خطبة عن (نُبَايِعُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
سبتمبر 27, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (كيف نربي أبناءنا؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم :6]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ… وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ تَرْبِيَةَ الأَبْنَاءِ فِي زَمَانِنَا هَذَا، لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ نَافِلَةٍ، بَلْ هِيَ “جِهَادٌ كَبِيرٌ”، وَمَسْؤُولِيَّةٌ تَنُوءُ بِحَمْلِهَا الجِبَالُ، فلَيْسَتِ التَّرْبِيَةُ أَنْ تَمْلأَ بُطُونَهُمْ طَعَاماً، أَوْ تُوَفِّرَ لَهُمْ أَفْخَرَ اللِّبَاسِ، فَهَذِهِ “رِعَايَةٌ” تَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الكَائِنَاتِ، أَمَّا “التَّرْبِيَةُ”: فَهِيَ صِنَاعَةُ العَقْلِ، وَتَهْذِيبُ الرُّوحِ، وَغَرْسُ القِيَمِ، وَرَبْطُ القَلْبِ بِخَالِقِهِ.
وإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُجِيبَ عَلَى السُؤَالِ: “كَيْفَ نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا؟”، فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء:
ومنها: التربيةُ بِالقُدْوَةِ: فَلَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ، فكُنْ صَادِقًا، فسيَتَعَلَّمُ أولادك الصِّدْقَ، وكُنْ مُصَلِّيًا، فسيَتَعَلَّمُون الصَّلَاةَ، واحذر أن تكون كاذبا، فيتعلمون الكذب، ففي سنن البيهقي :(عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى أُمِّي وَأَنَا غُلاَمٌ فَأَدْبَرْتُ خَارِجًا فَنَادَتْنِي أُمِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ تَعَالَ هَاكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«مَاذَا تُعْطِيهِ؟». قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا. قَالَ :«أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةً».
وفي الصحيحين: (أن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. فالأَبْنَاءُ مَرَايَا لِسُلُوكِكُمْ.
ومن مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء: بناءُ العَقِيدَةِ وَالحُبِّ: ففي سنن الترمذي: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»، فابْدَأُوا بِغَرْسِ مَحَبَّةِ اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ قَبْلَ خَوْفِهِ، وَرَبْطِهِمْ بِالقُرْآنِ لِيَكُونَ لَهُمْ نُوراً.
ومن مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء: الرِّفْقُ لَا العُنْفُ: ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ».
فالتَّرْبِيَةُ تَحْتَاجُ إِلَى طُولِ بَالٍ، وَاحْتِوَاءٍ لِلْمَشَاعِرِ، وَلَيْسَ إِلَى التَّوْبِيخِ المُسْتَمِرِّ، أَوْ الضَّرْبِ المُهِينِ، الذِي يَكْسِرُ الشَّخْصِيَّةَ.
ومن مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء: العَدْلُ بَيْنَ الأَبْنَاءِ: فلَا تُفَضِّلُوا أَحَدَهُمْ عَلَى الآخَرِ، فَإِنَّ المَيْلَ يُورِثُ الحِقْدَ وَالحَسَدَ بَيْنَ الإِخْوَةِ،
وفي الصحيحين: (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ – رضي الله عنهما – قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -. فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلاَمٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ « لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ»، وفي رواية: (فَقَالَ: أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟ قَالَ لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي. فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ}.
وإِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ وَالشَّاشَاتِ اليَوْمَ، تُنَافِسُكُمْ فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِكُمْ، فَلَا تَتْرُكُوا أَوْلَادَكُمْ فَرِيسَةً لَهَا، فكُونُوا “أَصْدِقَاءَ” لَهُمْ، واسْمَعُوا مِنْهُمْ، وَشَارِكُوهُمْ اهْتِمَامَاتِهِمْ، فإِنَّ الوَقْتَ الذِي تَقْضِيهِ مَعَ ابْنِكَ، فِي تَوْجِيهِهِ وَمُدَاعَبَتِهِ، هُوَ أَعْظَمُ اسْتِثْمَارٍ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي الحديث: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ… أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [أخرجه مسلم].
فإِنَّ الوَلَدَ الصَّالِحَ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ نِتَاجُ تَعَبٍ، وَسَهَرٍ، وَدُعَاءٍ طَوِيلٍ، فقد كَانَ الأَنْبِيَاءُ يَلْهَجُونَ بِالدُّعَاءِ لِذُرِّيَّاتِهِمْ، قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} آل عمران (38).
وَكُفُّوا عَنِ الدُّعَاءِ “عَلَى” أَبْنَائِكُمْ إِذَا أَخْطَأُوا، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ “لَهُمْ” بِالهِدَايَةِ، ففي صحيح مسلم: (لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ».
واِزْرَعُوا اليَوْمَ لِتَحْصُدُوا غَداً ذُرِّيَّةً تَبَرُّكُمْ فِي الكِبَرِ، وَتَرْفَعُ ذِكْرَكُمْ بَعْدَ المَمَاتِ. ففي صحيح مسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (كيف نربي أبناءنا؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص:14]. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أَثَرٍ مَشْهُورٍ: «لَاعِبْ سَبْعًا، وَأَدِّبْ سَبْعًا، وَصَاحِبْ سَبْعًا».
وفي حديثنا عن تربية الأبناء، تعالوا بنا نَقِفُ لحظات مَعَ مَرْحَلَةٍ عُمْرِيَّةٍ، يُسَمِّيهَا النَّاسُ “المُرَاهَقَةً“، وَقَدْ سَمَّاهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ “بُلُوغَ الأَشُدِّ“، فهِيَ مَرْحَلَةُ انْتِقَالٍ مِنَ الطُّفُولَةِ المُنْقَادَةِ، إِلَى الرُّجُولَةِ أَوْ الأُنُوثَةِ المُسْتَقِلَّةِ.
فكَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ والأمهات يَظُنُّونَ أن تَغَيُّرَ سُلُوكِ أَبْنَائِهِمْ “تَمَرُّد” أَوْ “قِلَّةَ أَدَبٍ”، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ “بَحْثٌ عَنِ الذَّاتِ”، وَتَبَدُّلٌ فِي المَشَاعِرِ وَالأَفْكَارِ،
ولَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُ هَذِهِ الخُصُوصِيَّةَ، فَكَانَ يَمْنَحُ الشَّبَابَ مَكَانَتَهُمْ، وَيُخَاطِبُ عُقُولَهُمْ، وَيَسْتَوْعِبُ فَوْرَتَهُمْ.
وإِنَّ مِنْ أَبْرَزِ مُشْكِلَاتِ هَذِهِ المَرْحَلَةِ: “الصِّرَاعُ مَعَ السُّلْطَةِ الأَبَوِيَّةِ“؛ حَيْثُ يَرْغَبُ المُرَاهِقُ فِي التَّحَرُّرِ، وَيَشْعُرُ الآبَاءُ بِفِقْدَانِ السَّيْطَرَةِ، وَالحَلُّ لَيْسَ فِي زِيَادَةِ القَمْعِ، بَلْ فِي تَحْوِيلِ العَلَاقَةِ مِنْ “آمِرٍ وَمَأْمُورٍ” إِلَى “صَدِيقٍ وَصَدِيقٍ”.
وَمِنَ المَشَاكِلِ أَيْضًا: “خَطَرُ رُفَقَاءِ السُّوءِ“؛ فَفِي هَذِهِ السِّنِّ تَعْلُو كِفَّةُ الصَّدِيقِ عَلَى الأَهْلِ، لِذَا، كُنْ “صَدِيقَ ابْنِكَ الأَوَّلَ”، حَتَّى لَا يَبْحَثَ عَنْ أَمَانٍ مَزْعُومٍ عِنْدَ غَيْرِكَ.
وَلَا نَنْسَى: “عَالَمَ الفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ“: حَيْثُ تُصَاغُ عُقُولُ أَبْنَائِنَا بَعِيداً عَنَّا، فإِنَّ الحِرْمَانَ لَيْسَ حَلًّا، بَلْ الحَلُّ فِي: “بِنَاءِ القَنَاعَةِ”، وَتَعْزِيزِ “الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ” بِمُرَاقَبَةِ اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ كَانَ النبي ﷺ يَتَعَامَلُ مَعَ “تَمَرُّدِ” المَشَاعِرِ؟، ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا مَهْ مَهْ. فَقَالَ «ادْنُهْ». فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً. قَالَ فَجَلَسَ. قَالَ «أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ». قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ». قَالَ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ).
فالرسول (صلى الله عليه وسلم) لَمْ يَضْرِبْهُ، وَلَمْ يُوَبِّخْهُ، بَلْ أَدْنَاهُ مِنْهُ، وَحَاوَرَ عَقْلَهُ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟.. لِابْنَتِكَ؟». حَتَّى اقْتَنَعَ الشَّابُّ، وَخَرَجَ وَالزِّنَا أَبْغَضُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وهَكَذَا هُوَ فَنُّ الحِوَارِ: (هُدُوءٌ، وَقُرْبٌ جَسَدِيٌّ، وَإِقْنَاعٌ عَقْلِيٌّ)، فالمُرَاهِقُ يَحْتَاجُ إِلَى “أُذُنٍ صَاغِيَةٍ”، أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى “لِسَانٍ وَاعِظٍ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ المُرَاهِقَ بِمَثَابَةِ “مُسَافِرٍ فِي ضَبَابٍ“، يَحْتَاجُ إِلَى “مَنَارَةٍ” تُرْشِدُهُ، لَا إِلَى “صَخْرَةٍ” تَصْطَدِمُ بِهِ وتحطمه،
فامْنَحُوهُمُ الثِّقَةَ، وَأَوْكِلُوا إِلَيْهِمُ المَهَامَّ، فَقَدْ جَعَلَ الرسول ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَائِدًا لِلْجَيْشِ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا.
واغْمُرُوهُمْ بِالحُبِّ غَيْرِ المَشْرُوطِ؛ لِيَعْلَمَ ابْنُكَ أَنَّكَ تُحِبُّهُ لِذَاتِهِ، لَا لِأَنَّهُ فَقَطْ تَفَوَّقَ أَوْ أَطَاعَ، وادْعُوا لَهُمْ كَثِيرًا؛ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يقلبها كيف يشاء.
فاللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَ المُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ مَضِلَّاتِ الفِتَنِ، واجْعَلْنَا صَدُوراً حَلِيمَةً لِأَبْنَائِنَا، وَآذَانًا صَاغِيَةً لَهُمْ، وَقُدْوَةً حَسَنَةً يَهْتَدُونَ بِهَا، وأَعِذْهُمْ مِنْ رُفَقَاءِ السُّوءِ، وَمِنْ سُمُومِ التِّكْنُولُوجْيَا، وَاشْرَحْ صُدُورَهُمْ لِلْحَقِّ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى هُدَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
( الدعاء )
