خطبة عن (مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ)
أغسطس 1, 2026الخطبة الأولى (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123)، (124) طه، وقال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38)، (39) البقرة.
إخوة الإسلام
فَمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الْوَحْيَ عَلَى رُسُلِهِ، وَمَا بَعَثَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ، إِلَّا لِيَكُونَ هَذَا الْهُدَى مَنَارًا لِلْحَائِرِينَ، وَسَفِينَةَ نَجَاةٍ لِلْغَارِقِينَ فِي بَحْرِ الشَّهَوَاتِ، وَأَوْهَامِ الضَّلَالَاتِ، وَإِنَّ جَامِعَ مَصِيرِ الْبَشَرِيَّةِ، وَمِيزَانَ فَلَاحِهَا أَوْ خُسْرَانِهَا، لَمَحْصُورٌ فِي قَبُولِ هَذَا الْهُدَى الرَّبَّانِيِّ أَوْ رَدِّهِ، كَمَا قَرَّرَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي فُرْقَانِهِ الْمَجِيدِ، حِينَ أَهْبَطَ أَبَوَيِ الْبَشَرِ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ تعالى :(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123)، (124) طه.
فهَذِهِ الْآيَات الْقَاطِعَة، تَرْسُمُ لِلْإِنْسَانِ مَسَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، وَتَكْشِفُ عَنِ النَّامُوسِ الْإِلَهِيِّ، الَّذِي لَا يَتَبَدَّلُ.
فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، وَاتَّبَعَ شَرْعَهُ وَدِينَهُ، وَسَارَ حَقًّا وَصِدْقًا عَلَى خُطَا الرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ مَحَجَّةَ التَّنْزِيلِ، فَقَدْ أَمِنَ مِنَ الضَّلَالِ فِي الدُّنْيَا، وَعُصِمَ مِنَ الشَّقَاءِ فِي الْآخِرَةِ، فَالْهُدَى يَحْمِي عَقْلَهُ مِنَ التَّخَبُّطِ، وَيَحْمِي قَلْبَهُ مِنَ الْحَيْرَةِ، وَيَجْعَلُ حَيَاتَهُ مُطْمَئِنَّةً بِالْإِيمَانِ، مَوْصُولَةً بِالرَّحْمَنِ، فَلَا يَضِلُّ فِكْرُهُ فِي مَتَاهَاتِ الْفَلَاسِفَةِ، وَلَا يَشْقَى صَدْرُهُ بِهُمُومِ الْمَادَّةِ الْفَانِيَةِ، بَلْ يَعِيشُ فِي كَنَفِ رِعَايَةِ اللهِ، مُسْتَبْصِرًا بِنُورِ الْوَحْيِ الَّذِي يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ،
وَأَمَّا مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْإِعْرَاضِ وَالْجُحُودِ، وَنَأَى بِنَفْسِهِ عَنْ سَمَاعِ آيَاتِ اللهِ، وَرَأَى أَنَّ فِي كِتَابِ اللهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، تَقْيِيدًا لِحُرِّيَّتِهِ، أَوْ حَدًّا مِنْ شَهَوَاتِهِ، فَقَدْ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْهَلَاكِ الْمُحَتَّمِ، فَتَضِيقُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ طَوْقٌ مِنَ الضَّنْكِ، وَالْقَلَقِ وَالْخَوْفِ، وَلَوْ مَلَكَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ كُلَّهَا، لِأَنَّ لَذَّةَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، لَا تَسُدُّ فَقْرَ الرُّوحِ الْمُبْتَعِدَةِ عَنْ بَارِئِهَا، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَنْ يُحْشَرَ أَعْمَى الْبَصَرِ، كَمَا كَانَ أَعْمَى الْبَصِيرَةِ فِي الدُّنْيَا، عَنْ رُؤْيَةِ الْحَقِّ وَقَبُولِهِ، لِيَذُوقَ أَلَمَ الْحَسْرَةِ وَالْخِذْلَانِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَإِنَّ هَذَا الْبَيَانَ الرَّبَّانِيَّ الْمُحْكَمَ، يَتَأَكَّدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، لِيُبَيِّنَ جَزَاءَ الْفَرِيقَيْنِ، بِمَفَاهِيمِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، حَيْثُ قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ، فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38)، (39) البقرة..
وتَأَمَّلُوا هَذَا التَّقْسِيمَ الْجَلِيلَ؛ فَالَّذِينَ تَبِعُوا الْهُدَى، يَجْنُونَ ثِمَارَ طَاعَتِهِمْ، أَمْنًا تَامًّا، يُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا خَوْفٌ يَجْتَاحُ قُلُوبَهُمْ، مِمَّا هُوَ قَادِمٌ وَمُسْتَقْبَلٌ، مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِهَا، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ، مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَمَتَاعِهَا الزَّائِلِ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَصْبَحَتْ نُفُوسُهُمْ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِ رَبِّهَا، مُوقِنَةً بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ،
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِهِ، الْمَسْطُورَةِ فِي كِتَابِهِ، وَالْمَنْظُورَةِ فِي كَوْنِهِ، وَعَانَدُوا الرُّسُلَ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ فِي الْآخِرَةِ مَلْجَأً وَلَا مَنْجًى، بَلْ يَكُونُونَ هُمْ أَصْحَابَ النَّارِ اللَّازِمِينَ لَهَا، لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا، خَالِدِينَ فِيهَا خُلُودًا أَبَدِيًّا سَرْمَدِيًّا، جَزَاءً وِفَاقًا، عَلَى مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الرَّانِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلِكَيْ يَتَّضِحَ هَذَا الِانْقِسَامُ الْبَشَرِيُّ، فِي قَبُولِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَيَظْهَرَ التَّفَاوُتُ فِيهِ ظُهُورًا جَلِيًّا، يَقْرَبُ لِلْأَفْهَامِ، ضَرَبَ لَنَا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَثَلًا بَلِيغًا، يَكْشِفُ عَنْ طَبَائِعِ الْقُلُوبِ، فِي تَعَامُلِهَا مَعَ وَحْيِ اللهِ.
فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ وَصَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
فانْظُرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى هَذَا التَّشْبِيهِ النَّبَوِيِّ الْمُعْجِزِ؛ فَالْوَحْيُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، هُوَ الْغَيْثُ الَّذِي يُحْيِي الْقُلُوبَ، كَمَا يُحْيِي الْمَاءُ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَالنَّاسُ حِيَالَ هَذَا الْغَيْثِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: هِيَ الْقُلُوبُ النَّقِيَّةُ الطَّيِّبَةُ، الَّتِي فَقِهَتْ دِينَ اللهِ، فَقَبِلَتِ الْعِلْمَ وَعَمِلَتْ بِهِ، ثُمَّ نَفَعَتْ غَيْرَهَا، فَأَنْبَتَتِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ،
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: هِيَ الْقُلُوبُ الَّتِي حَفِظَتِ النُّصُوصَ، وَأَمْسَكَتِ الْعِلْمَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، نَقْلًا وَرِوَايَةً، فَعَلِمُوا وَعَلَّمُوا، وَإِنْ كَانَ حَظُّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ وَالتَّعَمُّقِ دُونَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ،
وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّالِثُ: وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَهِيَ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ، الَّتِي هِيَ كَالْقِيعَانِ الصَّمَّاءِ، فَلَا هِيَ قَبِلَتِ الْعِلْمَ فِي نَفْسِهَا، لِتَنْتَفِعَ بِهِ، وَلَا هِيَ حَفِظَتْهُ، لِتَنْفَعَ بِهِ غَيْرَهَا، بَلْ أَعْرَضَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ، وَلَمْ تَرْفَعْ بِهُدَى اللهِ رَأْسًا، فَظَلَّتْ قَاحِلَةً مَيِّتَةً، مَحْرُومَةً مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
فَيَا لَهُ مِنْ تَفْكِيكٍ صَادِقٍ لِطَبَائِعِ الْقُلُوبِ، وَمَوَاقِفِهَا مِنَ التَّنْزِيلِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فَإِنَّ حِرْصَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى نَجَاةِ أُمَّتِهِ، وَإِنْقَاذِهَا مِنْ غَوَائِلِ الضَّلَالِ، وَمَهَالِكِ الشَّقَاءِ، قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا عَظِيمًا، لَا تُحِيطُ بِهِ الْكَلِمَاتُ، فَقَدْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَرَى أَوْلَادَهُ يَتَهَافَتُونَ عَلَى النَّارِ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَيَبْذُلُ كُلَّ جُهْدِهِ، لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهَلَاكِ،
وَمَا جَاءَ شَرْعُ اللهِ إِلَّا عِصْمَةً لِلْعِبَادِ، وَلَكِنَّ الْهَوَى وَالشَّيْطَانَ، يَسُوقَانِ الْإِنْسَانَ سَوْقًا إِلَى مَوَاطِنِ الْحَتْفِ وَالْخُسْرَانِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّصْوِيرُ النَّبَوِيُّ، لِيَكْشِفَ عَنْ حَقِيقَةِ هَذَا الصِّرَاعِ، بَيْنَ اتِّبَاعِ الْهُدَى، وَالِانْقِيَادِ لِلشَّهَوَاتِ.
فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فتَدَبَّرُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الَّذِي يَصِفُ حَالَ الْبَشَرِيَّةِ مَعَ الْهُدَى النَّبَوِيِّ؛ فَالرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَدْ جَاءَ بِالنُّورِ الَّذِي يُبَدِّدُ الظُّلُمَاتِ، ولَكِنَّ أَهْلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَهَالَةِ، كَالْفَرَاشِ وَالدَّوَابِّ الَّتِي يَغُرُّهَا بَرِيقُ النَّارِ الْمُحْرِقَةِ، فَتَتَهَافَتُ عَلَيْهَا، ظَنًّا مِنْهَا أَنَّ فِيهَا نَفْعًا، وَهِيَ لَا تَجْنِي إِلَّا الِاحْتِرَاقَ وَالْهَلَاكَ، وَالنَّبِيُّ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) يَقِفُ مَادًّا يَدَيْهِ الرَّحِيمَتَيْنِ، يَقْبِضُ عَلَى مَعَاقِدِ أُزُرِ النَّاسِ وَأَوْسَاطِهِمْ، لِيَمْنَعَهُمْ مِنَ السُّقُوطِ فِي جَهَنَّمَ، بِاتِّبَاعِ مَنَاهِجِ الضَّلَالِ، وَاقْتِرَافِ الْمَعَاصِي، ولَكِنَّ الْجَاهِلِينَ يُفْلِتُونَ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَتَقَحَّمُونَ النَّارَ بِأَفْعَالِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ،
فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَلْزَمْ غَرْزَ النُّبُوَّةِ، وَلْيَتَّبِعْ هُدَى اللهِ تَعَالَى، فِي كُلِّ شَأْنِهِ، فَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالِاسْتِمْسَاكِ بِالْوَحْيَيْنِ، وَالْحَذَرِ مِنْ فِتَنِ الدُّنْيَا الْمُضِلَّةِ، لِيَتَحَقَّقَ لَنَا الْوَعْدُ الْإِلَهِيُّ، بِأَنْ لَا نَضِلَّ وَلَا نَشْقَى، وَأَنْ لَا نَخَافَ وَلَا نَحْزَنَ، فِي يَوْمٍ يَجْمَعُ اللهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
الدُّعَاءُ
