خطبة عن (الصدق وآثاره)
يوليو 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (من فضائل الصلاة)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) [النور:36-37]. وقال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود :114].
إخوة الإسلام
لَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى المَسَاجِدَ مَنَارَاتٍ لِلْهُدَى، وَمَآوِيَ لِلأَرْوَاحِ، وَأَحَاطَ القَاصِدِينَ إِلَيْهَا بِهَالاتٍ مِنَ النُّورِ وَالأَجْرِ الثَّمِينِ، وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نقَدَّمُ فِي سِلْسِلَةِ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ: (فضائل الصلاة)، لِنَقِفَ مَعَ عِبَادَةٍ هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، ولَكِنَّنَا لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مُجَرَّدِ أَدَائِهَا، بَلْ عَنْ “فَضْلِ المَشْيِ إِلَيْهَا” وَ”بَرَكَةِ صَلَاتِهَا فِي جَمَاعَةٍ”؛ حَيْثُ تَتَضَاعَفُ الحَسَنَاتُ، وَتَتَسَاقَطُ الخَطَايَا، مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا المُؤْمِنُ نَحْوَ بيت من بُيُوتِ الرَّحْمَنِ.
فالصَّلَاة فِي الجَمَاعَةِ لَيْسَتْ كَالصَّلَاةِ فِي الخَلْوَةِ؛ فَقَدْ جَعَلَهَا الشَّارِعُ الحَكِيمُ مَيْدَاناً لِلْمُضَاعَفَةِ الهَائِلَةِ، فقد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ». فتَأَمَّلُوا هَذَا الرِّبَاطَ المُقَدَّسَ!، فأَنْتَ فِي صَلَاةٍ مُنْذُ أَنْ تَتَحَرَّكَ قَدَمَاكَ، وَالمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَكَ، مَا دُمْتَ جَالِساً تَنْتَظِرُ الفَرِيْضَةَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ النَّاسَ فِي جَائِرِ الأَعْمَالِ يَطْلُبُونَ القُرْبَ لِلرَّاحَةِ، أَمَّا فِي طَرِيقِ المَسَاجِدِ فَإِنَّ “بُعْدَ المَسَافَةِ هُوَ رَأْسُ المَالِ”؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْراً فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَىً، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ» [رواه البخاري ومسلم].
وَلَقَدْ فَقِهَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ هَذَا المَعْنَى فِقْهاً عَمِيقاً؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، فَقِيلَ لَهُ -أَوْ قُلْتُ لَهُ-: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى المَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ». فَانْظُرُوا كَيْفَ يُكْتَبُ لِلْمُسْلِمِ خُطُوَاتُ الذَّهَابِ وَالإِيَابِ، إِذَا احْتَسَبَ الأَجْرَ عِنْدَ اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ الخُرُوجَ إِلَى الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ بِطَهَارَةٍ تَامِةٍ، يَفُوقُ فِي أَجْرِهِ النَّوَافِلَ، بَلْ يَلْتَحِقُ بِأُجُورِ المَنَاسِكِ العِظَامِ!، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّراً إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحَاجِّ المُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ (أَيْ لَا يُخْرِجُهُ) إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ».
فَأَيُّ تِجَارَةٍ رَابِحَةٍ هَذِهِ؟ تَتَطَهَّرُ فِي بَيْتِكَ، وَتَمْشِي إِلَى المَسْجِدِ، لِتَنَالَ أَجْرَ حَجَّةٍ تَامَّةٍ، بِمَحْضِ خُطُوَاتِكَ، فهَذِهِ الأَنْوَارُ الَّتِي يَسْعَى فِيهَا المُؤْمِنُ، هِيَ زَادُهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَرْفَعُ قَدْرَهُ فِي عِلِّيِّينَ.
وإِنَّ المَشْيَ إِلَى المَسَاجِدِ فِي أَوْقَاتِ العَتَمَةِ وَالظُّلْمَةِ -كَصَلَاتَيِ العِشَاءِ وَالفَجْرِ- لَهُ بِشَارَةٌ نَبَوِيَّةٌ خَاصَّةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ تَعْظُمُ الأَهْوَالُ، وَيَبْحَثُ النَّاسُ عَنْ نُورٍ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» [رواه أبو داود والترمذي].
فهَذَا النُّورُ الكَامِلُ هُوَ جَزَاءُ مَنْ تَرَكُوا دِفْءَ الفِرَاشِ، وَأَقْبَلُوا فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ، يُلَبُّونَ نِدَاءَ المَوْلَى، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الصَلَاةَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ، بِمَثَابَةِ قِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ: (عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِذَا دَخَلْتُمُ المَسْجِدَ، فَتَنَافَسُوا عَلَى “الصَّفِّ الأَوَّلِ المـُقَدَّمِ”؛ فَإِنَّ فَضْلَهُ لَوْ عَلِمَهُ العِبَادُ لَاقْتَتَلُوا عَلَيْهِ بِالقُرْعَةِ!، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً» [رواه البخاري ومسلم]. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَاناً لِأَفْضَلِيَّةِ المَنَازِلِ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» [رواه مسلم]. فَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الخَطِّ الأَمَامِيِّ، هِيَ دَلِيلُ الشَّوْقِ لِلْمُنَاجَاةِ، وَبِهَا يَنَالُ العَبْدُ صَلَاةَ اللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، الَّتِي تَتَنَزلُ عَلَى المُتَقَدِّمِينَ.
وتَأَمَّلُوا فِي بَرَكَةِ “التَّأْمِينِ وَالتَّحْمِيدِ” خَلْفَ الإِمَامِ؛ كَيْفَ تَلْتَقِي فِيهِ أَصْوَاتُ أَهْلِ الأَرْضِ، بِأَصْوَاتِ أَهْلِ السَّمَاءِ، لِتُغْفَرَ الذُّنُوبُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ!، فقد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينُ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَفِي التَّحْمِيدِ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فَأَيُّ فَرَحٍ، وَأَيُّ سِعَةٍ نَعِيشُهَا فِي جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ؟، فكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُوَافِقُ فِيهَا المَلَكَ المُقَرَّبَ، فَيَمْحُو اللهُ بِهَا صَحَائِفَ السَّيِّئَاتِ المَاضِيَةِ.
فَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ هَذِهِ المَغَانِمَ، وَاجْعَلُوا المَسَاجِدَ بُيُوتَكُمْ، وَخُطُوَاتِكُمْ إِلَيْهَا رِبَاطَكُمْ، لِتَعِيشُوا فِي نُورٍ، وَتُبْعَثُوا فِي نُورٍ تَامٍّ تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُكُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
كما جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ مَحَطَّاتٍ لِتَطْهِيرِ الأَرْوَاحِ، وَأَحَاطَهَا بِسِيَاجٍ مِنَ النَّوَافِلِ، وَالسُّنَنِ، الَّتِي تَجْبُرُ النَّقْصَ، وَتَرْفَعُ المَقَامَ، وَتَزِيدُ القُرْبَ مِنْ مَلِكِ المُلُوكِ سُبْحَانَهُ، فالصَّلَوَات الخَمْس: هِيَ النَّهْرُ الجَارِي الَّذِي يَغْسِلُ دَنَسَ الخَطَايَا، الَّتِي نَقْتَرِفُهَا عَبْرَ السَّاعَاتِ، فقد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْساً، مَا تَقُولُ؟ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ (أَيْ مِنْ وَسَخِهِ)؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئاً، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا».
وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ نَحْتَرِقُ بِالذُّنُوبِ، فَتَأْتِي الصَّلَاةُ لِتُطْفِئَ اللَّهِيبَ!، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الفَجْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ العَصْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ المَغْرِبَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ العِشَاءَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَنَامُونَ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَسْتَيْقِظُوا». فَأَيُّ أَمَانٍ يَعِيشُهُ المُصَلِّي؟، فكُلَّمَا لَوَّثَتْهُ الحَيَاةُ، غَسَلَهُ المِحْرَابُ!
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِأَنَّ اللهَ كَرِيمٌ، فَقَدْ جَعَلَ لِفَرِيْضَةِ الفَجْرِ سُنَّةً رَاتِبَةً قَبْلَهَا، تَفُوقُ فِي قِيمَتِهَا كُلَّ مَتَاعِ الأَرْضِ!، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [رواه مسلم]. فَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ خَيْراً مِنَ القُصُورِ وَالأَمْوَالِ، فَكَيْفَ بِالفَرِيْضَةِ ذَاتِهَا؟.
ثُمَّ سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً” فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ دَخَلَ الجَنَّةَ: أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ».
وهَذِهِ الرَّوَاتِبُ هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ لِلْفَرِيْضَةِ، تَرْقَعُ خَلَلَهَا، وَتَزِيدُ بَرَكَتَهَا.
وَلَمْ يَتْرُكْنَا الشَّارِعُ الحَكِيمُ فِي ضُحَى النَّهَارِ بِلَا نَفَحَاتٍ؛ بَلْ شَرَعَ لَنَا “صَلَاةَ الضُّحَى” الَّتِي تُؤَدِّي شُكْرَ جَمِيعِ مَفَاصِلِ الجَسَدِ. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِهِ العَظِيمِ عَنْ صَدَقَةِ الأَعْضَاءِ: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» [رواه مسلم].
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَغَانِمِ البُكُورِ أَنْ يَقْعَدَ المُسْلِمُ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ الصُّبْحِ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْراً، غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرُ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ».
كَمَا أَنَّ هُنَاكَ رَحْمَةً خَاصَّةً تَتَنَزَّلُ عَلَى مَنْ صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً؛ فَقَدْ دَعَا لَهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً» [رواه أبو داود والترمذي].
فَكُنْ أَيُّهَا المُسْلِمُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ دَعْوَةُ المُصْطَفَى بِالرَّحْمَةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (من فضائل الصلاة)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وإِنَّ الفَرْحَةَ الأَكْبَرَ لِلْمُؤْمِنِ تَتَجَلَّى حِينَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ بِظَلَامِهِ، فَيَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ خَاشِعاً، مُتَهَجِّداً، وَمِنْ ذَلِكَ “فَضْلُ الصَّلَاةِ بَيْنَ العِشَاءَيْنِ”؛ أَيْ مَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ؛ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ». وَقَدْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة:16]؛ حَيْثُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ يُصَلُّونَ، وَكَانَ الحَسَنُ يَقُولُ: هِيَ فِي “قِيَامِ اللَّيْلِ”.
وَإِذَا أَقْبَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَعَاظَمَ هَذَا الأَجْرُ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري ومسلم].
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ يُحَارِبُنَا الشَّيْطَانُ عِنْدَ النَّوْمِ لِيَقْطَعَنَا عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَكَيْفَ يَكُونُ الخَلَاصُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ!، فقد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ»
فَالصَّلَاةُ فِي اللَّيْلِ لَيْسَتْ طَاعَةً لِلْآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ طَهَارَةٌ لِلنَّفْسِ وَنَشَاطٌ لِلْبَدَنِ فِي نَهَارِكَ
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومَا أَجْمَلَ البُيُوتَ الَّتِي تَتَعَاوَنُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ!، حَيْثُ تَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ يَتَآزَرَانِ عَلَى الطَّاعَةِ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ».
فَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَنَارَاتٍ لِلْقِيَامِ، وَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ أَنْفَاسَ الأَسْحَارِ المـُبَارَكَةِ، واِلْتَزِمُوا نَهْرَ الفَرِيْضَةِ اليَوْمِيِّ، وَحَصِّنُوهُ بِالسُّنَنِ المـُثْبَتَةِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ، لِيَكْتُبَ اللهُ لَكُمْ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ، وَيَجْعَلَكُمْ مِنَ المـَرْحُومِينَ السُّعَدَاءِ فِي الدَّارَيْنِ.
وَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى إِحْيَاءِ هَذِهِ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا، وَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى لُزُومِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ وَعِمَارَةِ بُيُوتِ اللهِ. فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ، وَارْزُقْنَا النُّورَ التَّامَّ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الدعاء
