خطبة عن (الزواجُ آيةٌ وأمانةٌ)
سبتمبر 22, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ التَّكَاثُر)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (1): (8) التَّكَاثُرُ
إخوة الإسلام
إِنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى هُوَ الشِّفَاءُ لِلْقُلُوبِ، وَالنُّورُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ العَبْدُ حَقِيقَةَ وُجُودِهِ، وَإِنَّ مِنْ سُوَرِ القُرْآنِ العَظِيمِ سُورَةً قَصِيرَةَ المَبَانِي، عَظِيمَةَ المَعَانِي، تَزْهُقُ الغَفْلَةَ مِنَ النُّفُوسِ، وَتُعِيدُ لِلْعَقْلِ رُشْدَهُ، حِينَ تَسْتَبِدُّ بِهِ سَكْرَةُ الدُّنْيَا، إِنَّهَا (سُورَةُ التَّكَاثُرِ)؛
هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي حِينَ تَلَاهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، ففي صحيح مسلم: (عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَقْرَأُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قَالَ «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي -قَالَ- وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ».
فتَعَالَوْا بِنَا اليوم- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ) لهذه السورة، لإبراز المَحَاوِرِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا،
فقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: فالسُّورَةُ تَبْدَأُ بِفِعْلٍ مُفَاجِئٍ، يَمَسُّ القَلْبَ مُبَاشَرَةً: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾؛ أَيْ شَغَلَكُمْ، وَعَمَّى أَبْصَارَكُمْ، وَأَذْهَلَ قُلُوبَكُمْ عَنِ الغَايَةِ الَّتِي خُلِقْتُمْ لِأَجْلِهَا، وَهِيَ عِبَادَةُ اللهِ، وَالاسْتِعْدَادُ لِلْآخِرَةِ،
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: والتكاثر: هو طلب الكثرة، والزيادة، فيما يتنافس عليه الناس، من المال، والجاه، والعلم، والولد، وغير ذلك، قال تعالى:
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) الحديد:20.
وتدبروا قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: فَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ المَفْعُولَ بِهِ، فَلَمْ يَقُلْ: “أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ بِالْمَالِ”، بَلْ أَطْلَقَهَا عَامَّةً: ﴿التَّكَاثُرُ﴾، لِيَشْمَلَ التَّكَاثُرَ بِالأَمْوَالِ، وَالتَّكَاثُرَ بِالأَوْلَادِ، وَالتَّكَاثُرَ بِالمَنَاصِبِ، وَالتَّكَاثُرَ بِالمُسْتَلْزَمَاتِ وَالعَقَارَاتِ، حَتَّى التَّكَاثُرَ فِي الجِدَالِ، وَالشُّهْرَةِ، وَالعَصَبِيَّاتِ، إِنَّهُ التَّكَاثُرُ الَّذِي لاَ يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، فيَظَلُّ المَرْءُ يَرْكُضُ خَلْفَهُ، وفي الصحيحين: (عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
فَكُلَّمَا نَالَ ابن آدم شَيْئًا، طَلَبَ كَثْرَةً أُخْرَى، فَيُمْسِي وَيُصْبِحُ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ صَلَاتِهِ، غَافِلٌ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، يَظُنُّ أَنَّ القِيمَةَ فِي كَثْرَةِ مَا يَجْمَعُ، لاَ فِي صَلَاحِ مَا يُقَدِّمُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾: فمَا أَبْلَغَ هَذِهِ الآية، فيَظَلُّ الإِنْسَانُ فِي هَذَا الرَّكْضِ المَجْنُونِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ مَلَكُ المَوْتِ بَغْتَةً، فَيَنْتَقِلُ مِنْ دَارِ التَّكَاثُرِ إِلَى دَارِ البَلَاءِ وَالحِسَابِ، وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿زُرْتُمُ﴾، فلَمْ يَقُلْ “سَكَنْتُمُ”، أَوْ “أَقَمْتُمُ”، بَلْ سَمَّى المُكْثَ فِي المَقَابِرِ زِيَارَةً، لِأَنَّ القَبْرَ لَيْسَ المَقَرَّ الأَبَدِيَّ، بَلْ هُوَ مَحَطَّةٌ بَرْزَخِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ، يَعْقُبُهَا البَعْثُ وَالنُّشُورُ، إِلَى الجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ،
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾: ذكر بعض المفسرين وجهاً آخر (روي عن قتادة وغيره) أن المعنى: أنكم تفاخرتم بالأحياء ، حتى قلتُم نحن أكثر، ثم ذهبتم إلى المقابر تفاخرون بالأموات، وتعدُّون قبوركم وقبور آبائكم، لتكثير العدد والتباهي بهم.
فَيَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ حِينَ يَسْتَفِيقُ المَرْءُ عِنْدَ زِيَارَةِ القَبْرِ، فَيَجِدُ أَنَّ الأَمْوَالَ الَّتِي جَمَعَهَا بَقِيَتْ لِلْوَرَثَةِ، وَالأَجْسَادَ الَّتِي نَعَّمَهَا، صَارَتْ طَعَامًا لِلْدود، وَلَمْ يَنْزِلْ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ إِلاَّ عَمَلُهُ الصَّالِحُ، ففي الصحيحين: (أن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ»،
وفي سنن النسائي: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَالُكَ مَا قَدَّمْتَ وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ».
وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ، صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُون * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُون﴾ [التكاثر:3-4]: فيه التَّهْدِيدُ الرَّادِعُ، وَالتَّكْرَارُ المُرْهِبُ، فـ ﴿كَلَّا﴾؛ كَلِمَةُ زَجْرٍ وَرَدْعٍ لَا مُدَاهَنَةَ فِيهَا، أَيْ: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَظُنُّونَ مِنْ أَنَّ الدُّنْيَا هِيَ الدَّارُ الوَحِيدَةُ، أَوْ أَنَّ الكَثْرَةَ هِيَ الفَوْزُ،
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: سَوْفَ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ضَلَالِكُمْ وَغَفْلَتِكُمْ، حِينَ تَنْكَشِفُ الحُجُبُ عِنْدَ المَوْتِ، ثُمَّ أَعَادَهَا جَلَّ جَلَالُهُ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّهْوِيلِ: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: سَوْفَ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَمْ عِنْدَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الجَبَّارِ،
فهذا الأُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ التَّرْهيبِ وَالتّخْوِيفِ، يَقْرَعُ الْآذَانَ، وَيُحْيِيْ الْقُلُوبَ، وَهُوَ تَذْكيرٌ بِمَا سَبَقَ في الْآيَتَيْنِ مِنْ تَنْبِيْهَاتٍ، وَمِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ بِالتَّنْبِيهِ وَالتَّخْوِيفِ:
أولًا: أَنَّ الْأَمْوَاتَ يُحْييهِمُ اللهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَبْعَثُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ سُبْحانَهُ ، فَيُجَازَى الْمُحْسِنُ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ عَلَى إِسَاءَتِهِ،
ثانيًا: تَوْبِيخُ وَزَجْرُ مَنِ اشْتَغَلَ بِالدُّنْيَا عَنِ الْآخِرِةِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَلاَ تَجْعَلُوا الدُّنْيَا تُنْسِيكُمُ الآخِرَةَ، فَمَا الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ التَّكَاثُر)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثم نأتي إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ﴾: فيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّكُمْ لَوْ عَلِمْتُمُ اليَوْمَ عِلْمًا جَازِمًا لاَ شَكَّ فِيهِ، مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلْغَافِلِينَ، لَمَا أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، وَلَمَا انْشَغَلْتُمْ بِالتَّفَاهَاتِ، وَلَثَابَ وتاب ورجع الكُلُّ إِلَى رُشْدِهِ،
ثُمَّ يُقْسِمُ رَبُّ العِزَّةِ قَسَمًا مُؤَكَّدًا: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾، أي: سَوْفَ يَرَى الخَلْقُ كُلُّهُمُ النَّارَ بَارِزَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ﴾؛ أَيْ: رُؤْيَةً مُبَاشِرَةً بِالأَعْيُنِ، لاَ يَبْقَى مَعَهَا مَجَالٌ لِلشَّكِّ أَوْ التَّكْذِيبِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم﴾ [التكاثر:8]: فأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ سَوْفَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كُلِّ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا، وَهَذا السُّؤَالُ عَنِ النَّعيمِ يَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ، إِلَّا أَنَّ سُؤَالَ الْمُؤْمِنِ تَبْشيرٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ شَكَرَ نِعْمَةَ اللهِ، وَحَفِظَ حَقَّ اللهِ فيهَا،
أَمَّا سُؤَالُ الْكَافِرِ فَهُوَ تَقْريعٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيَا بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:
“وَهَذَا السُّؤالُ يَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، إِلَّا أَنَّ سُؤَالَ الْمُؤْمِنِ تَبْشيرٌ لَهُ، بِأَنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعيمِ الدُّنْيَا وَنَعيمِ الْآخِرَةِ، وَسُؤَالُ الْكَافِرِ تَقْريعٌ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ نَعِيْمَ الْدُّنْيَا بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ”
وَفي الْحَديثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ -أَوْ لَيْلَةٍ- فَإِذَا هُوَ بِأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُما هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الجُوعُ يَا رَسولَ اللَّه، قالَ: وَأَنَا، والَّذِي نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِيْ الَّذِيْ أَخْرَجَكُمَا، قُومَا، فقَامَا مَعَهُ، فَأَتَىْ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِيْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيْنَ فُلانٌ؟ قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَاريُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الْحَمْدُ للَّهِ، مَا أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيافًا مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهُمْ،
فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لِأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما: وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» ، وَفي لَفْظٍ: «وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طَيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ».
نعم: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾؛ فلَيْسَ النَّعِيمُ الشَّاهِقُ من الأبراج، أَوْ القُصُورُ الفَارِهَةُ، فَحَسْبُ، بَلْ كُلُّ نَعْمَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْكَ، سوف تسأل عنها.
فمن النعيم: الصِّحَّةُ فِي البَدَنِ، وَالأَمْنُ فِي الوَطَنِ، وَالمَاءُ البَارِدُ فِي الحَرِّ، وَالأَكْلُ السَّائِغُ، وَالعَقْلُ، وَالسَّمْعُ، وَالبَصَرُ، وَالمَالُ الَّذِي كَسَبْتَهُ وَأَنْفَقْتَهُ، والعلم الذي تعلمته، و….)
وسَوْفَ تُسْأَلُ: هَلْ شَكَرْتَ هَذِهِ النِّعَمَ؟!، هَلْ اسْتَعَنْتَ بِهَا عَلَى طَاعَةِ المُنْعِمِ، أَمْ صَرَفْتَهَا فِي المَعَاصِي وَالمُكَاثَرَةِ الفَارِغَةِ؟، ففي سنن الترمذي (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ».
وفي رواية له: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ».
وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَمَاذَا صَنَعْتَ. فَيَقُولُ يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ. فَيَقُولُ لَهُ أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ. فَيَقُولُ يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ. فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ».
وفيه أيضا: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَقِى اللَّهَ وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا فَيَقُولُ بَلَى. فَيَقُولُ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاً وَوَلَدًا فَيَقُولُ بَلَى. فَيَقُولُ أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ لاَ يَجِدُ شَيْئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هذه السُّورَةَ الجَلِيلَةَ، تَقُودُنَا إِلَى نَتِيجَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وهي: أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ ،وَأَنَّ العَاقِلَ هُوَ مَنْ لاَ يَجْعَلُ المَالَ وَالوَلَدَ سَبَبًا فِي غَفْلَتِهِ، بَلْ يَجْعَلُهَا أَدَوَاتٍ لِمَرْضَاةِ اللهِ،
فَابْتَغُوا فِيمَا آتَاكُمُ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَوْا نَصِيبَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنُوا كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكُمْ. واذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ.
الدعاء
