خطبة عن (سَعْيُ البَشَرِ شَتَّى)
سبتمبر 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (بيت المقدس والمسجد الأقصى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء:1].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إنَّ الحديث عن (بيت المقدس والمسجد الأقصى) ليس حديثاً عن بقعة جغرافية، أو نزاعٍ سياسي، بل هو حديثٌ عن “جزءٍ من قرآننا”، وعمقِ عقيدتنا.
فالمسجد الأقصى هو ثاني مسجدٍ وُضع في الأرض، بعد المسجد الحرام، وهو قبلة المسلمين الأولى، التي صلى إليها النبي ﷺ وأصحابه ستة عشر شهراً، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فَنَزَلَتْ بَعْدَ مَا صَلَّى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَحَدَّثَهُمْ فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ).
وَلَعَلَّ فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا، ثُمَّ تَحْوِيلِهِ إِلَىٰ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَىٰ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مِنَ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُدَنَّسَ بِرِجْسِ الْوَثَنِيَّةِ، أَوِ الْمَعَاصِي السَّيِّئَةِ، وَلِتَبْقَى الْقُدْسُ خَالِدَةً فِي أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّىٰ لَا تُنْسَىٰ مَا بَقِيَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَمَا بَقِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَامِرَةً بِالْإِيمَانِ، وَلِيَبْقَىٰ هَٰذَا الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.
وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَىٰ هُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَإِلَى الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ – صلى الله عليه وسلم – وَمَسْجِدِ الأَقْصَى».
والمتدبر لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:1]،
قال بعض علماء التفسير: فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضائل إلاّ هذه الآية، لكانت كافية، ولجميع البركات وافية، وكيف لا، وهو محل الآيات، ومنزل البركات، ومجمع الأرواح الطاهرات، فقد قال تعالى في شأن إبراهيم ولوط (عليهما الصلاة والسلام): ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء:71،
وممّا يدلّ على فضل بيت المقدس، والمسجد الأقصى، من السُنّة المطهرة: ما جاء في الصحيحين: (أن أَبَا ذَرٍّ – رضي الله عنه – قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ قَالَ «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى». قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ».
وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ «أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلاَةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ». قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ قَالَ «فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي بيت المقدس جمَع الله تعالى لِنَبيِّنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الأنبياءَ عامّة، وأنبياءَ بني إسرائيلَ خاصّة؛ حتى يُسلِّموا له بالنبوّة، وفاءً لما عاهدوا الله تعالى عليه، كما أشار إلى ذلك قولُه سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (81)، (82) آل عمران.
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ – وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ – قَالَ فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ – قَالَ – فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ – قَالَ – ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ).
والرسول -صلى الله عليه وسلم- (صلى بالأنبياء كلهم) ليلة الإسراء، كما جاء في حديث الإسراء الطويل، وفيه: (ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) رواه الطبراني والضياء المقدسي في المختارة.
وفي مسند الإمام أحمد وغيره: (فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الأَقْصَى، قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ تَعَالَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَأَقَامُوا فِيهِ الصَّلَاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَثَبَتَ دِينُ اللَّهِ تَعَالَىٰ فِي الْأَرْضِ، وَمَا زَالَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَىٰ كَذَٰلِكَ، وَإِنْ قَامَ الطُّغْيَانُ فِيهِ وَصَالَ وَجَالَ رَدْحًا مِنَ الزَّمَنِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ زَائِلٌ، فَبَيْتُ الْمَقْدِسِ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَىٰ اسْمٌ سَجَّلَهُ الْإِسْلَامُ، فِي صَفْحَةٍ مُشْرِقَةٍ مِنْ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ، وَهُوَ رَمْزٌ لِلطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ، وَلِنَشْرِ سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ وَالْوِئَامِ، تَهْفُو إِلَيْهِ الْقُلُوبُ.
فَيَجِبُ أَنْ تَظَلَّ قَضِيَّةُ (بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى) حَيَّةً فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَا يُقْبَلُ التَّنَازُلُ وَالتَّغَاضِي عَنْهَا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ.
فَمِنْ عِظَمِ هَٰذِهِ الْبُقْعَةِ: أَنْ جَعَلَهَا اللَّهُ الْمِقْيَاسَ الَّذِي يُبَيِّنُ دَرَجَةَ إِيمَانِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَعِنْدَمَا يَبْتَعِدُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَتْرُكُوا مَنْهَجَهُمْ، يُؤْخَذُ مِنْهُمْ هَٰذَا الْمَسْجِدُ عِقَابًا لَهُمْ، وَعِنْدَمَا يَعُودُوا إِلَى اللَّهِ، وَإِلَىٰ مَنْهَجِهِمْ، يَعُودُ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَىٰ.
وَعَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ النَّصْرَ قَرِيبٌ، وَهُوَ مُحَقَّقٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَنَحْنُ نُدَافِعُ عَنْ حَقٍّ،
وَالْمُحْتَلُّونَ يُدَافِعُونَ عَنْ بَاطِلٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ».
وفي رواية له: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. إِلاَّ الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ».
وهذه الأحاديث تدل على أن الأرض ستتنكر لهم، وتضيق بهم، وأن الرأي العام العالمي سينقلب ضدهم، وهذا من أعظم المبشرات، قال تعالى: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» {الروم4: 5}.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (بيت المقدس والمسجد الأقصى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ الْقُدْسَ فِي مِحْنَتِهَا تُنَادِينَا، فَمَاذَا نَحْنُ فَاعِلُونَ؟ فَنَقُولُ:
أَوَّلًا: إِحْيَاءُ الْقَضِيَّةِ فِي الْقُلُوبِ: فَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنَّ الْقُدْسَ عَقِيدَةٌ، وَأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُمْ، بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وَمِيثَاقٍ، فَلَا تَتْرُكُوهَا تُنْسَىٰ وَسْطَ زِحَامِ الْحَيَاةِ، فَالْأُمَّةُ الَّتِي تَنْسَىٰ مُقَدَّسَاتِهَا تَفْقَدُ هُوِيَّتَهَا.
ثَانِيًا: النَّصْرَةُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ: فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْأَقْصَىٰ يَبْدَأُ مِنْ صَلَاحِ أَنْفُسِنَا، قَالَ (صَلَاحُ الدِّينِ الْأَيُّوبِيُّ) حِينَ سُئِلَ عَنْ سِرِّ النَّصْرِ: “كُنْتُ أُعِدُّ جِيلًا يَرْكَعُ لِلَّهِ فِي الْمَحَارِيبِ، قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْخُيُولَ فِي الْمَيَادِينِ”، فَنُصْرَةُ الْقُدْسِ تَبْدَأُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْ إِتْقَانِ الْعَمَلِ، وَمِنْ وَحْدَةِ الصَّفِّ.
ثَالِثًا: الدُّعَاءُ وَبَذْلُ الْوُسْعِ: فَلَا تَسْتَصْغِرُوا الدُّعَاءَ، وَلَا تَبْخَلُوا بِالدَّعْمِ، بِكُلِّ صُوَرِهِ الْمُمْكِنَةِ، فَكُلُّ جُهْدٍ يُبْذَلُ لِإِبْقَاءِ شُعْلَةِ الْقَضِيَّةِ مُتَّقِدَةً، هُوَ سَهْمٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رَابِعًا: الرِّبَاطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200].
وَفي الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [متفق عليه].
فالرباطُ: هو حبسُ النفس على طاعة الله، وحماية ثغور المسلمين، وهو ليس مجرد وقوفٍ خلف السلاح، بل هو “حالةٌ قلبيّة” من اليقظة الدائمة، والتمسك بالأرض، رغم العواصف، واليقين بأنَّ الحارس لبيضة الإسلام هو في الحقيقة في “خلوةٍ مع الله”.
فالمرابط: هو العين التي لا تمسها النار؛ قَالَ ﷺ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رواه الترمذي،
فَلَوْلَا هَٰؤُلَاءِ الْمُرَابِطُونَ فِي أَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي كُلِّ ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، لَاسْتَبَاحَ الْعَدُوُّ الْحُرُمَاتِ وَنَهَبَ الْمُقَدَّسَاتِ.
وَلَيْسَ الْمُرَابِطُ مَنْ يَمْلِكُ الْقُوَّةَ فَحَسْبُ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ “الْإِرَادَةَ”، فَالْمُرَابِطُونَ فِي فِلَسْطِينَ وَالْقُدْسِ، يَضْرِبُونَ لِلْعَالَمِ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ؛ فهم مُتَمَسِّكُونَ بِبُيُوتِهِمْ رَغْمَ الْهَدْمِ، وَبِمَسَاجِدِهِمْ رَغْمَ التَّضْيِيقِ، وَهَٰذَا هُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي يُحْبِطُ خُطَطَ الْأَعْدَاءِ، وَيُحَطِّمُ أَحْلَامَهُمْ.
وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: “أَنَا بَعِيدٌ عَنْ ثُغُورِ الْقُدْسِ وَفِلَسْطِينَ، فَكَيْفَ أَنَالُ أَجْرَ الرِّبَاطِ؟”، فَنَقُولُ: عَلَيْكَ بِرِبَاطِ الدَّعْمِ وَالتَّثْبِيتِ: فَمَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ مُرَابِطًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ رَابَطَ، فَإِنَّ دَعْمَ صُمُودِ الْمُرَابِطِينَ بِالْمَالِ، وَالدُّعَاءِ، وَنَشْرِ قَضِيَّتِهِمْ، هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي الرِّبَاطِ، فَكُنْ أَنْتَ الظَّهِيرَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الْمُرَابِطُ فِي ثَغْرِهِ.
وَعَلَيْكُمْ بِالرِّبَاطِ عَلَى الْقِيَمِ: فَنَحْنُ فِي زَمَنٍ تُهَاجَمُ فِيهِ “ثُغُورُ الْأَخْلَاقِ”؛ فَمَنْ يُرَابِطُ عَلَىٰ تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِ تَرْبِيَةً إِسْلَامِيَّةً، فِي وَجْهِ الِانْحِلَالِ، فَهُوَ مُرَابِطٌ، وَمَنْ تُرَابِطُ عَلَىٰ حِجَابِهَا، وَعِفَّتِهَا، فِي وَجْهِ التَّبَرُّجِ، فَهِيَ مُرَابِطَةٌ، وَمَنْ يُرَابِطُ عَلَى الْأَمَانَةِ فِي وَظِيفَتِهِ، فَهُوَ مُرَابِطٌ.
وَعَلَيْكُمْ بِالْيَقِينِ بِالْمَوْعِدِ: فَإِنَّ الْمُرَابِطَ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، فَلَا يَهُزُّهُ إِرْجَافُ الْمُرْجِفِينَ، وَلَا خِذْلَانُ الْخَاذِلِينَ، فَهُوَ بَاقٍ فِي مَكَانِهِ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُ أَمْرُ اللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ ذَٰلِكَ.
فَاللَّهُمَّ انْصُرِ الْمُرَابِطِينَ فِي أَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَارْبِطْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي الشُّهَدَاءِ، وَاشْفِ جُرْحَاهُمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مُرَابِطِينَ عَلَىٰ طَاعَتِكَ، ثَابِتِينَ عَلَىٰ دِينِكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَنْصُرُونَ أُمَّتَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ. اللَّهُمَّ طَهِّرِ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَىٰ مِنْ دَنَسِ الْمُعْتَدِينَ، وَارْزُقْنَا فِيهِ صَلَاةَ الْفَاتِحِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
( الدعاء )
