خطبة عن (هل أنتَ عبدٌ للهِ؟)
نوفمبر 2, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (152) الانعام، وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (34) الاسراء، وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَّا قَالَ: “لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ” [رواه أحمد وصححه الألباني].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ قَضِيَّةَ “الوَفَاءِ بِالعَهْدِ” هِيَ ركيزةُ الأَخْلَاقِ، وَعِمَادُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ،
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا}: يَشْمَلُ كُلَّ مَا عَاهَدْتَ اللَّهَ عَلَيْهِ، مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَكُلَّ مَا أَلْزَمْتَ بِهِ نَفْسَكَ، مِنْ عُقُودٍ وَأَيْمَانٍ، وَمَوَاثِيقَ مَعَ النَّاسِ،
فالوَفَاءُ بِالعَهْدِ: هُوَ شِيمَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَصِفَةُ عِبَادِ اللَّهِ الأَوْفِيَاءِ؛ فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يَعْرِفُ بِالوَفَاءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، حَتَّى مَعَ أَعْدَائِهِ،
ففي مسند أحمد: (قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْراً إِلاَّ أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّداً. قُلْنَا مَا نُرِيدُ إِلاَّ الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ «انْصَرِفَا نَفِي بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ».
وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (34) الاسراء، فإِنَّ العَهْدَ مَسْؤُولِيَّةٌ أَمَامَ اللَّهِ،
وَمَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ، فَقَدْ خَانَ أَمَانَتَهُ، وَهَدَمَ مُرُوءَتَهُ، فالوَفَاءُ يَجْعَلُ المُجْتَمَعَ آمِناً مُطْمَئِنّاً، حَيْثُ تَثِقُ النُّفُوسُ بِبَعْضِهَا، وَتَسْتَقِيمُ الحَيَاةُ عَلَى الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي أَنْوَاعِ العُهُودِ الَّتِي أُمِرْنَا بِالوَفَاءِ بِهَا؛ أَوَّلُهَا: “العَهْدُ مَعَ اللَّهِ“؛ بِالاسْتِقَامَةِ عَلَى دِينِهِ وَتَرْكِ مَعَاصِيهِ، فكَمْ مَرَّةٍ قُلْنَا: “يَا رَبِّ تُبْنَا”، ثُمَّ نَقَضْنَا العَهْدَ؟، وَكَمْ مَرَّةٍ نَادَيْنَا فِي صَلَاتِنَا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، ثُمَّ اشْتَغَلَتْ قُلُوبُنَا بِغَيْرِهِ؟، إِنَّ صِدْقَ الوَفَاءِ مَعَ اللَّهِ هُوَ مِفْتَاحُ الفَلَاحِ.
ثُمَّ تَأْتِي: “عُهُودُ البَشَرِ“؛ مِنْ عُقُودِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعُهُودِ النِّكَاحِ، وَأَمَانَاتِ الوَظِيفَةِ، فالوَفَاءُ فِي العَمَلِ بِأَدَاءِ حَقِّ الوَقْتِ وَالإِتْقَانِ، هُوَ جُزْءٌ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ، وَنَقْضُ هَذِهِ العُهُودِ بِالغِشِّ أَوِ التَّهَرُّبِ، هُوَ مِن عَلامَاتِ النِّفَاقِ،
ففي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»
ومن المعلوم أنَّ آثَارَ عَدَمِ الوَفَاءِ بِالعُهُودِ تَجْلِبُ الخَرَابَ لِلأُمَمِ؛ فَبِهِ تَنْزِعُ البَرَكَةُ، وَتَفْشُو الخِيَانَةُ، وَتَزُولُ الثِّقَةُ، والمُسْلِمُ الذِي لَا يَفِي بِوَعْدِهِ يَشِينُ دِينَهُ قَبْلَ أَنْ يَشِينَ نَفْسَهُ،
ولَقَدْ كَانَ الوَفَاءُ سَبَبًا فِي دُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وذلك حِينَ رَأَوْا تِجَارَ المُسْلِمِينَ لَا يُخْلِفُونَ مِيعَادًا، وَلَا يَنْقُضُونَ عَقْدًا، فالوَفَاء بِالعَهْدِ مَعَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ هُوَ أَعْظَمُ دَعْوَةٍ لِلإِسْلَامِ،
فَمَا بَالُ بَعْضِنَا اليَوْمَ يَتَهَاوَنُ فِي المَوَاعِيدِ، وَيُمَاطِلُ فِي الدُّيُونِ، وَيَنْكُثُ فِي الوعُودِ؟ ، فإِنَّ هَذَا مِمَّا يُورِثُ الظُّلْمَةَ فِي القَلْبِ، وَالسُّخْطَ فِي السَّمَاءِ.
ألا فلِنَجْعَلْ مِنْ “الوَفَاءِ” خُلُقاً نَبْنِي بِهِ بُيُوتَنَا؛ فَالوَفَاءُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِمِيثَاقِ اللَّهِ الغَلِيظِ، وَالوَفَاءُ مَعَ الأَبْنَاءِ بِتَرْبِيَتِهِمْ، كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي عَهْدِ اللَّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (34) الاسراء، فإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَصَّانَا بِذَلِكَ لِنَتَذَكَّرَ عَظَمَتَهُ وَمُرَاقَبَتَهُ، فكُلُّ مَنْ عَاهَدْتَهُ فَقَدْ جَعَلْتَ اللَّهَ عَلَيْكَ كَفِيلاً،
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي عُهُودِكُمْ، وَاحْذَرُوا الغَدْرَ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يُنْصَبُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ بَيْنَ الخَلَائِقِ،
ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَقِيلَ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ».
فعُودُوا إِلَى رِحَابِ الصِّدْقِ، وَأَوْفُوا بِالعُقُودِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنَا فِي زُمْرَةِ الأَوْفِيَاءِ، الذِينَ مَدَحَهُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} البقرة:177.
فإِنَّ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ هُوَ عُنْوَانُ الرُّجُولَةِ، وَمِعْيَارُ التَّدَيُّنِ الصَّحِيحِ، فالمَسْؤُولِيَّةُ عَنِ العَهْدِ تَبْدَأُ مِنْ مَجَالِسِنَا البَسِيطَةِ إِلَى أَعْظَمِ المَوَاثِيقِ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَصْدُقْ فِي وَعْدِهِ، فالشَّخْصِيَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ لَا تَعْرِفُ التَّلَوُّنَ، وَلَا الكَذِبَ فِي المَوَاعِيدِ، فحِفْظ العَهْدِ مَعَ النَّاسِ هُوَ دَلِيلُ صِدْقِ العَهْدِ مَعَ رَبِّ النَّاسِ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والمتدبر لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34].
وَفي الصحيح: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ…” [رواه البخاري].
فهذا تَنْبِيهٌ يَهزُّ الوِجْدَانَ، وَيُوقِظُ الغَافِلَ؛ فَالْعَهْدُ لَيْسَ كَلِمَةً تَذْرُوهَا الرِّيَاحُ، أَوْ وَعْدًا يُنْسَى بِمُرُورِ الأَيَّامِ، بَلْ هُوَ قَضِيَّةٌ مَرْصُودَةٌ فِي دِيوَانِ الحِسَابِ، سَيُسْأَلُ عَنْهَا العَبْدُ سُؤَالًا دَقِيقًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، والمَسْؤُولِيَّةُ عَنِ العَهْدِ تَعْنِي أَنَّ كُلَّ مِيثَاقٍ قَطَعْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ، سَوَاءً كَانَ مَعَ خَالِقِكَ فِي سَاعَةِ ضَرٍّ، أَوْ مَعَ بَشَرٍ فِي لَحْظَةِ اتِّفَاقٍ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ عَلَيْهِ وَرَقِيبٌ،
وإِنَّ الَّذِي يَتَهَاوَنُ فِي عُهُودِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ يَخْدَعُ النَّاسَ، وَلَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِمُخَاصَمَةِ جَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَيُّ فَلَاحٍ يَرْجُو؟، وَأَيُّ نَجَاةٍ يَنْتَظِرُ؟.
فلِنُطَهِّرْ مُجْتَمَعَنَا مِنْ آفَةِ “خُلْفِ المَوْعِدِ” وَ “نَقْضِ المِيثَاقِ”، لِنَسْتَحِقَّ نَصْرَ اللَّهِ وَتَوْفِيقَهُ،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي عِظَمِ هَذِهِ المَسْؤُولِيَّةِ فِي “الحُقُوقِ المَالِيَّةِ“؛ فَالدَّيْنُ عَهْدٌ، وَالتِّجَارَةُ عَهْدٌ، وَالشَّرَاكَةُ عَهْدٌ، فحِينَ تَقُولُ لِأَخِيكَ: “أَقْرِضْنِي وَسَأُوَفِّيكَ فِي يَوْمِ كَذَا”، فَقَدْ جَعَلْتَ اللَّهَ كَفِيلًا، فَإِذَا حَانَ المَوْعِدُ وَأَنْتَ قَادِرٌ فَمَاطَلْتَ، فَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَ اللَّهِ،
وإِنَّ المَسْؤُولِيَّةَ عَنِ العَهْدِ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ “أَمَانَةَ المَجَالِسِ“؛ فَإِذَا عَاهَدْتَ صَاحِبَكَ أَنْ تَكْتُمَ سِرَّهُ، ثُمَّ نَطَقَ لِسَانُكَ بِهِ، فَقَدْ خُنْتَ العَهْدَ الذِي كَانَ مَسْئُولًا، فالمُسْلِمُ المَسْئُولُ يَرْجُفُ قَلْبُهُ مِنْ وَعْدٍ لَمْ يُنْجِزْهُ، وَيَسْهَرُ لَيْلَهُ لِيُؤَدِّيَ حَقًّا أَلْزَمَ بِهِ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ المَسْأَلَةَ غَدًا عَظِيمَةٌ، وَأَنَّ الحَقُوقَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ عِنْدَ اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34]. وَمِنْ أَخْطَرِ العُهُودِ الَّتِي سَنُسْأَلُ عَنْهَا: “عَهْدُ الوَلَاءِ لِلدِّينِ“؛ فلَقَدْ عَاهَدْنَا اللَّهَ حِينَ قُلْنَا “رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا” عاهدناه أَنْ نُحِلَّ حَلَالَهُ، وَنُحَرِّمَ حَرَامَهُ، فَهَلْ وَفَّيْنَا بِهَذَا العَهْدِ فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا؟، وَهَلْ وَفَّيْنَا بِهِ فِي طَهَارَةِ مَكاسِبِنَا؟، فإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَيَنْقُضُ مِيثَاقَهُ
ابْتِغَاءَ رِضَا مَخْلُوقٍ أَوْ طَمَعًا فِي جَاهٍ زَائِلٍ،
وتَذَكَّرُوا أَنَّ العَهْدَ مَسْئُولٌ عَنْهُ عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ، وَفِي ظُلْمَةِ القَبْرِ، وَعِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ، فمَنْ صَدَقَ فِي عَهْدِهِ مَعَ اللهِ، ثَبَّتَهُ اللهُ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ، وَمَنْ غَدَرَ، وُكِلَ إِلَى غَدْرِهِ وَخِيَانَتِهِ، فالوَفَاء بِالعَهْدِ هُوَ الذِي يُمَيِّزُ “الشَّخْصِيَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ” مَنِ الشَّخْصِيَّةِ النَّفْعِيَّةِ؛ فَالْمُؤْمِنُ يَفِي بِعَهْدِهِ، وَلَوْ عَلَى حِسَابِ مَصْلَحَتِهِ الخَاصَّةِ، لِأَنَّ خَوْفَهُ مِنَ السُّؤَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى مَتَاعِ الدُّنْيَا.
ولَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ (رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ) يَرَوْنَ الوَعْدَ دَيْنًا لَا يَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْهُ إِلَّا بِالأَدَاءِ، فَمَا أَحْوَجَنَا أَنْ نُحْيِيَ هَذَا المَعْنَى فِي تَعَامُلَاتِنَا؛ حِينَ نُعَاهِدُ الزَّوْجَةَ عَلَى المَعْرُوفِ، وَنُعَاهِدُ الشَّرِيكَ عَلَى الصِّدْقِ، وَنُعَاهِدُ الوَطَنَ عَلَى النَّزَاهَةِ، فإِنَّ الِالتِزَامَ بِالعَهْدِ مَسْؤُولِيَّةٌ تَرْفَعُ شَأْنَ الأُمَّةِ، وَتَجْعَلُهَا أَهْلًا لِنَصْرِ اللهِ وَتَمْكِينِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]. فإِنَّ الَّذِي يَهْرُبُ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ فِي الدُّنْيَا، لَنْ يَهْرُبَ مِنْ فَضِيحَةِ الآخِرَةِ، فالوَفَاءُ بِالعَهْدِ هُوَ حِصْنُ العِرْضِ وَزِينَةُ الوَجْهِ، فلَا خَيْرَ فِي صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ لِعَبْدٍ يَكْذِبُ فِي عُهُودِهِ، وَيَخُونُ مَوَاثِيقَهُ، فلِنَجْعَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا نَمَاذِجَ لِلصِّدْقِ؛ فَلَا نَنْطِقُ بِوَعْدٍ إِلَّا وَنَحْنُ عَازِمُونَ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ، وَلَا نُبْرِمُ عَقْدًا إِلَّا وَنَحْنُ نَخْشَى السُّؤَالَ عَنْهُ.
فاتَّقُوا اللَّهَ فِي عُهُودِكُمْ، وَأَصْلِحُوا مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ، ونَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الأَوْفِيَاءِ بِالعَهْدِ، البَارِّينَ بِالوَعْدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الغَدْرِ وَالنِّفَاقِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد (20).
(الدعاء )
