خطبة عن (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)
يوليو 29, 2026خطبة عن (مَتَاعُ الدُّنْيَا وَنَعِيمُ الْآخِرَةِ)
يوليو 30, 2026الخطبة الأولى (مِنْ مَفَاتِيحِ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى ابن حبان في صحيحه: (عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من السعادة المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنئ).
إخوة الإسلام
إِنَّ أَعْظَمَ مَطْلَبٍ تَتَشَوَّفُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ، وَأَسْمَى غَايَةٍ يَرْكُضُ خَلْفَهَا بَنُو الإِنْسَانِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ، هِيَ (تَحْقِيقُ السَّعَادَةِ)، وَالبَحْثُ عَنْ مَوَاطِنِ الرَّاحَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ.
وإِنَّ السَّعَادَةَ فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ لَيْسَتْ تَرَفًا جَانِبِيًّا، بَلْ هِيَ ضَرُورَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ، يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صَلَاحُ المَرْءِ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا تَشَحَّطَتْ فِي أَوْدِيَةِ الشَّقَاءِ وَالنَّكَدِ، كَلَّتْ عَنِ العِبَادَةِ، وَتَقَاعَسَتْ عَنِ البِنَاءِ، وَعَاشَتْ فِي ظُلُمَاتِ الحَيْرَةِ وَالقَلَقِ.
وَالإِنْسَان كَيْ يَكُونَ سَعِيدًا حَقًّا، لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَفْهَمَ: أَنَّ السَّعَادَةَ نَبْعٌ يَنْبَجِسُ مِنْ دَاخِلِ القَلْبِ المَوْصُولِ بِخَالِقِهِ، وَلَيْسَتْ قِشْرَةً ظَاهِرِيَّةً، تُشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
وَمِنْ جَمِيلِ هَدْيِ الإِسْلَامِ، وَمَحَاسِنِ شَرِيعَتِهِ النَّقِيَّةِ، أَنَّهُ لَمْ يَغْفَلْ عَنْ طَبِيعَةِ الإِنْسَانِ، وَحَاجَاتِهِ المَادِّيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى طِيبِ العَيْشِ، بَلْ جَعَلَ بَعْضَ المَتَاعِ الدُّنْيَوِيِّ النَّظِيفِ، مِنْ رَوَافِدِ هَذِهِ السَّعَادَةِ وَمُبْهِجَاتِهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَجاء فِي حديث المقدمة، «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ».
فتَأَمَّلُوا هَذَا التَّوصيف النَّبَوِيَّ العَمِيقَ، لِمُقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ المُسْتَقِرَّةِ؛ فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ: هِيَ السَّكَنُ النَّفْسِيُّ، الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ المَرْءُ، بَعْدَ كَدْحِ النَّهَارِ، فإِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ.
وَأما المَسْكَنُ الوَاسِعُ: فهُوَ المَلَاذُ الَّذِي تَنْشَرِحُ فِيهِ الصُّدُورُ، وَيَجِدُ فِيهِ المَرْءُ رَاحَتَهُ، وَخُصُوصِيَّتَهُ، بَعِيدًا عَنْ ضِيقِ الأَمَاكِنِ، الَّذِي يُورِثُ ضِيقَ النُّفُوسِ.
وَأما الْجَارُ الصَّالِحُ: فهُوَ الحِمَى وَالأَمَانُ، الَّذِي يَأْمَنُ المَرْءُ بَوَائِقَهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ فِي النَّوَائِبِ وَالمُلِمَّاتِ.
وَالْمَرْكَبُ الهَنِيءُ: هُوَ الَّذِي يُبَلِّغُ به المَرْء مَقَاصِدَهُ بِرِفْقٍ وَتَيْسِيرٍ، دُونَ عَنَتٍ أَوْ مَشَقَّةٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الأسباب والوسائل الأَرْبَعَ، الَّتِي حَدَّدَهَا النَّبِيُّ الكَرِيمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، هِيَ النَّوَاةُ الأولى لِلسَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، والَّتِي تُصلح عُقَدَ التَّعَبِ، وَتُهَيِّئُ لِلْعَبْدِ بِيئَةً نَقِيَّةً، لِيَتَفَرَّغَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَالقِيَامِ بِخِلَافَتِهِ فِي الأَرْضِ، مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً، عَلَى أَنَّ دِينَنَا العَظِيمَ، يُحِبُّ لِلْمُسْلِمِ الرَّاحَةَ وَالهَنَاءَ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقَاءَ، وَالبَأْسَ، لِيَعِيشَ رَضِيًّا، مُطْمَئِنًّا.
وَتَتَّسِعُ رِحَابُ هذه السَّعَادَةِ الكُبْرَى، حِينَمَا يَلِجُ المَرْءُ بَابَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا ؛ فَإِنَّهُ المَصْدَرُ الأَوَّلُ وَالأَعْظَمُ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ الحَبْلُ المَمْدُودُ، الَّذِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ لَمْ يَضِلَّ وَلَمْ يَشْقَ بَتَاتًا.
ولَقَدْ خَاطَبَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ سيدنا (محمد) صلى الله عليه وسلم، وَأُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ، بِحَقِيقَةٍ صَارِمَةٍ، حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» طه: (2).
فَالْقُرْآنُ الكريم لَمْ يَنْزِلْ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي عَنَتِ النَّاسِ، أَوْ شَقَائِهِمْ، بَلْ نَزَلَ: لِيَكُونَ رَحْمَةً، وَنُورًا، وَهُدًى، وَسَعَادَةً غَامِرَةً، تَجْتَثُّ جُذُورَ الحُزْنِ مِنَ القُلُوبِ.
وإِنَّ العَبْدَ الَّذِي يَعِيشُ مَعَ كِتَابِ رَبِّهِ، يَتْلُو آيَاتِهِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَيُطَبِّقُ أَحْكَامَهُ فِي سُلُوكِهِ الحَيَاتِيِّ، لَا يَعْرِفُ الشَّقَاءُ إِلَى نَفْسِهِ سَبِيلًا، بَلْ يَتَقَلَّبُ فِي نَعِيمٍ رُوحِيٍّ، لَا يُقَادَرُ بِقَدْرٍ؛ لِأَنَّ القُرْآنَ يُعِيدُ صِيَاغَةَ نَظْرَةِ الإِنْسَانِ لِلْكَوْنِ وَالحَيَاةِ، وَيَمْلَأُ فُؤَادَهُ بِالرِّضَا النَّقِيِّ، وَالثِّقَةِ بِمَوْعُودِ اللهِ، فَيَسْعَدُ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ، وَيَطْمَئِنُّ لِقَضَاءِ رَبِّهِ وَقَدَرِهِ، فَيَكُونُ حَالُهُ هُوَ حَالُ السَّعِيدِ الحَقِيقِيِّ، الَّذِي فَازَ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (مِنْ مَفَاتِيحِ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ لِلسَّعَادَةِ طُرُقًا مَوْصُولَةً، وَأَسْبَابًا مَشْرُوعَةً، يَجِبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا، لِيَنَالَ هَذَا المَقَامَ الرَّفِيعَ فِي الدَّارَيْنِ؛
وَإِنَّ جِمَاعَ هَذِهِ الأَسْبَابِ، وَأُسَّهَا المَتِينَ، هُوَ: (الإِيمَانُ الصَّادِقُ)، المَقْرُونُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهُوَ المِفْتَاحُ الإِلَهِيُّ، الَّذِي يَفْتَحُ أَقْفَالَ الصُّدُورِ، وَيَجْلِبُ الحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ النَّدِيَّةَ، كَمَا وَعَدَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ حَيْثُ قَالَ تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» النحل: (97).
فَالحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالأَجْرُ الحَسَنُ فِي الآخِرَةِ، هُمَا عَيْنُ السَّعَادَةِ الَّتِي لَا تَبِيدُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ أَيْضًا: (دَوَامُ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى)؛ فَإِنَّ القَلْبَ المَعْمُورَ بِالتَّسْبِيحِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، يَنْفِي عَنْهُ كُلَّ كَدَرٍ، وَيَطْرُدُ عَنْهُ وَسَاوِسَ المَخَاوِفِ، وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» الرعد: (28).
وَيَنْضَمُّ إِلَى هَذِهِ الأَسْبَابِ: (سَلَامَةُ الصَّدْرِ) مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ، وَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَالقَنَاعَةُ بِمَا قَسَمَ الرَّحْمَنُ مِنَ الرِّزْقِ؛ فَإِنَّ المَرْءَ إِذَا رَزَقَهُ اللهُ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَنَاعَةً رَاسِخَةً، فَقَدْ حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ أَيْضًا: الرضا والقناعة: فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ».
فَاجْعَلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ حَيَاتَكُمْ مَحْضِنًا لِهَذِهِ الأَسْبَابِ الشَّرِيفَةِ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، وَأَصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ، بِمَا يُعِينُكُمْ عَلَى أُخْرَاكُمْ، لِتَفُوزُوا بِالسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ.
الدُّعَاءُ
