خطبة عن (مِنْ مَفَاتِيحِ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ)
يوليو 30, 2026الخطبة الأولى (مَتَاعُ الدُّنْيَا وَنَعِيمُ الْآخِرَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) (14): (17) آل عمران.
إخوة الاسلام
إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ قَدْ جُبِلَتْ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْمَحْسُوسَاتِ، وَالشَّغَفِ بِالْمُلَذَّاتِ، وَالْمَيْلِ إِلَى زِينَةِ الْأَرْضِ.
وَهَذَا التَّعَلُّقُ لَيْسَ أَمْرًا خَارِجًا عَنْ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ، بَلْ هُوَ ابْتِلَاءٌ رَبَّانِيٌّ، قَدَّرَهُ اللهُ، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ مِنْ (سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ)، يَضَعُ لَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِيزَانًا دَقِيقًا، لِلْمُقَارَنَةِ بَيْنَ (مَتَاعِ الدُّنْيَا) الزَّائِلِ، (وَنَعِيمِ الْآخِرَةِ) الْبَاقِي.
وَنَقِفُ أَوَّلًا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ مَعَ اللَّفْتَةِ الْبَيَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.
حَيْثُ جَاءَ الْفِعْلُ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ (مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ)؛ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ بَلِيغَةٌ؛
فَالْمُزَيِّنُ هُنَا قَدْ يَكُونُ هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (خَلْقًا، وَتَقْدِيرًا لِلِابْتِلَاءِ)،
وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْطَانُ: (وَسْوَسَةً، وَإِغْوَاءً) لِيَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ الطَّاعَةِ.
وَبِنَاءُ الْفِعْلِ (لِلْمَجْهُولِ) يَجْعَلُ التَّرْكِيزَ كُلَّهُ مُنْصَبًّا عَلَى عَمَلِيَّةِ “التَّزْيِينِ” نَفْسِهَا، لِيَنْتَبِهَ
الْإِنْسَانُ إِلَى أَنَّ مَا يَرَاهُ، لَيْسَ هُوَ الْحَقِيقَةَ الْمُطْلَقَةَ، بَلْ هُوَ غِلَافٌ، زَيِّنَتْهُ يَدُ الِاخْتِبَارِ.
وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ (فَصَّلَتِ) الْآيَةُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، الَّتِي تَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ؛ فَبَدَأَتْ بِالنِّسَاءِ، لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ، ففي الصحيحين: (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»
ثُمَّ ثَنَّتْ بِـالْبَنِينَ لِمَا فِيهِمْ مَنِ الْقُوَّةِ وَالْفَخْرِ، وَامْتِدَادِ الْأَثَرِ.
ثُمَّ ذَكَرَتْ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْقَنَاطِيرُ الْمُقَنْطَرَةُ هِيَ الْأَمْوَالُ الْمُتَرَاكِمَةُ، الَّتِي جُمِعَتْ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، لِلِادِّخَارِ وَالتَّنَعُّمِ.
ثُمَّ أَتْبَعَتْهَا بِـالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ: وَهِيَ الْخَيْلُ الْمُطَهَّرَةُ الْحِسَانُ، وَالَّتِي تُمَثِّلُ فِي عَصْرِنَا هَذَا، أَرْقَى وَسَائِلِ الرُّكُوبِ، وَالْمَرَاكِبِ الْفَاخِرَةِ.
ثُمَّ الْأَنْعَامِ: مِنَ: (الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ)،
وَأَخِيرًا الْحَرْثِ: وَهُوَ الزَّرْعُ، وَالْأَرْضُ الْمُثْمِرَةُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَكِنْ، انْظُرُوا كَيْفَ زُيِّلَتِ الْآيَةُ بِتَعْقِيبٍ، يَكْسِرُ حِدَّةَ هَذَا الِافْتِتَانِ، وَيُعِيدُ الْإِنْسَانَ إِلَى رُشْدِهِ: فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
لَقَدْ وُصِفَتْ كُلُّ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْعَظِيمَةِ، بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: ﴿مَتَاع﴾؛ وَالْمَتَاعُ: هُوَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسَافِرُ، نَفْعًا قَلِيلًا، ثُمَّ يَزُولُ وَيَنْقَطِعُ.
إِنَّهُ مَتَاعُ دُنْيَا دَنِيَّةٍ، فِيهَا الْغَصَصُ وَالْأَكْدَارُ، بَيْنَمَا الْعَوْدَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَالْمَرْجِعُ الْجَمِيلُ، لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ اللهِ، الَّذِي بِيَدِهِ الْبَقَاءُ، وَالْخُلُودُ، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مَتَاعُ الدُّنْيَا وَنَعِيمُ الْآخِرَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وبَعْدَ أَنْ صَغَّرَتِ (الْآيَةُ الْأُولَى) شَأْنَ الدُّنْيَا، وَجَعَلَتْهَا كُلَّهَا “مَتَاعًا“،
يَنْتَقِلُ السِّيَاقُ إِلَى أُسْلُوبٍ نَفْسِيٍّ مَهِيبٍ، مَلِيءٍ بِالتَّشْوِيقِ، وَالدَّفْعِ إِلَى الْعَمَلِ؛ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾.
إِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ لِلتَّشْوِيقِ؛ يُثِيرُ فُضُولَ الْعَقْلِ، وَيَسْتَفِزُّ هِمَّةَ السَّامِعِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ التَّامَّةِ لِيَعْرِفَ: مَا هُوَ هَذَا الْخَيْرُ الَّذِي يَفُوقُ النِّسَاءَ، وَالْبَنِينَ، وَالذَّهَبَ، وَالْفِضَّةَ، وَالْخَيْلَ الْمُسَوَّمَةَ، والأنعام، والحرث؟.
وَيَأْتِي الْجَوَابُ الشَّافِي كَالسَّلْسَبِيلِ، لِيُرَتِّبَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ لِأَصْحَابِ الْقُلُوبِ الْحَيَّةِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾.
وتَأَمَّلُوا هَذَا النَّعِيمَ الْمُقَابِلَ لِمَتَاعِ الدُّنْيَا:
فمُقَابِلَ الْأَرْضِ وَالْحَرْثِ الزَّائِلِ: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، لَا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهَا، وَلَا يَجِفُّ مَاؤُهَا.
وَمُقَابِلَ عُمْرِ الدُّنْيَا الْقَصِيرِ، الَّذِي يَهْدِمُهُ الْمَوْتُ: الْبَقَاءُ الْأَبَدِيُّ، (خَالِدِينَ) فِيهَا.
وَمُقَابِلَ النِّسَاءِ فِي الدُّنْيَا، اللَّاتِي يَعْتَرِيهِنَّ النَّقْصُ، وَالْمَرَضُ، وَالْكَبَرُ: (أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) مِنَ الدَّنَسِ، وَالْأَذَى، وَسُوءِ الْخُلُقِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ثُمَّ يَأْتِي الْقَاسِمُ الْمُشْتَرِكُ، وَأَعْظَمُ النَّعِيمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، الَّذِي تَصْغُرُ عِنْدَهُ الْجِنَانُ وَالْقُصُورُ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. فَلَا يَخَافُ بَعْدَهُ الْعَبْدُ سَخَطَ رَبِّهِ أَبَدًا، بَلْ يَحْيَا فِي جِوَارِ الرَّحْمَنِ، آمِنًا مُطْمَئِنًّا. ففي سنن ابن ماجه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ». قَالُوا نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
وفي صحيح مسلم: (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا». فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)،
وفي الصحيحين: (قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
ثُمَّ تُذَيَّلُ هَذِهِ الْآيَةُ بِخِتَامٍ مُنَاسِبٍ، يَزْرَعُ الْهَيْبَةَ فِي الْقُلُوبِ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
أَيْ أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى سَرَائِرِكُمْ، ويَعْلَمُ مَنْ تَعَلَّقَ بِالْمَتَاعِ الْفَانِي، وَمَنْ زَهِدَ فِيهِ، طَلَبًا لِمَا عِنْدَهُ، فَيُجَازِي كُلَّ عَبْدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلِأَنَّ هَذَا النَّعِيمَ الْعَظِيمَ لَا يُنَالُ بِالْأَمَانِيِّ، بَلْ بِالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصالح، والأخلاق الحسنة، فَقَدْ كَشَفَتِ الْآيَاتُ التَّالِيَةُ، عَنْ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَخْلَاقِهِمُ، الَّتِي أَهَّلَتْهُمْ لِهَذَا الْمَقَامِ؛ فَهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: فهم يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ، مُقِرِّينَ بِإِيمَانِهِمْ، طَالِبِينَ لِلْمَغْفِرَةِ، وَالْوِقَايَةِ مِنَ الْعَذَابِ، بَعْدَمَا قَدَّمُوا الطَّاعَاتِ.
وهم ﴿الصَّابِرِينَ﴾: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَصَبَرُوا عَنْ مَعَاصِيهِ، وَصَبَرُوا عَلَى أَقْدَارِهِ الْمُؤْلِمَةِ فَلَمْ يَجْزَعُوا.
وهم ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾: فِي أَقْوَالِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ، وَنِيَّاتِهِمْ، فَلَا رِيَاءَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَا كِذْبَ فِي سُلُوكِهِمْ وأقوالهم.
وهم ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾: الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ، الْخَاشِعِينَ لَهُ، الْمُدَاوِمِينَ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي كُلِّ حِينٍ.
وهم ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾: الَّذِينَ لَمْ تَسْتَعْبِدْهُمُ الْقَنَاطِيرُ الْمُقَنْطَرَةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، بَلْ جَعَلُوا الْمَالَ فِي أَيْدِيهِمْ، لَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَبَذَلُوهُ فِي مَرْضَاةِ اللهِ، وَعَوْنِ الْفُقَرَاءِ.
وهم ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: تِلْكَ الْفِئَةُ النَّادِرَةُ، الَّتِي قَامَتْ بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا شَارَفَ اللَّيْلُ عَلَى الِانْتِهَاءِ (فِي وَقْتِ السَّحَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ)، جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، كَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ مَعَاصٍ!، فَلَمْ يَغْتَرُّوا بِقِيَامِهِمْ، بَلْ خَتَمُوا صَالِحَ أَعْمَالِهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ بِمِيزَانِ هَذِهِ الْآيَاتِ؛ فَلَا تَجْعَلُوا الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّكُمْ، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِكُمْ، وَاجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ ذَلِكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ، وَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ السَّابِقِينَ.
الدُّعَاءُ
