خطبة عن (اللهُ الكَرِيمُ يُنَادِي: ﴿يَا عِبَادِي﴾)
أغسطس 7, 2026خطبة عن (عِزَّةُ المُؤْمِنِ)
أغسطس 8, 2026الخطبة الأولى ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الامام مسلم في صحيحه : (قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ » ، وفي رواية في سنن الترمذي : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) »، وفي رواية لأحمد في مسنده : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّيْنُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) » ،وفي موطإ مالك :(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
إخوة الإسلام
في هذا الأدب النبوي الكريم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كثرة الذُّنوبِ والمعاصي تُقسِّي القلبَ، وأن الذنوب المعاصي لا تَزالُ تضَعُ في القَلبِ نُكَتًا سَوداءَ حتَّى يتَحوَّلَ القلبُ مِن كَثرةِ الذُّنوبِ والمعاصي إلى السَّوادِ الخالِصِ، ويَعلوه الرَّانُ، وهذه الذنوب إنما هي من الفتن التي تُعرض على القلوب ،وهي من أسباب مرضها ،ومنها : فتن الشهوات ،وفتن الشبهات ،وفتن الغي والضلال ،وفتن المعاصي والبدع ،وفتن الظلم والجهل ،فالأولى : توجب فساد القصد والإرادة ، والثانية : توجب فساد العلم والاعتقاد ،والفتن التي تُعرض على القلوب، منها ما يوقع صاحبه في معصية صغيرة أو شبهة، ومنها ما يكون خطيراً يوقع صاحبه في الكبائر، وقد يوقعه في الكفر، والقلب إذا استمرأ المعصية، ولو كانت صغيرة، واستهان بها، كان على خطر عظيم، هكذا: “فإن تاب ونَزَع واستغفر صُقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يغلَّف قلبه، فذلك الران”، وفي مسند أحمد : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ». وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلاً كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاَةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَاداً فَأَجَّجُوا نَاراً وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) ،ومما يزيد المعصية خطراً، ولو كانت هذه المعصية صغيرة في ذاتها، أن يستحلها صاحبها ،ويسوّغها لنفسه بمسوّغات زائفة. فهذا الاستحلال قد يوصل صاحبه إلى الكفر البواح، وذلك حسب وضوح المعصية ووضوح أدلتها، أو كما يعبّر علماء الأمة: أن يكون تحريم الأمر الذي استحلّه معلوماً من الدين بالضرورة، كمن يستحلّ أكل الربا، أو شرب الخمر، أو الغيبة، أو أكل أموال الناس بالباطل ،
وكثيراً ما تختلط الفتن، وتتداخل الشبهات بالشهوات، بل قد يغرق الفرد في المعصية، وينساق مع شهواته ،لكن الإيمان في قلبه ينغّص عليه استغراقه في الشهوات، فإما أن ينتصر فيه صوت الإيمان ،فيستغفر ويتوب، وإما أن يلجأ إلى حيلة نفسية ،يتخلص بها من تعذيب الضمير ، ومن نداء الإيمان، فيسوغ لنفسه استباحة المعصية، بل قد يصل إلى درجة إنكار فكرة الحلال والحرام، والاستهزاء بها، أو إنكار الحساب والعقاب والجنة والنار، ويصبح ممن قال الله تعالى فيهم: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (81) البقرة ،وقال ابن القيم – رحمه الله – :الذنوب إذا تكاثرت طُبع على قلب صاحبها ،فكان من الغافلين ،..وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية ، فاذا زادت : غلب الصدأ حتى يصير راناً ، ثم يغلب حتى يصير طبْعاً ،وقفلاً ،وختماً ،فيصير القلب في غشاوة وغلاف ،فاذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة :انتكس ،فصار أعلاه أسفله ،فحينئذ يتولاه عدوه ،ويسوقه حيث أراد ” الجواب الكافي “ ،فالغفلة عن الله والدار الآخرة، تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة، والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغمورًا فيما يهواه ويخشاه ،غافلًا عن الله، رائدًا غير الله، ساهيًا عن ذكره، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمره، قد ران حب الدنيا على قلبه؛ كما روي في صحيح البخاري : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ،إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ ،وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ،تَعِسَ وَانْتَكَسَ ،وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ)؛ فالقلب يتأثر ويصدأ، ومن ثم فإنه قد يرى الباطل حقًّا، ويرى الحق باطلاً، ويرى المنكر معروفًا ،ويرى المعروف منكرًا، فقد يبلغ العبد من العمر عتيًا، وقد يصيبه من الأمراض الخطيرة، ومع ذلك تراه مصرا على الباطل، فلا توبة، ولا رجوع، ولا بيان للحق، ولا تكفير عن تلك الذنوب والسيئات والجرائر، فإذا وصل القلب إلى هذا المستوى من الران، فلا تصل إليه موعظة، لا يقبل النصيحة، ولا يتأثر ولو سيقت له الدلائل، وجاءته أنواع النذر الحسية والمعنوية فإنه لا يمكن أن يقبل، أو يرجع، أو يتوب، أو يتأثر فهذا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، لذا جاء في سنن الترمذي : (عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ) ،وفي صحيح مسلم : (عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ ) .
أيها المسلمون
قال ابن القيم رحمه الله : ” ومما ينبغي أن يعلم : أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان ؛ بأن يفَك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفلَ ، ذلك الختمَ والطابع والقفل ، ويهديه بعد ضلاله ،ويعلمه بعد جهله ،ويرشده بعد غيه ،ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده ،حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر :لم يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان .وقرا قارئ عند عمر بن الخطاب : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد (24) ،وعنده شاب فقال :(اللهم عليها أقفالها ،ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك) ، فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا .وكان عمر يقول في دعائه :(اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ) …والمقصود : أنه مع الطبع والختم والقفل ، لو تعرض العبد أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك القفل ؛ يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء . وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة عليه ،وإن كان فك الختم وفتح القفل غير مقدور له ؛ كما أن شرب الدواء مقدور له ، وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور ،فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة له ، لم يكن له عذر في تعاطي ما إليه من أسباب الشفاء ،وإن كان غير مقدور له ،ولكن لما ألف العلة وساكنها ،ولم يحب زوالها ولا آثر ضدها عليها ،مع معرفته بما بينها وبين ضدها من التفاوت : فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية …فإذا عرف الهدى فلم يحبه ولم يرض به ، وآثر عليه الضلال مع تكرار تعريفه منفعة هذا وخيره ، ومضرة هذا وشره : فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية .فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه ،وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه ،وأنه إن لم يهده الله فهو ضال ، وسأل الله أن يُقبِل بقلبه ، وأن يقيه شر نفسه : وفَّقَه وهداه ، بل لو علم الله منه كراهيةً لما هو عليه من الضلال ، وأنه مرض قاتل ، إن لم يشفه منه أهلكه : لكانت كراهته وبغضه إياه ، مع كونه مبتلي به ، من أسباب الشفاء والهداية ؛ ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال : محبته له ورضاه به ،وكراهته الهدى والحق .فلو أن المطبوع على قلبه ،المختوم عليه ،كره ذلك ورغب إلى الله في فك ذلك عنه ،وفعل مقدوره : لكان هداه أقرب شيء إليه ،ولكن إذا استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك ،وسؤال الرب فكه وفتح قلبه “
أيها المسلمون
وحتى يحافظ المؤمن على قلبه نقيا صافيا ،طاهرا من الذنوب ،وحتى يبقى المؤمن بعيداً عن ذلك الدرْك المظلم ،فليتذكّرْ المسلم حديث النكتة البيضاء، والنكتة السوداء، فإذا ضعُفت نفسه، أو زلَّتْ قدمه ،فوقع في معصية صغيرة أو كبيرة، فليندم سريعاً، ولْيستغفر، وليَتُب، وليعُدْ إلى رب كريم ،ودود غفور رحيم ،يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويفتح الباب لعودة المخطئين، قال الله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. ومن يغفر الذنوب إلا الله؟! ولم يُصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون }.آل عمران: 135، ولا ينبغي للمسلم أن يسترسل في ارتكاب المعاصي ،فتتوالى النكات السود على قلبه فيُظلِم، ولا ينبغي أن يفوِّت على نفسه فعل أي خير، مهما بدا له ذلك الخير ضئيلاً، فإن كل خير يفعله ابتغاء وجه الله ينكُتُ في قلبه نكتةً بيضاء، فإذا توالت هذه النكات البيض مَحَتْ النكات السود، وجعلت القلب أبيض مشرقاً ناصعاً. وهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ومن أسباب صقل القلوب وجلائها : الإقبال على الله بقراءة كتابه العظيم، وتدبر معانيه، والإكثار من ذكره سبحانه وتعالى، والعناية بما أوجب الله من الصلاة وغيرها، والحذر مما حرَّم الله تعالى، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد:16]، فطول الأمد هو الذي قسَّى قلوبهم مَن قبلنا حتى ضيَّعوا وتكاسلوا ، ومَن قصَّر الأمل، واتَّبع شرع الله، وابتعد عن محارم الله؛ ليَّن اللهُ قلبَه، وشرح صدره، واستقام على الطريق.
ومن أسباب صقل القلوب وجلائها : الاقلال من القيل والقال وفضول الكلام : وفي سنن الترمذي : (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي ».،
ومن أسباب صقل القلوب وجلائها : الإكثار من ذكر الموت : لأن قسوة القلب تأتي من تعلق القلب بالدنيا ونسيان الآخرة ,فإذا أكثر المسلم من ذكر الموت وحضور الجنائز ,فربما أذهب عنه ذلك تلك القسوة أو خفف من وطأتها .كان سعيد بن جبير يقول :” لو فارق ذكر الموت قلوبنا ساعة لفسدت قلوبنا ” .
ومن أسباب صقل القلوب وجلائها : التفكر في آيات الله الكونية التي بين يدي الإنسان وخلفه، فلو تفكر الانسان في نفسه لعرف أنه مخلوق من مخلوقات الله، وأن الذي خلقه على كل شيء قدير، فالتفكر في آيات الله كثيرا ما يلفت الله تعالى الأنظار إليه. ولا شك أنه من الأسباب التي يحصل بها رقة القلب ،ويحصل بها الخوف من الله. وتذكر الآخرة وما أخبر الله تعالى بما فيها ما أخبر الله فيها من العذاب والثواب من الجنة والنار، من الأهوال التي تكون في يوم القيامة والفزع الأكبر. إذا تفكر في ذلك أيضا صار سببا في رقة قلبه، وصار سببا في دمع عينه وخوفه من الله تعالى .
الدعاء
