خطبة عن (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
يوليو 15, 2026خطبة عن (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)
يوليو 16, 2026الخطبة الأولى (يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (108)، (109) يونس، وقال تعالى: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (12) إبراهيم، وقال تعالى: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (87) الأعراف. وفي سنن أبي داود وغيره: ( قال صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ،الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ». وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ».
إخوة الإسلام
(يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا) فإِنَّ النَّاظِرَ فِي حَالِ أُمَّتِنَا الاسلامية الْيَوْمَ، يَرَى فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَيَرَى تَكَالُبَ الْأُمَمِ عَلَيْهَا، كَمَا تَكَّالَبُ الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا.
وَفِي وَسَطِ هَذَا الْإِعْصَارِ الْعَاتِي، يَبْحَثُ الْمُسْلِمُ عَنْ سَفِينَةِ نَجَاةٍ، وَعَنْ مَعْلَمٍ هَادٍ، يَأْخُذُ بِيَدِهِ لِيَثْبُتَ عَلَى الْحَقِّ.
وَمن المعلوم والمؤكد: أنه لَا مَخْرَجَ لَنَا -عِبَادَ اللهِ- إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ فِي مَحْكَمِ التَّنْزِيلِ إِذْ يَقُولُ تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس:109]. إِنَّهَا الْوَصِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْخَالِدَةُ: ثَبَاتٌ عَلَى الْوَحْيِ، وَصَبْرٌ عَلَى اللَّأْوَاءِ، وَانْتِظَارٌ لِحُكْمِ اللهِ الْعَدْلِ، الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا) فلَقَدْ كَانَ دَيْدَنُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، هُوَ الصَّبْرُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْأَذَى، وَالتَّوَكُّلُ الْكَامِلُ عَلَى اللهِ، حِينَ تَنْقَطِعُ الْأَسْبَابُ الْأَرْضِيَّةُ.
فتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى عَنْ رُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ، كَيْفَ وَاجَهُوا غَطْرَسَةَ الطُّغَاةِ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12].
فمَا أَعْظَمَهَا مِنْ كَلِمَاتٍ!، نَعَمْ، قَدْ يُؤْذِينَا الْأَعْدَاءُ فِي دِينِنَا، وَفِي أَوْطَانِنَا، وَفِي أَعْرَاضِنَا، وَفِي أَمْوَالِنَا، وَلَكِنَّنَا سَنَصْبِرُ؛ لِأَنَّ اللهَ الَّذِي هَدَانَا سُبُلَنَا، لَنْ يَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.
وَمن طَبِيعَةَ الدَّعَوَاتِ، أَنْ تَنْقَسِمَ الْبَشَرِيَّةُ حَوْلَهَا إِلَى (مُؤْمِنٍ وَمُعْرِضٍ)، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف:87].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
(يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا) فإِنَّنَا نَعِيشُ – نحن المسلين- الْيَوْمَ فِعْلًا فِي زَمَنٍ يُسَمَّى “زَمَانَ الصَّبْرِ “، تِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ حَيْثُ قَالَ: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ».
فتَأَمَّلُوا هَذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ، وَالْخَطَرَ الْجَسِيمَ!، “الْقَبْضُ عَلَى الْجَمْرِ“: لِأَنَّ الْمُسْتَمْسِكَ بِدِينِهِ، الْمُحَافِظَ عَلَى قِيَمِهِ، الرَّافِضَ لِلْمُدَاهَنَةِ، يَعِيشُ فِي غُرْبَةٍ بَيْنَ الْخَلْقِ، يَحْتَرِقُ أَلَمًا وَتَضْيِيقًا، كَمَنْ يَقْبِضُ عَلَى النَّارِ الْمُتَوَهِّجَةِ.
“أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ”: لَيْسَ لِأَنَّ التَّابِعَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحَابِيِّ فِي الْمَنْزِلَةِ الْعَامَّةِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا (وَهُو رَسُولُ اللهِ وَصَفْوَةُ الْخَلْقِ)، أَمَّا الْقَابِضُ عَلَى الْجَمْرِ فِي زَمَانِنَاهذا، فَلَا يَجِدُ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا، بَلْ يَجِدُ خِذْلَانًا وَصُدُودًا.
لِذَلِكَ كَانَ الصَّبْرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي لَا طَرِيقَ لَنَا سِوَاهُ، وَهُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يُحْمَدُ فَاعِلُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
(يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا) وَلَكِنْ، كَيْفَ نَصْبِرُ؟ وَمَا هِيَ الْمُعِينَاتُ عَلَى الصَّبْرِ؟، والجواب: من أهم المعينات على الصبر: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا؛ فَهُوَ نُورُ الْقُلُوبِ، وَثَبَاتُهَا عِنْدَ الْفِتَنِ.
ومنها: الدُّعَاءُ، وَاللُّجُوءُ إِلَى اللهِ بِيَقِينٍ: إِذْ كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى، فَعَلَيْنَا فِي أَوْقَاتِ الْمِحَنِ أَنْ نَلْتَمِسَ النُّورَ وَالسَّلْوَانَ بِالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَالِقِ تَعَالَى.
ومنها: النَّظَرُ فِي سِيَرِ الصَّابِرِينَ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، الَّذِينَ مَرُّوا بِأَشَدَّ مِمَّا نَمُرُّ بِهِ، فَكَانَتْ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ.
ومنها: الْيَقِينُ بِالْآخِرَةِ: وَأَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا سَاعَةٌ، وَأَنَّ جَزَاءَ الصَّابِرِينَ لَا حَدَّ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومِنْ فَوْقِ هَذَا الْمِنْبَرِ، نُنَادِي فِي أُمَّتِنَا، بِيَقِينٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَكٌّ: (يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ صَبْرًا)؛ فَإِنَّ الْفَجْرَ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ الظَّلَامِ!،
(يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ صَبْرًا)؛ فإِنَّ هَذِهِ الِابْتِلَاءَاتِ وَالشَّدَائِدَ الَّتِي تَمُرُّ بِهَا الْأُمَّةُ لَيْسَتْ لِإِهْلَاكِهَا، بَلْ هِيَ تَمْحِيصٌ لِلصُّفُوفِ، وَإِعْدَادٌ لِلتَّمْكِينِ.
(يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ صَبْرًا)؛ فَالذَّهَبُ لَا يَخْلُصُ لَقَبُهُ، حَتَّى يُوضَعَ فِي النَّارِ فَتُحْرِقَ خَبَثَهُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى لَا يُعْطِي النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ إِلَّا لِقَوْمٍ صَبَرُوا وَثَبَتُوا.
(يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ صَبْرًا)؛ فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَالتَّمْكِينَ آتٍ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَا مَحَالَةَ؛ فَقَدْ بَشَّرَنَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِتَارِيخِ الْأُمَّةِ، وَمَرَاحِلِهَا الطَّوِيلَةِ، حَتَّى قَالَ فِي خِتَامِ الْحَدِيثِ: الذي رواه الامام أحمد: «ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ».
(يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ صَبْرًا)؛ نَعَمْ، فسَتَعُودُ الْأُمَّةُ إِلَى رِيَادَتِهَا، وَسَيَرْتَفِعُ لِوَاءُ الْحَقِّ صَافِيًا نَقِيًّا. وَلَكِنَّ هَذَا النَّصْرَ مَقْرُونٌ بِالصَّبْرِ وَالْعَمَلِ، لَا بِالْيَأْسِ وَالْكَسَلِ.
فَالْزَمُوا مَحَجَّةَ الصَّبْرِ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمْ، فَمَا ضَاقَتْ إِلَّا لِتَفْتَرِجَ، وَمَا أَظْلَمَتْ إِلَّا لِتَشْرُقَ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ صَبْرًا جَمِيلًا، تَنَالُوا بِهِ رِضْوَانَهُ وَنَصْرَهُ الْمُبِينَ.
الدُّعَاءُ
