامِ اللهِ العَادِلَةِ، فَقَدْ بَاعَ اليَقِينَ بِالشَّكِّ، فالإِسْلَامُ يُعْطِيكَ السَّكِينَةَ فِي المِحْنَةِ، وَالعَدْلَ فِي القُوَّةِ، وَالأَمَلَ فِي المَوْتِ؛ فَمَاذَا يُعْطِيكَ غَيْرُهُ؟ إِنَّ الغُرُورَ بِالحَضَارَةِ المَادِيَّةِ، الذِي يَدْفَعُ بَعْضَ النَّاسِ لِلتَّهَاوُنِ بِثَوَابِتِ الدِّينِ، هُوَ قِمَّةُ الخَسَارَةِ ،فلِنَعُدْ إِلَى أَصَالَتِنَا، وَلْنَعْتَزَّ بِقُرْآنِنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لَا يَبْدَأُ بِـ “أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” فَهُوَ طَرِيقٌ مَقْطُوعٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الاسْتِمْسَاكَ بِالإِسْلَامِ يَعْنِي: أَنْ يَكُونَ هُوَ المَرْجِعَ فِي كُلِّ نِزَاعٍ، وَالنُّورَ فِي كُلِّ ظُلْمَةٍ،
قال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) المائدة:49،
وقال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) النساء:65،
فحِينَ نَبْتَغِي غَيْرَ الإِسْلَامِ فِي تَعَامُلَاتِنَا المَالِيَّةِ، فَنَأْكُلُ الرِّبَا، أَوْ فِي أَخْلَاقِنَا، فَنَتَّبِعُ سَفَاسِفَ الأُمُورِ، فَنَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنْ هَذِهِ الخَسَارَةِ،
فلِنُحَقِّقْ مَعْنَى “الإِسْلَامِ” عَمَلاً وَاعْتِقَاداً، وكُلَّمَا ازْدَادَ العَالَمُ شَتَاتاً، ازْدَادَتْ حَاجَتُهُ لِهَذَا الدِّينِ، فَلَا تَنْهَزِمُوا نَفْسِيّاً، وَاعْلَمُوا أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فالإِسْلَامُ دِينُ الفِطْرَةِ، وَكُلُّ مَا خَالَفَهُ فَهُوَ مُصَادِمٌ لِلْعَقْلِ الصَّحِيحِ، وَالفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ ،قال تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (43) الزخرف،
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:83].
وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي”،
فدِين الإِسْلَامِ هُوَ العِصْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ، مِنَ التَّمَزُّقِ النَّفْسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ، وحِينَ نَبْتَغِي غَيْرَهُ، نَقَعُ فِي فَخِّ الحَيْرَةِ، فكُلُّ مَا فِي الكَوْنِ مُسْلِمٌ لِلهِ بِقَدَرِهِ، فَكُنْ أَنْتَ مُسْلِماً لَهُ بِشَرْعِهِ، فلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالإِخْلَاصِ لِلمَعْبُودِ، وَالمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، ومَنْ ابْتَغَى العِزَّ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ ذَلَّ، وَمَنْ طَلَبَ الغِنَى فِي غَيْرِ مَا شَرَعَ اللهُ افْتَقَرَ.
ألا فلِنَغْرِسْ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ أَنَّ الإِسْلَامَ لَيْسَ عِبْأً، بَلْ هُوَ تَاجٌ وَشَرَفٌ، وأنَّ القَبُولَ عِنْدَ اللهِ مَرْهُونٌ بِصِدْقِ الِانْتِمَاءِ لِهَذَا الدِّينِ، قَوْلاً وَفِعْلاً.
ألا فتَعَاهَدُوا إِيمَانَكُمْ، وَجَدِّدُوا إِسْلَامَكُمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاهُ.
( الدعاء )
