خطبة عن (مَتَاعُ الدُّنْيَا وَنَعِيمُ الْآخِرَةِ)
يوليو 30, 2026خطبة عن (مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ)
أغسطس 1, 2026الخطبة الأولى ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (10) ،(11) لقمان
إخوة الإسلام
هذا الكون الواسع الفسيح ،وكل ما فيه من مجرات ونجوم وكواكب ،وما فيه من جبال وبحار ، وانسان وحيوان ونبات ،كل ذلك هو من خلق الله جل شأنه، وعظمت قدرته ،وعلى الرغم مما توصلت إليه البشرية من تقدم في العلم والتكنولوجيا ،إلا أن العلماء لم يستطيعوا أن يحددوا حدود هذا الكون وحجمه واتساعه ،ولم يكتشفوا جميع أنواع الكائنات والمخلوقات الموجودة على كوكب الأرض ،سواء على اليابسة أو في البحار ،فلا أحد يعلم ما في هذا الكون سوي الله سبحانه وتعالى ،فهو خالقه ومدبره ومحصيه ،
واليوم -إن شاء الله تعالى- نتناول هذه الآية من كتاب الله العزيز ،والتي يبين الله تعالى لنا فيها قدرته على الخلق ،وأنه سبحانه وتعالى هو الخالق ولا خالق غيره ،فيقول سبحانه وتعالى : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (11) لقمان ،ففي التفسير الميسر قال : (وكل ما تشاهدونه هو خلق الله، فأروني- أيها المشركون-: ماذا خلقت آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟ ،بل المشركون في ذهاب بيِّن عن الحق والاستقامة) ، ويقول الطبري :(هذا خلق الله الذي له ألوهة كل شيء، وعبادة كل خلق، الذي لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، فأروني أيها المشركون في عبادتكم إياه من دونه من الآلهة والأوثان، أي شيء خلق الذين من دونه من آلهتكم وأصنامكم، حتى استحقت عليكم العبادة فعبدتموها من دونه؟ كما استحقّ ذلك عليكم خالقكم، وخالق هذه الأشياء التي عددتها عليكم) ، ويقول السعدى في تفسير:{فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} أي: الذين جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، ليصح ما ادعيتم فيهم من استحقاق العبادة. ومن المعلوم أنهم لا يقدرون أن يروه شيئا من الخلق لها، لأن جميع المذكورات، قد أقروا أنها خلق اللّه وحده، ولا ثَمَّ شيء يعلم غيرها، فثبت عجزهم عن إثبات شيء لها تستحق به أن تعبد. ولكن عبادتهم إياها، عن غير علم وبصيرة، بل عن جهل وضلال، وفي الوسيط لطنطاوي يقول :فالمقصود بهذه الآية الكريمة تحدى المشركين ، وإثبات أنهم في عبادتهم لغير الله قد تجاوزوا كل حد في الجهالة والضلالة .
أيها المسلمون
هكذا يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أنه سبحانه إله كل شيء ،ويذكر للناس في هذه الآية كيف خلق كل شيء ,وأن كل شيء خُلق لعبادته ,والذي ليس يصلح للعبادة غيره ولا تجوز لغيره ,فالذين يعبدون من دون الله أوثانا وأصناما لم تخلق شيئا ،وليست من الألوهة في شيء ،وليست جديرة بالعبادة ،إنما ظلموا أنفسهم ،وما عبدوها إلا ضلالا من أنفسهم , فهذه الآيةٌ ترتقي بسامعِها ومتأمِّلها ومتدبِّرها في رحاب مسألةِ رؤية الخلق ،من النظرِ إليها نظرَ العابرِ المنشغل اللاهي الظالم الضالِّ، إلى نظر المتأمل الواعي ،المتوقِّف المدقق المتمعِّن، وفي هذه الآية الكريمة يتجلَّى أسلوبٌ توجيهيٌّ تعليمي بديعٌ، يدفع السامعَ المتأمِّل إلى تدقيق النظر في مسألة الخلق من النظر غير الدقيق السطحيِّ العابر، إلى النظر العميقِ الجدِّيِّ العاقل المتوقف ،حيث أخبرنا الحقُّ سبحانه وتعالى عن حقيقةِ مسألة الخلق، فما نلاحظه ونعاينُه ونشاهده ونراه من خلقٍ هو خلقُ اللهِ تعالى ،وكان هذا الخبرُ تمهيدًا للولوج بالسامع الناظرِ المتأمل لهذه الآية إلى عُمْق هذه المسألة، فكان السؤال :﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ (لقمان: 11) ؟ ،وهذا السؤال يجب علينا أن نتأمَّله، ونتدارسَه، ونراه، ونقف عنده ،فالإنسان عند معاينتِه ورؤيته ومشاهدته وملاحظته وإدراكه لموجوداتٍ وأشياءَ لا يستطيع هو أن يأتيَ بمثلِها ،أو يُوجِدَ مِثلَها؛ فهو عاجزٌ محدودُ القدرة أمام فعل الإيجاد وحركة الخلق تلك؛ فيعبِّر ويترجم فهمَه وإدراكه وملاحظته لذلك بقوله (لا إله إلا الله ،ولا خالق ولا معبود سواه) ،يقول الله تعالى 🙁وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (61) :(63) العنكبوت ،وقال الله تعالى 🙁وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (38) الزمر ،وقال الله تعالى 🙁وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (9) :(12) الزخرف
أيها المسلمون
إن القرآن الكريم يواجه المنكرين لوجود الخالق سبحانه وتعالى، ويلفت الملحدين والكافرين والمشركين إلى قدرة الله في الخلق، وقد نَوَّع من أساليبه في الرد عليهم، وتفنيد حججهم وبراهينهم، وقَدَّمَ القرآن الكريم لنا نماذج باهرة من أساليبه، فهو يستخدم الوجود كله كوسائل إيضاح ،لييسر للناس فهم مقاصده، وإدراك أهدافه، فأنتم أيها المنكرون لوجود الخالق ، تنظرون إلى السماء ،فهل ترون لها أعمدة تحملها ،فلماذا لم تتساءلوا عن القوة التي تحملها، والإرادة التي تحول بينها وبين السقوط علينا؟، وها هو الماء يتسلل من بين جنباتها، وينزل ماءً طهورًا، فتحيا به الأرض من بعد موتها، فتنبت الزروع حدائق ذات بهجة، من فعل كل هذا؟! ،ومن يَسَّر للنبات عناصر الغذاء ،وأمده بالماء لتهتز الأرض وتربو وتنبت الزروع والثمار، فيأكل منها الناس والأنعام، فنقول لمن ينكر كل هذا.. (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )؟ ،
ونقول لهؤلاء المعاندين: اقرأوا وتدبروا آيات الله تعالى في الآفاق وفي أنفسكم، يقول سبحانه وتعالى: « سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (36) :(40) يس، انظروا إلى هذه الآيات وتدبروا معانيها، إنها حقائق علمية لا يجادل فيها العقل الراشد فوق أنها حقائق إلهية ، لا يتطرق إليها الشك، وأنها ماثلة لكل من ألقى السمع وهو شهيد ، فهذا الإحكام ،وهذه الرتابة: فالشمس والقمر لا ينبغي لأحدهما أن يدرك الآخر إذ لو حصل ذلك لتم دمار الوجود، ولكن الله تعالى قَدَّر لكل واحد منهما فلكا خاصا به، وكل يسبح في فلكه ولا يتعارض هذا مع هذا إلى أن يأذن الله تعالى بنهاية هذا الوجود، والدليل على ذلك أنه منذ أن خلق الله تعالى هذا الوجود وهو على هذه الهيئة من الإحكام والرتابة ولم يطرأ عليه أي تغيير، فمن الذي وضع نواميسه، وسَنَّ سننه أليس هو خالق هذا الوجود المتحكم فيه، المتصرف في شؤونه سبحانه وتعالى؟! ونقول للمنكرين لكل هذا الإحكام: « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ »؟!، ويقول الله تعالى: « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (40) الروم ،إنه تحدّ مباشر لمن يشرك بالله تعالى، ويتخذ من دونه أولياء لا سلطان ولا دليل لهم على ذلك ،فهو سبحانه وتعالى الخالق، وهو سبحانه وتعالى الرازق، وهو جل جلاله الذي يميت ويحيي، مَن إله غيره، ومَن ربٌّ سواه يفعل كل ذلك، ويقدر عليه؟! « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ».
ويا أيها المنكر لوجود الله، وأيها المشرك معه إلهًا آخر، هل قرأت قوله تعالى:« أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ» (65) ،(66) الحج ،ألم تَر كل هذه الآيات الباهرات؟! فمَن يمسك السماء أن تقع على الأرض، وأنتم ترونها بغير عمد أليس هو الله تعالى؟! من سخر لكم ما في الأرض، وتفضل عليكم بنعمه ظاهرة وبَاطِنَة أليس هو الله جل جلاله؟! ومن يحييكم ثم يميتكم ثم يحييكم؟ ،هل هناك إله آخر ادعى ذلك ولم يعارضه معارض؟.. أيها المنكر الملحد «هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ».
واعلموا أن الخصم لا يستنهض همة خصمه، ولا يشجعه على الاستعانة بمن شاء ،لو لم يكن واثقًا تمام الثقة من صحة دعواه، وانظروا وتأملوا كيف يوقظ القرآن الكريم الملحدين، ويدعوهم إلى النظر في الآفاق وفي الأنفس نظر بصيرة لا بصر، فيقول لهم سبحانه: « أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (30) : (33) الأنبياء.. « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ونحن نقول للملحدين : مَن خلق السماوات والأرض؟! ومَن أجرى الرياح رخاءً؟! ومن ساق السحب المحملة بالماء الطهور إلى الأرض العطشى، ومن الذي أنزل المطر فاستيقظت الأرض من سباتها، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج؟! ومن زين السماء بالنجوم، وجعلها رجومًا للشياطين؟! ومن فطر السماء.. ومن نثر الكواكب.. ومن فجَّرَ البحار.. « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » ،ومن خلق الإنسان ،ومم خلق؟ ألم يخلقه من ماء مهين.. ألم يخرجه من بين الصلب والترائب، أليس هو سبحانه على رجعه لقادر، قال سبحانه: « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ» الطارق(5) :(10).. « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ».،ومن الذي يسقينا من بُطُون الأنعام من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين أليس هو الله سبحانه: « وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (66) :(69) النحل ، .. « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ». ومن أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر وَمِمَّا يعرشون.. أليس هو الله سبحانه وتعالى؟! من جعلها تجمع الرحيق من كل زهرة ووردة، ثم تستخرج منه عسلا مصفى فيه شفاء للناس؟! أليس هو الله تعالى.. « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ »؟!
وبعد، فإن آيات الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس لا حصر ولا عد لها، وعلى الملحدين ، أن يجيبوا عن أسئلة القرآن الكثيرة التي تتحداهم، وتكشف سوءاتهم العلمية والمعرفية، وهي أسئلة تحدى بها القرآن الكريم من سبق من الأمم ولم تستطع أمة أن تفند دعواه، أو تقيم البرهان على خلاف ما يدعو إليه، بل إن الأيام والوقائع لتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه الحق الذي لا مراء فيه، وأن ما يقوله ويدعو إليه هو الأقوم، قال تعالى:« إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» (9) ،(10) الإسراء، « هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » لقمان ( 11)
أيها المسلمون
إن آثار عظمة الله تتجلى في مخلوقاته ،فيا من قدمتم كلمة غيره على كلماته ،وأطعتم غيره في غير طاعته ،وعظمتم أعداءه ،ووقرتم مناهج تعادي رسالته : فأين آثار عظمة هؤلاء الذين قدمتموهم على الله؟ وأين هم من خلق السماء بلا عمد؟ وأين هم من تلك الرواسي التي تحفظ الأرض من الميل والاهتزاز وتجبرها على الاستقرار والثبات ؟ وأين هم من كل تلك المخلوقات التي أولها أنا وأنت أيها الإنسان ؟ وأين هم من تلك الأجرام السماوية الهائلة ،وأين هم من هذا الماء النازل من السماء ليحيي الأرض ؟ وأين هم من تلك الثمار اليانعة بألوانها المبهجة، وروائحها المنعشة ؟ هذا خلق الله ،فماذا خلق وقدم لنا هؤلاء الذين قدمتموهم على الله ؟ فالذين جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، الدعاء
