خطبة عن (يَا عِبَادِي: لاَ تَظَالَمُوا)
سبتمبر 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (نوح ودَعْوَةٌ لَا تَعْرِفُ اليَأْسَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) (59): (64) الأعراف.
إخوة الإسلام
إِنَّ قِصَّةَ نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تُعَدُّ مَنَارَةً لِلدُّعَاةِ، يَسْتَضِيئُونَ بِهَدْيِهَا فِي طَرِيقِ دَعْوَتِهِمْ ،كَمَا تُعَدُّ مَدْرَسَةً لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَإِزْهَاقِ الْبَاطِلِ، كَمَا تَعْتَبِرُ مِثَالًا يُحْتَذَىٰ بِهِ لِلْمَضِيِّ قُدُمًا فِي طَرِيقِ الثَّبَاتِ عَلَى الْمَبْدَأِ، وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ وَالصِّعَابِ، مِنْ أَجْلِ نَشْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَنَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَىٰ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَيَتَّخِذُونَ لَهَا أَسْمَاءً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الْكَلاَعِ. أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ).
فأخذ نبي الله نوح (عليه السلام) يدعو قومه بكل السبل الترغيبية والترهيبية، ليتركوا عبادة تلك الأوثان، ويعبدوا الله الواحد القهار، وأخبرهم (عليه السلام) أنه لا يبتغي من وراء ذلك أي أجر، بل هو يبتغي الأجر من الله، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (105): (110) الشعراء،
فهو عامل لله، ومبلِّغ رسالة ربه، بيد أن قومه لم يستجيبوا له، ووصفوا دعوته بالضلال، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (59): (62) الأعراف، ليس هذا فحسب، بل أصروا على كفرهم وشركهم، {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (23) نوح.
وقد مكث نوح في دعوة قومه ما يقرب الألف سنة، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (14) العنكبوت،
بيد أن قومه لم يستجيبوا لندائه، ولم يلبوا دعوته، حتى أخبره سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (36) هود.
فلما لم تنفع معهم أساليب الدعوة كافة، أغرقهم الله سبحانه، وجعلهم عبرة لمن يعتبر، كما قال تعالى: { وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} (76)، (77) الأنبياء.
وكما هي عاقبة الأمور، فإن الله نجى نوحاً والذين آمنوا معه، وأغرق الرافضين لسبيل الحق ،والمعرضين عن طريق الهدى، وجعلهم عبرة لمن بعدهم، قال تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} (116): (121) الشعراء،
وقال تعالى: (قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) هود: (48).
أيها المسلمون
وَلَقَدْ تَخَلَّلَ قِصَّةَ نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِوَارٌ بَيْنَ نُوحٍ (عليه السلام) وَابْنِهِ الْكَافِرِ، ذَٰلِكَ الِابْنُ الَّذِي أَصَرَّ عَلَىٰ كُفْرِهِ، وَأَبَىٰ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ، فَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ عَاقِبَةَ مَنْ أَصَرَّ عَلَىٰ كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ، فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَلَمْ تَنْفَعْهُ شَفَاعَةُ أَبِيهِ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَىٰ: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (42): (47) هود
أيها المسلمون
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ: الصَّبْرُ عَلَىٰ أَدَاءِ التَّكَالِيفِ الَّتِي كَلَّفَنَا اللَّهُ بِهَا، وَالصَّبْرُ عَلَىٰ أَذَى السُّفَهَاءِ وَالْجُهَلَاءِ، وَالصَّبْرُ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالصَّبْرُ عَلَىٰ صِعَابِ الْحَيَاةِ كَافَّةً.
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ الْعَاقِلَ الْحَكِيمَ، هُوَ الَّذِي يَتَلَقَّىٰ شُبُهَاتِ خَصْمِهِ وَأَكَاذِيبَهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَعَقْلٍ رَحْبٍ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهَا بِمَا يَدْحَضُهَا مِنْ قَوَاعِدِهَا.
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ: الشَّجَاعَةُ فِي إِبْدَاءِ الرَّأْيِّ، وَالْغَيْرَةُ عَلَى الْحَقِّ، وَإِفْهَامُ الْمُعْتَرِضِينَ عَلَىٰ دَعْوَتِهِ أَنَّهُ سَيَمْضِي قُدُمًا فِي طَرِيقِهِ، لَا يَلْوِي عَلَىٰ شَيْءٍ، وَلَا يَثْنِيهِ عَنْ ذَٰلِكَ وَعْدٌ أَوْ وَعِيدٌ.
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ الْعَاقِلَ، وَالدَّاعِيَ الْحَكِيمَ هُوَ الَّذِي يَسُوقُ لِغَيْرِهِ النَّصَائِحَ وَالْإِرْشَادَاتِ بِأَسَالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ، تَارَةً عَنْ طَرِيقِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَتَارَةً عَنْ طَرِيقِ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَأَحْيَانًا أُخْرَىٰ عَنْ طَرِيقِ بَيَانِ مَظَاهِرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَىٰ عِبَادِهِ.
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ: الْعَفَافُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَعَدَمُ التَّطَلُّعِ إِلَىٰ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالٍ، وَالِاسْتِخْفَافُ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَإِيثَارُ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا عِنْدَهُمْ.
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ: أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء:119-120].
وَمِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ: أَنَّ الْقَرَابَةَ وَالنَّسَبَ، وَكَذَٰلِكَ الْجَاهَ وَالْمَالَ وَالسُّلْطَانَ، لَا اعْتِبَارَ لَهَا فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، بَلِ الْعِبْرَةُ بِدَايَةً وَنِهَايَةً لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَتَصْحِيحِ الْعِلَاقَةِ مَعَ الْخَالِقِ، وَغَيْرُ ذَٰلِكَ لَا يُجْدِي عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتأملوا في ملامح دعوة نوح (عليه السلام)، ومنها: تَنوعُ الأساليبِ وإخلاصُ القصد: فيقول نوحٌ لربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) (5): (10) نوح، وَالدَّرْسُ هُنَا: أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَا يَيْأَسُ مِنَ الْخَلْقِ، وَيَبْذُلُ كُلَّ وَسِيلَةٍ مُمْكِنَةٍ لِإِيصَالِ النُّورِ لِلْقُلُوبِ.
وَمِنْ مَلَامِحِ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الثَّبَاتُ أَمَامَ السُّخْرِيَّةِ: فَحِينَ يَئِسَ الْقَوْمُ مِنْ حُجَّتِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ، وَحِينَ بَدَأَ يَصْنَعُ السَّفِينَةَ فِي مَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا بَحْرَ، كَانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَيَضْحَكُونَ، فَكَانَ رَدُّهُ بِيَقِينِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:38-39]،
فَسُخْرِيَّةُ أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَضُرُّهُ ضَجِيجُهُمْ، مَا دَامَ يَمْضِي فِي “صِنَاعَةِ سَفِينَةِ النَّجَاةِ” بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَمِنْ مَلَامِحِ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الْفَصْلُ بَيْنَ الْعَاطِفَةِ وَالْعَقِيدَةِ: وَتَجَلَّتْ عَظَمَةُ نُوحٍ فِي أَعْظَمِ مِحْنَةٍ بَشَرِيَّةٍ؛ حِينَ رَأَىٰ ابْنَهُ يَغْرَقُ، وَنَادَىٰ رَبَّهُ بِقَلْبِ الْأَبِ: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، فَجَاءَهُ الرَّدُّ الْحَاسِمُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:45- 46]. فلَقَدْ عَلَّمَتْنَا قِصَّةُ نُوحٍ أَنَّ الرَّابِطَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ “الْإِيمَانُ”، وَأَنَّ النَّسَبَ لَا يَنْفَعُ إِذَا انْقَطَعَتْ حِبَالُ التَّوْحِيدِ.
وَلَقَدْ كَانَ نُوحٌ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – “عَبْدًا شَكُورًا” كَمَا وَصَفَهُ رَبُّهُ، لَمْ يَشْكُ قِلَّةَ الْأَتْبَاعِ، وَلَمْ يَتَرَاجَعْ أَمَامَ تَهْدِيدَاتِ الْمَلَإِ، بَلْ ظَلَّ ثَابِتًا، حَتَّىٰ جَاءَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، فَانْفَجَرَتِ الْأَرْضُ عُيُونًا، وَالْتَقَتْ مَعَ مَاءِ السَّمَاءِ، لِتُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ، وَتَنْجُوَ السَّفِينَةُ بِمَنْ حَمَلَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (نوح ودَعْوَةٌ لَا تَعْرِفُ اليَأْسَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ لَمْ تَغْرَقْ فِي عُبَابِ التَّارِيخِ، بَلْ هِيَ حَاضِرَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ: فَسَفِينَةُ نُوحٍ هِيَ سَفِينَةُ النَّجَاةِ، وَهِيَ سَفِينَةُ الطَّاعَةِ، فِي زَمَنِ الْفِتَنِ، وَالْمَوْجِ الْمُتَلَاطِمِ، فَلَا نَجَاةَ لَنَا إِلَّا بِالرُّكُوبِ فِي سَفِينَةِ الشَّرِيعَةِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ فِي أَمْوَاجِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَمَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ.
وَاعْلَمُوا: أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ بَوَّابَةُ الرِّزْقِ: فَقَدْ عَلَّمَنَا نُوحٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّ الْحَلَّ لِلْأَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ يَبْدَأُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى اللَّهِ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:10-11]، وَالِاسْتِغْفَارُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَسْبِيحٍ، بَلْ هُوَ “إِصْلَاحٌ لِلْمَسَارِ” يَتْبَعُهُ فَيْضٌ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَعَلَّمَنَا نُوحٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَنَّ الصَّبْرَ طَوِيلٌ.. وَأن النَّصْرَ آتٍ: فَقَدْ يُبْطِئُ النَّصْرُ، وَقَدْ يَسْخَرُ النَّاسُ مِنْ مَبَادِئِكَ، وَلَٰكِنَّ الْعَاقِبَةَ لِمَنِ اتَّقَىٰ، فَنُوحٌ انْتَظَرَ (تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ) عَامًا، فَهَلْ نَضِيقُ نَحْنُ بِبِضْعَةِ أَعْوَامٍ؟
وَتَأَمَّلُوا فِي أَسْرَارِ هَٰذَا النِّدَاءِ الْأَخِيرِ: ﴿يَا بُنَيَّ﴾؛ إِنَّهُ أَدَبُ النُّبُوَّةِ، وَحَنَانُ الْأُبُوَّةِ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ “يَا كَافِرُ” أَوْ “يَا عَاصِي”، بَلْ نَادَاهُ بِـ ﴿يَا بُنَيَّ﴾؛ وَهِيَ صِيغَةُ تَصْغِيرٍ لِلتَّحْبِيبِ وَالْإِشْفَاقِ، فَالدَّاعِيَةُ الصَّادِقُ لَا يَيْأَسُ مِنْ هِدَايَةِ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَيَظَلُّ يَمُدُّ يَدَهُ بِالرَّحْمَةِ حَتَّىٰ تَبْلُغَ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ.
وَانْظُرُوا إِلَىٰ خَدِيعَةِ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ: فَقَدْ رَدَّ الِابْنُ بِعَقْلِيَّةٍ مَادِّيَّةٍ بَحْتَةٍ: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، لَقَدْ ظَنَّ أَنَّ الِارْتِفَاعَ الْمَادِّيَّ (الْجَبَلَ) يَحْمِيهِ مِنَ الْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ، وَهَٰذَا حَالُ الْكَثِيرِينَ الْيَوْمَ؛ يَفِرُّونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَى الْمَالِ، أَوِ الْمَنْصِبِ، أَوِ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيَنْسَوْنَ أَنَّهُ ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:43]. وَالْمَوْجُ الَّذِي حَسَمَ الْمَوْقِفَ: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. فَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فُرْصَةٌ لِمَزِيدٍ مِنَ الْجِدَالِ.. لَقَدِ انْتَهَتْ فُرْصَةُ “الرُّكُوبِ” وَبَدَأَتْ سُنَّةُ “الْإِغْرَاقِ”.
وَإِنَّ نِدَاءَ ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ يَتَكَرَّرُ فِي آذَانِنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَمَنِ الْمُسْتَجِيبُ؟، فَالسَّفِينَةُ هِيَ الْمَنْهَجُ، وَالْمَوْجُ الْيَوْمَ هُوَ مَوْجُ الشُّبُهَاتِ، وَالْإِلْحَادِ، وَالْفِتَنِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، وَالِاعْتِزَالُ عَنِ “السَّفِينَةِ” أي :(عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) يَعْنِي الْغَرَقَ الْمُؤَكَّدَ، فَلَا تُحَاوِلْ أَنْ تَحْتَمِيَ بِـ “جِبَالِ” أَهْوَائِكَ، فَلَا عَاصِمَ الْيَوْمَ إِلَّا التَّمَسُّكُ بِالْوَحْيَيْنِ.
وَعَلَّمَنَا نُوحٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَسْؤُولِيَّةُ الْآبَاءِ: فَيَا مَنْ تُنَادِي أَبْنَاءَكَ لِلصَّلَاةِ، وَلِلْحِجَابِ، وَلِلْعِفَّةِ.. أَنْتَ تُمَارِسُ دَوْرَ نُوحٍ فِي الْإِنْقَاذِ، فَلَا تَمَلَّ مِنَ النِّدَاءِ، وَكَرِّرْ ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بِرِفْقٍ وَحُبٍّ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْمَوْجُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّجَاةَ بِالتَّقْوَىٰ لَا بِالنَّسَبِ: فَلَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ مِنْ عَائِلَةٍ صَالِحَةٍ، أَوْ بَلَدٍ مُبَارَكٍ؛ فَابْنُ نُوحٍ غَرِقَ، وَزَوْجَةُ لُوطٍ هَلَكَتْ، فَالْمِيزَانُ هُوَ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]».
( الدعاء)
