خطبة عن (رَوْحُ الإِسْلَامِ فِي المُعَامَلَاتِ المَالِيُّة)
نوفمبر 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (259)، (260) البقرة.
إخوة الإسلام
يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ وَيَا أَهْلَ التَّدَبُّرِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَنْزَلَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، إِلَّا لِيُحَرِّكَ فِي قُلُوبِنَا عُقُولًا غَافِلَةً، وَيُوقِظَ فِينَا أَرْوَاحًا نَائِمَةً، وَيَأْخُذَ بِنَا مِنْ ضِيقِ الْحِسَابَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، إِلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا، وَلَا نِهَايَةَ لَهَا.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَنْ هُوَ هَذَا الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ؟ وَالْجَوَابُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ (عُزَيْرٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَقِيلَ هُوَ (رَجُلٌ صَالِحٌ) مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِاسْمِهِ، وَلَكِنْ بِحَالِهِ وَمَقَالِهِ.
فقد مَرَّ هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى قَرْيَةٍ خربة، قِيلَ إِنَّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ، بَعْدَ أَنْ خَرَّبَهَا بُخْتَنَصَّرُ، وَقَتَلَ أَهْلَهَا، فَأَصْبَحَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، أَيْ: سَقَطَتْ سُقُوفُهَا، ثُمَّ سَقَطَتْ جُدْرَانُهَا عَلَيْهَا، فَأَصْبَحَتْ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ، وَهَذَا مَشْهَدٌ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ عَامِرَةً، فَأَصْبَحَتْ خَرَابًا، وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ كَانَتْ مَسْكُونَةً، فَأَصْبَحَتْ مَهْجُورَةً.
فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا؟)، وَهَذَا الْقَوْلُ منه لَيْسَ إِنْكَارًا لِلْقُدْرَةِ، حَاشَاهُ، وَلَكِنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنْ عَظَمَةِ الْمَوْتِ وَشِدَّتِهِ، وَتَسَاؤُلٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْإِحْيَاءِ، كَمَا يَتَسَاءَلُ أَحَدُنَا عِنْدَمَا يَرَى صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ، كَيْفَ تَعُودُ خَضْرَاءَ؟، وَالْقُرْآنُ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَسْأَلَ، وَأَلَّا نَكْتُمَ هَذَا التَّسَاؤُلَ فِي صُدُورِنَا.
فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُجِيبَهُ جَوَابًا عَمَلِيًّا، لَا نَظَرِيًّا، (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ)، مِائَةَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَهُوَ مَيِّتٌ، وَالزَّمَنُ يَمُرُّ، وَالدُّنْيَا تَتَغَيَّرُ، وَالْقُرُونُ تَتَعَاقَبُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ: (كَمْ لَبِثْتَ؟)، (قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا، أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، قيل: لِأَنَّهُ نَامَ فِي الضُّحَى، وَاسْتَيْقَظَ فِي الْعَصْرِ، فَظَنَّ أَنَّهَا سَاعَاتٌ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ).
وَهُنَا تَأْتِي الْآيَاتُ الْمَنْظُورَةُ، وَالْمَسْطُورَةُ، فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَالَ: (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ، لَمْ يَتَسَنَّهْ)، فطَعَامُهُ قيل مِنْ تِينٍ وَعِنَبٍ وَعَصِيرٍ، بَقِيَ مِائَةَ عَامٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ، ولَمْ يَفْسُدْ، ولَمْ يَتَعَفَّنْ، وَهَذَا خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، وَفِي الْمُقَابِلِ، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ، فحِمَارُهُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ، أَصْبَحَ عِظَامًا نَخِرَةً، مُتَفَرِّقَةً فِي التُّرَابِ.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَا الْحِكْمَةُ فِي أَنْ يَبْقَى الطَّعَامُ، وَيَفْنَى الْحِمَارُ؟، وَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ نَوْعَيْنِ مِنَ الْقُدْرَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، قُدْرَةً عَلَى حِفْظِ الشَّيْءِ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، وَقُدْرَةً عَلَى إِفْنَاءِ الشَّيْءِ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، لِيُبَيِّنَ لَهُ أَنَّ الزَّمَنَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ، فإِنْ شَاءَ أَبْقَى الطَّعَامَ مِائَةَ عَامٍ، وَإِنْ شَاءَ أَفْنَى الْحِمَارَ فِي لَحْظَةٍ، فَالزَّمَنُ مَخْلُوقٌ، وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ.
ثُمَّ قَالَ: (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ)، فَأَصْبَحَ هُوَ نَفْسُهُ آيَةً، رَجُلٌ ظل مِائَةَ عَامٍ مَيِّتًا، ثُمَّ عَادَ شَابًّا كَمَا كَانَ، وَأَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا، وَأَوْلَادُهُ قَدْ شَابُوا، وَهُوَ بَقِيَ شَابًّا، فَكَانَ آيَةً لِلنَّاسِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا)، فَجَمَعَ اللَّهُ عِظَامَ الْحِمَارِ، عَظْمًا عَظْمًا، مِفْصَلًا مِفْصَلًا، ثُمَّ كَسَاهَا لَحْمًا، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَقَامَ يَنْهَقُ، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وَهَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ: الِاعْتِرَافُ بِالْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
ثُمَّ نَأْتِي إِلَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الْبَقَرَةُ: 260
فَانْظُرُوا إِلَى أَدَبِ النُّبُوَّةِ فِي السُّؤَالِ، قَالَ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)، لَمْ يَقُلْ: هَلْ تُحْيِي الموتى؟، بَلْ قَالَ: كَيْفَ؟، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْقُدْرَةِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَرَى الْكَيْفِيَّةَ، فَلَمْ يُعَنِّفْهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُوَبِّخْهُ، بَلْ عَلَّمَهُ بِرِفْقٍ، وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَعْنِيفِ الْجَاهِلِ، وَتَعْلِيمِهِ بِرِفْقٍ، (قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟) (قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، فَالْقَلْبُ يَحْتَاجُ إِلَى طُمَأْنِينَةٍ، وَالطُّمَأْنِينَةُ تَأْتِي بِالتَّجْرِبَةِ الْعَمَلِيَّةِ.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَلِمَاذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا؟، وَالْجَوَابُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ قَدْ بَلَغَ مَرْتَبَةَ عِلْمِ الْيَقِينِ، فَهُوَ يُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى مَرْتَبَةِ (عَيْنِ الْيَقِينِ)، ثُمَّ (حَقِّ الْيَقِينِ)، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) الْأَنْعَامُ: 75.
وَفِي هَذَا تَعْلِيمٌ لَنَا: أَنَّ سُؤَالَ الْعَبْدِ رَبَّهُ لَيْسَ عَيْبًا، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَسْأَلَهُ الْعَبْدُ، وَيُحِبُّ أَنْ يُلِحَّ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَنِّفِ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، بَلْ عَلَّمَهُ بِرِفْقٍ، فَ(قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، فَالْقَلْبُ يَطْمَئِنُّ بِالتَّجْرِبَةِ الْعَمَلِيَّةِ.
وَهُنَا لَطِيفَةٌ مِنْ أَجْمَلِ اللَّطَائِفِ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحْيِ الطَّيْرَ أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً، بَلْ جَعَلَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ نفسه الَّذِي يَفْعَلُ التَّجْرِبَةَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: (خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)، وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي نَوْعِهَا، قِيلَ: (دِيكٌ، وَطَاوُوسٌ، وَحَمَامَةٌ، وَغُرَابٌ)، وَهِيَ تُمَثِّلُ طَبَائِعَ الْإِنْسَانِ الْمُخْتَلِفَةَ، (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)، أَيْ قَطِّعْهُنَّ وَاخْلِطْهُنَّ، (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا)، فَفَرَّقَ الْأَجْزَاءَ عَلَى الْجِبَالِ الْبَعِيدَةِ، (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا)، فَدَعَاهُنَّ إِبْرَاهِيمُ، فَتَطَايَرَتِ الْأَجْزَاءُ، وَالْتَأَمَتْ، وَجَاءَتْهُ تَسْعَى.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَلِمَاذَا جَعَلَهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو الطير؟، وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ الْيَقِينَ إِذَا كَانَ بِمُبَاشَرَةِ الْيَدِ، يَكُونُ أَرْسَخَ وَأَثْبَتَ، فَإِبْرَاهِيمُ هُوَ الَّذِي ذَبَحَ، وَهُوَ الَّذِي فَرَّقَ، وَهُوَ الَّذِي دَعَا، فَكَانَ اطْمِئْنَانُ قَلْبِهِ أَعْظَمَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) الْأَنْعَامُ: 75،
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) آلُ عِمْرَانَ: 190
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَا مَنْزِلَةُ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عند ربه؟، وَالْجَوَابُ: إِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَإِمَامُ الْحُنَفَاءِ، وَأَبُو الْأَنْبِيَاءِ، اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَجَعَلَهُ أُمَّةً وَحْدَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) النَّحْلُ: 120،
وَمِنْ فَضَائِلِهِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّانَا الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ الَّذِي ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، وَهُوَ الَّذِي وَفَّى، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الْعَنْكَبُوتُ: 19، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الرُّومُ: 27
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَا فَضْلُ التَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ؟، وَالْجَوَابُ: إِنَّ التَّدَبُّرَ هُوَ الَّذِي يُحَوِّلُ الْعِلْمَ إِلَى يَقِينٍ، وَالْيَقِينَ إِلَى عَمَلٍ، فَآيَاتُ اللَّهِ مِنْهَا مَنْظُورَةٌ فِي الْكَوْنِ، كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْهَا مَسْطُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ، كَهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَالْمُؤْمِنُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، يَنْظُرُ فِي الْكَوْنِ، فَيَرَى قُدْرَةَ اللَّهِ، وَيَنْظُرُ فِي الْقُرْآنِ، فَيَرَى كَلَامَ اللَّهِ.
وَمِنْ فَضْلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: أَنَّهُمَا تُثْبِتَانِ الْكَرَامَاتِ، وَخَوَارِقَ الْعَادَاتِ، فَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ بَقِيَ مِائَةَ عَامٍ، فَهَذِهِ كَرَامَةٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَإِذَا كَانَ الطَّيْرُ تَفَرَّقَ وَتَجَمَّعَ، فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ لِإِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَا أَثَرُ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي سُلُوكِ الْفَرْدِ وَحَيَاةِ الْمُجْتَمَعِ؟، وَالْجَوَابُ:
أَمَّا الْفَرْدُ: فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ، فَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَلَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ قَلْبَهُ الْمَيِّتَ بِالْمَعْصِيَةِ، كَمَا أَحْيَا الْقَرْيَةَ الْمَيِّتَةَ، وَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ أَمَلَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ.
وَأَمَّا الْمُجْتَمَعُ: فَإِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا يَسْتَسْلِمُ لِلْيَأْسِ، وَلَا يَسْتَسْلِمُ لِلْخَرَابِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْأُمَّةَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيُعِيدَ مَجْدَهَا بَعْدَ ضَعْفِهَا، كَمَا أَعَادَ تِلْكَ الْقَرْيَةَ، وَكَمَا أَعَادَ تِلْكَ الطُّيُورَ.
فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَدَبِّرِينَ لِآيَاتِكَ، الْمُوقِنِينَ بِقُدْرَتِكَ، الْمُطْمَئِنَّةِ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِكَ.
الدعاء
