خطبة عن (من فضائل الإصلاح بين الناس)
سبتمبر 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عِصْمَةُ النَّبِيِّ وَاصْطِفَاؤُهُ الإِلَهِيُّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري في صحيحه: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا – صلى الله عليه وسلم -).
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:75]، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4].
فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَاصْطَفَاهُ عَلَى البَشَرِيَّةِ جَمِيعِهَا، وَحَفِظَهُ وَعَصَمَهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَدَنَسٍ، صَغِيرًا وَكَبِيرًا، قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، الَّتِي تَشْهَدُ بِهَذَا الحِفْظِ الإِلَهِيِّ المبَكِّرِ لِجَسَدِهِ الشَّرِيفِ، وَأَخْلَاقِهِ المُنِيفَةِ، مَا رَوَاهُ الإِمَامَانِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
فتَدَبَّرُوا هَذَا المَشْهَدَ العَظِيمَ، الَّذِي وَقَعَ أَبَّانَ بِنَاءِ الكَعْبَةِ، وقَبْلَ البِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَوَاتٍ؛ فكَانَتِ العَادَةُ الِجَاهِلِيَّةُ المُسْتَقِرَّةُ بَيْنَ الرِّجَالِ: أَنْ يَكْشِفُوا أُزُرَهُمْ، لِيَضَعُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، لتَقِيَهُمْ حَرَّ الحِجَارَةِ وَثِقَلَهَا، فَلَمَّا أَرَادَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، بِمَشُورَةِ عَمِّهِ العَبَّاسِ، تَدَخَّلَتِ العِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ المُبَاشِرَةُ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ الرُّعْبُ، أَوْ المَلَكُ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أفَاَقَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ يَقُولُ: «إِزَارِي، إِزَارِي»، فَشُدَّ عَلَيْهِ إِزَارُهُ، وَمَا رُئِيَتْ لَهُ عَوْرَةٌ قَطُّ بَعْدَهَا. وَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى طَهَّرَهُ وَعَصَمَهُ مُنْذُ صِغَرِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَتَتَجَلَّى مَظَاهِرُ هَذَا الاصْطِفَاءِ فِي مَحَاوِرَ جَلِيلَةٍ، ومنها:
أَوَّلًا: دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، وَالحِفْظِ فِي طُفُولَتِهِ وَشَبَابِهِ، (قَبْلَ الرِّسَالَةِ): يقول صلى الله عليه وسلم: (خرجتُ من نكاحٍ ولم أخرجْ من سفاحٍ من لدن آدمَ إلى أن ولدَني أبي وأمي لم يصبْني من سفاحِ الجاهليةِ شيءٌ) صححه الألباني.
وفي صحيح ابن حبان: (عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله منهما قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهلنا نرعاها أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير قلت ما هذا قالوا فلان تزوج فلانة لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فأخبرته ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك فخرجت فسمعت مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس ثم رجعت إلى صاحبي فقال لي ما فعلت فقلت ما فعلت شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما هممت بعدهما بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته).
فلَمْ يَعِشْ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) طُفُولَةً وَلَا شَبَابًا كَبَقِيَّةِ أَبْنَاءِ الجَاهِلِيَّةِ؛ بَلْ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ النُّبُوَّةِ مُنْذُ وِلادَتِهِ، وَفِي دِيَارِ بَنِي سَعْدٍ، حِينَ حَلَّتِ البَرَكَةُ الشَّامِلَةُ فِي بَيْتِ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ: فِي غَنَمِهَا، وَلَبَنِهَا وَعَيْشِهَا.
ثُمَّ تَنَزَّلَتِ الرِّعَايَةُ الإِلَهِيَّةُ بِحَادِثَةِ (شَقِّ الصَّدْرِ فِي صِغَرِهِ)؛ فِفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: «هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ»، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ).
وَهَكَذَا نَشَأَ النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَعْصُومًا عَنْ كُلِّ آثَامِ الجَاهِلِيَّةِ وَسَفَاسِفِهَا؛ فَلَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا قَطُّ، وَلَمْ يَشْهَدْ لَهْوًا وَلَا غِنَاءً، وَلَمْ يَقْرَبِ الزِّنَا أَوْ الشُّبُهَاتِ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ، وَلَمْ يَحْلِفْ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، بَلْ بَغَّضَ اللهُ إِلَيْهِ الأَوْثَانَ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ فِـي غَارِ حِرَاءٍ يَتَعَبَّدُ اللَيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، وَلَقَّبَهُ قَوْمُهُ بـ “الصَّادِقِ الأَمِينِ” لِعَظِيمِ مَا رَأَوْا مِنْ شَرَفِ خُلُقِهِ وَطَهَارَةِ جَوْهَرِهِ.
ثَانِيًا: العِصْمَةُ وَالنَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ (بَعْدَ الرِّسَالَةِ): فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ وَبَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، تَكَفَّلَ اللهُ بِحِمَايَتِهِ مِنَ كَيْدِ الكَافِرِينَ، وَمَكْرِ الـمُشْرِكِينَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:67].
فَكَمْ حَاوَلُوا قَتْلَهُ، وَكَمْ تَبِعُوهُ فِي الهِجْرَةِ وَالمَعَارِكِ، فَرَدَّ اللهُ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْهَا؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:40].
وَكَانَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مُجَابَ الدَّعْوَةِ، حَبِيبًا إِلَى رَبِّهِ، إِذَا سَأَلَ أَعْطَاهُ، وَإِذَا دَعَا أَجَابَهُ. ففي صحيح البخاري: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- رضي الله عنهما- قَالَ عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالنَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ ، فَقَالَ «مَا لَكُمْ». قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلاَ نَشْرَبُ إِلاَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً).
وفي مسند أحمد: في قصة حديث إسلام ومكاتبة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه: (… ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- بَدْرٌ وَأُحُدٌ – قَالَ – ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- «كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ». فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلاَثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ «أَعِينُوا أَخَاكُمْ». فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلاَثِينَ وَدِيَّةً وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَالرَّجُلُ بِخَمْسِ عَشْرَةَ وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاَثُمِائَةٍ وَدِيَّةٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- «اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا فَإِذَا فَرَغْتَ فَائْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ». فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَىَّ الْمَالُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي فَقَالَ «مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ». قَالَ فَدُعِيتُ لَهُ فَقَالَ «خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ». فَقُلْتُ وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَهِ مِمَّا عَلَيَّ قَالَ «خُذْهَا فَإِنَّ اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ». قَالَ فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ وَعُتِقْتُ فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَهِ -صلى الله عليه وسلم- الْخَنْدَقَ ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ).
وَمِنْ بَاهِرِ هَذَا الإِكْرَامِ الإِلَهِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَلَّعُ إِلَى القِبْلَةِ، فَأَرْضَاهُ اللهُ بِمَا يُحِبُّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:144]. حَتَّى قَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لَمَّا رَأَتْ سُرْعَةَ إِجَابَةِ اللهِ لَهُ: «مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ» [صَحِيحُ البُخَارِيِّ]؛ أَيْ فِي مَرْضَاتِكَ وَمَا تُحِبُّ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (عِصْمَةُ النَّبِيِّ وَاصْطِفَاؤُهُ الإِلَهِيُّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن وَاجِبُنا فِي الاِقْتِدَاءِ وَصِيَانَةِ العَوْرَاتِ: فإِنَّ دِرَاسَةَ عِصْمَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ثَنَاءِ حَسَنٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ عَمَلٍ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَبْغِي النَّجَاةَ، ومنها:
الوُجُوبُ العَمَلِيُّ لِسَتْرِ العَوْرَاتِ الجَسَدِيَّةِ: فإِذَا كَانَ اللهُ قَدْ حَمَى جَسَدَ نَبِيِّهِ مِنَ التَّكَشُّفِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَعَمَّدُونَ كَشْفَ العَوْرَاتِ فِي زَمَانِنَا؟!.
فيَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ وَالمُسْلِمَةِ الالتِزَامُ التَّامُّ بِاللِّبَاسِ السَّاتِرِ فِي الشَّوَارِعِ وَالمَجَالِسِ وَالمَسَابِحِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلاَ المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ».
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» .
ومنها: صِيَانَةُ العَوْرَاتِ المَعْنَوِيَّةِ وَسَتْرُ العُيُوبِ: فكَمَا نَصُونُ الأَجْسَادَ عَنِ التَّكَشُّفِ، يَجِبُ أَنْ نَصُونَ المَسْتُورِينَ مِنَ الـمُسْلِمِينَ، فَلَا نَتَجَسَّسْ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْشُرْ زَلَّاتِهِمْ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ عَبْرَ الـمَنَصَّاتِ؛ قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور:19].
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَأَسَّوْا بِنَبِيِّكُمْ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي حَيَائِهِ، وَسَتْرِهِ، وَطَهَارَةِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَاحْفَظُوا عَوْرَاتِكُمُ الجَسَدِيَّةَ وَالمَعْنَوِيَّةَ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّتْرِ وَالمَغْفِرَةِ.
الدُّعَاءُ
