خطبة حول قوله تعالى ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ )
نوفمبر 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَوْحُ الإِسْلَامِ فِي المُعَامَلَاتِ المَالِيُّة)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري في صححه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى «يَا كَعْبُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيِ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .قَالَ «قُمْ فَاقْضِهِ».
وروى مسلم في صحيحه: (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ إِنِّي مُعْسِرٌ. فَقَالَ آللَّهِ قَالَ آللَّهِ. قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ».
وفي الصحيحين البخاري ومسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «كَانَ الرَّجُلُ يُدَايِنُ النَّاسَ ،فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. قَالَ فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ».
إخوة الإسلام
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ الغَرَّاءَ، بِمَا حَبَاهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ كَمَالٍ مُطْلَقٍ، وَحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، تَتَسَامَى عَنْ كُلِّ قُصُورٍ بَشَرِيٍّ، وَرَحْمَةٍ مُهْدَاةٍ لِلْعَالَمِينَ، لَمْ تَتْرُكْ جَانِبًا مِنْ جَوَانِبِ حَيَاةِ الإِنْسَانِ العَمَلِيَّةِ -سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَفَارِقِ طُرُقِهِ، أَمْ فِي خَلَوَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ، أَمْ فِي مُعَامَلَاتِهِ المَالِيَّةِ الدَّقِيقَةِ، وَتُجَّارَاتِهِ، وَدُيُونِهِ، وَعُهُودِهِ- إِلَّا وَنَظَّمَتْهُ أَدَقَّ تَنْظِيمٍ، وَوَضَعَتْ لَهُ مِنَ الأَحْكَامِ، وَالتَّشْرِيعَاتِ، وَالآدَابِ، بمَا يَكْفُلُ إِقَامَةَ المُجْتَمَعِ عَلَى أُسُسٍ رَاسِخَةٍ، مِنْ عَدْلٍ لَا يَظْلِمُ، وَرَحْمَةٍ لَا تُضَيِّعُ الحُقُوقَ، وَتَكَافُلٍ حَقِيقِيٍّ، يَصُونُ الكَرَامَةَ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَيَادِينِ وَأَحْرَجِهَا، تِلْكَ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا حَقِيقَةُ الأَخْلَاقِ، وَتَتَجَلَّى فِيهَا عَقِيدَةُ المُسْلِمِ العَمَلِيَّةُ السَّامِيَةُ: مَيْدَانُ المَالِ، وَالمَدَايَنَاتِ، وَالمُطَالَباتِ؛ حَيْثُ تَقْوَى الحَاجَةُ، وَتَشْتَدُّ الأَزَمَاتُ العَابِرَةُ، وَتَتَضَيَّقُ المَسَالِكُ بِأَصْحَابِ الحَاجَاتِ، فَيَحْتَاجُ النَّاسُ هُنَاكَ -أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى- إِلَى الرِّفْقِ المَدْرُوسِ، وَالتَّجَاوُزِ البَنَّاءِ، وَإِقَالَةِ العَثَرَاتِ، وَإِزَاحَةِ الكُرَبِ العِظَامِ، عَنْ كَوَاهِلِ المُعْسِرِينَ المَكْرُوبِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلْنَتَأَمَّلْ مَعًا – بِعُقُولٍ وَاقِعَةٍ، وَقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ، وَمُتَفَهِّمَةٍ، تَعْيِي المَعَانِي البَلِيغَةَ- تِلْكَ الأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ الشَّرِيفَةَ الثَّلاثَةَ المتقدمة، والَّتِي تَرْسُمُ لَنَا أَنْصَعَ الصُّوَرِ، وَأَبْلَغَ العِبَرِ، فِي إِدَارَةِ الخِلَافَاتِ المَالِيَّةِ، وَالبَشَرِيَّةِ، وَتَقْرِيرِ مَنْهَجِ الرَّحْمَةِ النَّبَوِيِّ العَمَلِيِّ:
فلِنَقِفْ طَوِيلًا عِنْدَ المَشْهَدِ الأَوَّلِ: قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَالرَّجُلُ كَانَ يَطْلُبُ حَقًّا مَشْرُوعًا ثَابِتًا لَهُ فِي ذِمَّةِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، وَالمَطَالَبَةُ بِالحَقِّ مَشْرُوعَةٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَكِنَّ المَكَانَ هُوَ “المَسْجِدُ”؛ بَيْتُ السَّكِينَةِ وَالعِبَادَةِ، وَالوَسِيلَةَ قَدْ تَشُوبُهَا حِدَّةُ الأَصْوَاتِ وَارْتِفَاعُ النَّبَرَاتِ بَيْنَ المُتَخَاصِمَيْنِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى عَيْنُ العِنَايَةِ النَّبَوِيَّةِ العُظْمَى وَعَبْقَرِيَّةُ الإِمَامِ المُعَلِّمِ؛ فَلَمَّا عَلِمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الخِلَافِ الدَّائِرِ دَاخِلَ حَرَمِ المَسْجِدِ، لَمْ يَقِفْ مَوْقِفَ المُتَفَرِّجِ البَعِيدِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالإِخْرَاجِ الجَافِّ، بَلْ بَادَرَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ بِالخُرُوجِ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ الحُجْرَةِ المُطِلَّةِ عَلَى المَسْجِدِ، لِيَحْسِمَ المَادَّةَ، وَيُزِيلَ كُلَّ شَحْنَاءَ مُحْتَمَلَةٍ فِي مَهْدِهَا.
ثُمَّ طَرَحَ ذَلِكَ الحَلَّ النَّبَوِيَّ العَبْقَرِيَّ الحَكِيمَ؛ لَمْ يَأْمُرْ بِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ كُلِّهِ، بَلْ شَفَعَ شَفَاعَةَ رَحْمَةٍ وَتَهْذِيبٍ قَائِلاً لِكَعْبٍ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَهَزَّ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ مُومِئًا إِلَى نِصْفِ الدَّيْنِ (الشَّطْرِ)
فَكَانَتِ الِاسْتِجَابَةُ مِنَ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ كَعْبٍ فَوْرِيَّةً، طَائِعَةً، مُتَسَابِقَةً لِلْخَيْرِ، دُونَ تَرَدُّدٍ أَوْ تَبَرُّمٍ: «لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، أَيْ: قَبِلْتُ الشَّفَاعَةَ، وَأَسْقَطْتُ النِّصْفَ، تَبَرُّعًا وَتَسَامُحًا.
فَلَمَّا تَمَّ هَذَا التَّخْفِيفُ العَظِيمُ، وَانْكَسَرَتْ حِدَّةُ الأَزْمَةِ، أَمَرَ المَدِينَ بِسَدَادِ النِّصْفِ البَاقِي فَوْرًا، دُونَ تَمْطِيطٍ، أَوْ إِعْهَادٍ طَوِيلٍ، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «قُمْ فَاقْضِهِ».
وهَكَذَا تُعَالَجُ الأَزَمَاتُ المَالِيَّةُ بَيْنَ النَّاسِ، بِرُوحِ التَّسَامُحِ العَالِي، لَا بِالتَّعَنُّتِ والقَسْوَةِ القَانُونِيَّةِ المَجْحِفَةِ.
وَمِنْ هُنَا نَنْتَقِلُ إِلَى المَشْهَدِ الثَّانِي: حَالُ المُعْسِرِ الحَائِرِ الضَّائِقِ ذرعًا، الَّذِي ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، فَطَفِقَ يَتَوَارَى عَنْ عُيُونِ الغَرِيمِ وَالدَّائِنِ، حَيَاءً وَخَوْفًا مِنْ عَجْزِ السَّدَادِ –كَمَا وَقَعَ لِغَرِيمِ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– فَحِينَمَا تَقَفَّاهُ أَبُو قَتَادَةَ حَتَّى وَجَدَهُ أَخِيرًا، بَادَرَ المَدِينُ المَكْرُوبُ قَائِلاً بِانْكَسَارٍ شَدِيدٍ: «إِنِّي مُعْسِرٌ». فلَمْ يَتَسَرَّعْ أَبُو قَتَادَةَ فِي التَّصْدِيقِ المْطْلَقِ، بَلْ بَاحَثَ عَنْ طمأنينة اليقين فقال مستحلفًا: «آللَّهِ؟»، فَلَمَّا حَلَفَ الرَّجُلُ بِصِدْقٍ وَتَأْكِيدٍ مُعَظِّمًا اسْمَ اللهِ: «آللَّهِ!»، انْكَسَرَتْ فَجْأَةً سَوْرَةُ المُطَالَبَةِ الجَافَّةِ فِي قَلْبِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ، فَتَذَكَّرَ عِنْدَها هَدْيَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَعَظِيمَ ثَوَابِ التَّنْفِيسِ، فَأَنْظَرَهُ، بَلْ وَفَتَحَ لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ الكُبْرَى؛ إِذِ الإِسْلَامُ لا يَجْعَلُ الدَّيْنَ سِجْنًا أَبَدِيًّا، بَلْ يَدْعُو إِلَى الإِسْقَاطِ الكُلِّيِّ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وامْتِثَالاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:280].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (رَوْحُ الإِسْلَامِ فِي المُعَامَلَاتِ المَالِيُّة)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ إِلهِيَّةٌ، قَائِمَةٌ طَبِيعِيَّةٌ وَتَشْرِيعِيَّةٌ لَا تَتَخَلَّفُ أَبَدًا، وَلَا يَلْحَقُهَا تَبْدِيلٌ؛ فَالتَّاجِرُ البَسِيطُ فِي الحَدِيثِ الثَّالِثِ، الَّذِي كَانَ يُمَارِسُ تِجَارَتَهُ وَمُدَايَنَاتِهِ بْرُوحِ الإِيمَانِ العَمِيقِ، المَشوب بِالرَّحْمَةِ، وَكَانَ يَأْمُرُ فَتَاهُ وَعَامِلَهُ بِقَوْلِهِ المَجِيدِ: «إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا»،
فلَمْ يَضِعْ هَذَا الصَّنِيعُ الإنْسَانِيُّ العَظِيمُ هَبَاءً مَنْثُورًا فِي سِجِلَّاتِ الوُجُودِ، بَلْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ الخَالِدَةُ الكُبْرَى يَوْمَ أَنْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ لِلْحِسَابِ: «فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ»!.
تَجَاوَزَ عَنْهُ رَبُّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي حِسَابِهِ الدَّقِيقِ، وَسَتَرَ عُيُوبَهُ الخَفِيَّةَ وَالجَلِيَّةَ، وَتَغَافَلَ عَنْ زَلَّاتِهِ وَهَفَوَاتِهِ وَتَقْصِيرِهِ؛ جَزَاءً وِفَاقًا لِمَا كَانَ مِنْ تَغَافُلِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ المُعْسِرِينَ المَكْرُوبِينَ فِي الدُّنْيَا الفَانِيَةِ!.
وَيُؤَكِّدُ هَذَا المَعْنَى العَظِيمَ وَيُجَسِّدُهُ قَوْلُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الحَاسِمُ القَاطِعُ:
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»؛
فَأَيُّ نَجَاةٍ تَعْدِلُ تِلْكَ النَّجَاةَ العُظْمَى مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، ذَلِكَ اليَوْمِ العَبُوسِ القَمْطَرِيرِ الطَّوِيلِ الَّذِي تَبْلُغُ فِيهِ القُلُوبُ الحَناجِرَ مِنَ الرَّهْبَةِ؟!.
فَمَنْ فَرَّجَ كُرْبَةَ مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا بِإنْظَارِهِ، أَوْ إِسْقَاطِ الدَّيْنِ كُلِّهِ، أَوْ بَعْضِهِ، عَنْ كَاهِلِهِ، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرَبًا عَظِيمَةً، يَوْمَ تَتَطَلَّبُ الخَلَائِقُ النَّجَاةَ، وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ لِلْعَمَلِ بِهَذِهِ الأَحْكَامِ، وَالتَّوْجِيهَاتِ النَّبَوِيَّةِ الرَّاقِيَةِ، آثَارًا جَلِيلَةً عَظِيمَةً، لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، وَلَا تُقَاسُ بِمِيزَانٍ مَادِّيٍّ، عَلَى مَهْوَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ جَمِيعًا، ومنها:
أَوَّلاً: تَحْقِيقُ التَّرَاحُمِ الحَقِيقِيِّ وَالتَّوَادُدِ المُلَمُوسِ: فحِينَ يَسُودُ خُلُقُ السَّمَاحَةِ فِي المُعَامَلَاتِ
المَالِيَّةِ، تَنْصَهِرُ الضَّغَائِنُ الكَامِنَةُ فِي الصُّدُورِ، وَتَتَآلَفُ القُلُوبُ المُتَنَافِرَةُ، وَيَشْعُرُ الضَّعِيفُ وَالمُعْسِرُ وَالمَدِينُ بِأَنَّهُ لَيْسَ وَحِيدًا يُحَارِبُ طَحْنِ الحَيَاةِ، بَلْ هُوَ مَحْمِيٌّ بِنَسَائِجِ الرَّحْمَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الرَّاسِخَةِ.
ثَانِيًا: نُزُولُ البَرَكَاتِ الإِلَهِيَّةِ وَسَعَةُ الأَرْزَاقِ: فالتَّجَاوُزُ عَنِ المُعْسِرِينَ مِفْتَحٌ عَظِيمٌ مِنْ مَفَاتِيحِ الرِّزْقِ الوَاسِعِ، وَسَبَبٌ أَسَاسِيٌّ لِنُزُولِ البَرَكَةِ المُسْتَدَامَةِ فِي الأَمْوَالِ وَالتِّجَارَاتِ، وَدَفْعِ النِّقَمِ وَالمَصَائِبِ العَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
ثَالِثًا: حِمَايَةُ المُجْتَمَعِ مِنَ الجَرِيمَةِ وَالتَّفَكُّكِ وَالانْحِرَافِ: فإِنَّ القَسْوَةَ المُفْرِطَةَ فِي مُطَالَبَةِ المُعْسِرِينَ، وَإِلْجَاءَهُمْ بِاسْتِمْرَارٍ إِلَى السُّجُونِ وَالملاحِقَاتِ والقَهْرِ المُسْتَمِرِّ، قَدْ تُؤَدِّي بِالبَعْضِ إِلَى التَّوَرُّطِ فِي الحَرَامِ، أَوْ فَقْدِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ؛ فَكَانَ الحَلُّ النَّبَوِيُّ البَنَّاءُ هُوَ: المَهَلَةَ، أَوِ الإِسْقَاطَ؛ صِيَانَةً لِكَرَامَةِ الإِنْسَانِ، وَحِفَاظًا عَلَى اسْتِقْرَارِ بِنْيَةِ المُجْتَمَعِ، وَسِلْمِهِ الأَهْلِيِّ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ نَبِيِّكُمْ الرَّحِيمِ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَكُونُوا مَعَ إِخْوَانِكُمُ المُعْسِرِينَ يَدَ يُسْرٍ وَرَحْمَةٍ وَعَطْفٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَشْمَلَنَا جَمِيعًا بِعَفْوِهِ العَظِيمِ وَرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ يَوْمَ نَلْقَاهُ.
الدعاء
