خطبة عن (انْتَبِهْ وَاحْذَرْ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ!)
يوليو 23, 2026الخطبة الأولى (رَبُّنَا اللَّهُ.. مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (30) فصلت، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (13) الأحقاف، وقال تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) الحج:40. وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَرَأَ (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) قَالَ «قَدْ قَالَ النَّاسُ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ».
إخوة الإسلام
(رَبُّنَا اللَّهُ) إِنَّهَا الكَلِمَةُ العُظْمَى الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا أَرْكَانُ الوُجُودِ، وَتَخْضَعُ لَهَا جِبَاهُ الخَلَائِقِ جَمِيعًا، كَلِمَةٌ تَخْتَصِرُ حَقِيقَةَ الخَلْقِ وَالأَمْرِ، وَتُعْلِنُ هُوِيَّةَ العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ لِرَبِّ العَالَمِينَ: (رَبُّنَا اللهُ، مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ).
(رَبُّنَا اللَّهُ) إِنَّ هَذَا الإِعْلَانَ المَهِيبَ لَيْسَ جُمْلَةً عَابِرَةً تُقَالُ بِطَرَفِ اللِّسَانِ، وَلَا شِعَارًا يُرْفَعُ فِي مَحَافِلِ السِّلْمِ، وَيُنْسَى عِنْدَ هُجُومِ الكُرُبَاتِ، بَلْ هُوَ الإِيمَانُ المُطْلَقُ بِوَحْدَانِيَّةِ ذَاتِهِ العَلِيَّةِ، وَمَعْرِفَةُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ، وَالمُدَبِّرُ الأَوْحَدُ لِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، مَنْ لَا يُشَارِكُهُ فِي حُكْمِهِ أَحَدٌ، وَلَا يُعْجِزُهُ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ.
(رَبُّنَا اللَّهُ) (مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)، هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، وَعَقِيدَةٌ يَهْتَزُّ لَهَا الْجَنَانُ، وَتَنْقَادُ لَهَا الْجَوَارِحُ بِالْإِذْعَانِ، إِنَّهَا الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ بِوَحْدَانِيَّةِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا، وأَنَّهُ خَالِقُنَا، وَمُدَبِّرُ أُمُورِنَا، وَمُصَرِّفُ أَحْوَالِنَا، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ.
وعِنْدَمَا تَتَفَكَّرُونَ فِي نُفُوسِ البَشَرِ وَسُلُوكِهِمْ حِينَمَا تَضِلُّ عَنْ هَذَا المَعْنَى الشَّامِخِ، تَرَوْنَ العَجَبَ العُجَابَ؛ تَرَوْنَ نُفُوسًا قَدْ تَمَزَّقَتْ طَرَائِقَ قِدَدًا، وَتَوَزَّعَتْهَا آلِهَةٌ شَتَّى مِنَ المَطَامِعِ وَالمَخَاوِفِ وَالأَوْهَامِ. إِنَّ الإِنْسَانَ حِينَمَا يَغْفُلُ عَنْ حَقِيقَةِ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ اللهُ تَرَاهُ يَهْتَزُّ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، وَيَخَافُ مِنْ هَبَّةِ النَّسِيمِ، وَيَطْلُبُ مَعَاشَهُ وَأَمْنَهُ عِنْدَ العَبِيدِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا. هَذَا التَّشَظِّي النَّفْسِيُّ هُوَ عُقُوبَةُ مَنْ جَعَلَ لِلْمَخْلُوقِينَ نَصِيبًا فِي تَدْبِيرِ حَيَاتِهِ، وَظَنَّ أَنَّ فِي الكَوْنِ قُوَّةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ مَشِيئَةِ القَوِيِّ المَتِينِ. بَيْنَمَا تَنْظُرُونَ إِلَى عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ رَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي صُدُورِهِمْ، فَتَرَوْنَ جِبَالًا رَاسِيَةً مِنَ الثَّبَاتِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، لَا تَهْمِزُهُمُ الشَّدَائِدُ، وَلَا تُزَعْزِعُهُمُ الكُرُبَاتُ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُمْ، وَمَا أَخْطَأَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَبُّنَا اللَّهُ) (مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)، فمَا أَعْظَمَ الرَّاحَةَ الَّتِي تَتَنَزَّلُ عَلَى الفُؤَادِ حِينَمَا يَقْطَعُ طَمَعَهُ مِنْ كُلِّ خَلْقِ اللهِ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ وَحْدَهُ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ!.
إِنَّ التَّوَكُّلَ الصَّادِقَ هُوَ جَنَّةُ الدُّنْيَا العَاجِلَةُ، وَبُسْتَانُ الأَرْوَاحِ الَّذِي لَا تَذْبُلُ أَوْرَاقُهُ. إِنَّهُ الشُّعُورُ الخَالِصُ بِالأَمَانِ الذَّاتِيِّ الَّذِي يَعْلُو فَوْقَ المَادِّيَّاتِ، وَيَتَجَاوَزُ الضَّوَائِقَ الِاقْتِصَادِيَّةَ وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْلَمُ أَنَّ كِلَاءَةَ الرَّحْمَنِ تَحُوطُهُ، وَأَنَّ عَيْنَهُ الَّتِي لَا تَنَامُ تَرْعَاهُ
(رَبُّنَا اللَّهُ): لَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ حِصْنُ الْأَمَانِ لِلْمُؤْمِنِ، فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:30]. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13].
فَمَا هُوَ سِرُّ هَذَا الْعَطَاءِ الْعَظِيمِ؟، وَمَا هُوَ كُنْهُ الِاسْتِقَامَةِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ؟، لَقَدْ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «قَدْ قَالَ النَّاسُ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ». فَالِاسْتِقَامَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الثَّبَاتُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، حَتَّى يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ تَعَالَى، غَيْرَ مُبَدِّلٍ وَلَا مُغَيِّرٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَبُّنَا اللَّهُ) (مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)، وَلَقَدْ فَهِمَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذَا الْمَعْنَى بِدِقَّةٍ وَعُمْقٍ؛ فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: قَرَأْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا»؛ فَهَذِهِ اسْتِقَامَةُ الْعَقِيدَةِ، وَسَلَامَةُ التَّوْحِيدِ عَنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَالْجَلِيِّ.
وَعَلَى الْمِنْبَرِ، تَلَا الْفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ صَرْخَتَهُ الْعَمِيقَةَ: «اسْتَقَامُوا وَاللهِ لِلهِ بِطَاعَتِهِ، وَلَمْ يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ!»؛
فَهَذِهِ اسْتِقَامَةُ الْعَمَلِ وَالسُّلُوكِ، فَلَا نِفَاقَ، وَلَا تَلَوُّنَ، وَلَا تَقَلُّبَ حَسَبَ الْمَصَالِحِ وَالْأَهْوَاءِ، بَلْ لُزُومٌ لِلْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
إِنَّ قَوْلَنَا: (رَبُّنَا اللَّهُ) (مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ) لَيْسَ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ؛ بَلْ هُوَ ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ، وَفَهْمٌ عَمِيقٌ بِالْجَنَانِ، وَإِيمَانٌ يَنْبِضُ بِهِ الْقَلْبُ، ثُمَّ يَتَرْجِمُ كُلَّ ذَلِكَ عَمَلٌ صَالِحٌ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.
وَلَقَدْ جَاءَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَطْلُبُ الْجَامِعَ الْكَافِيَ مِنَ الْأَمْرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ؟ فَقَالَ لَهُ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ فِي كَلِمَتَيْنِ مَخْطُوطَتَيْنِ بِنُورِ الْوَحْيِ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ».
(رَبُّنَا اللَّهُ) إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَانَتْ ثَمَنًا غَالِيًا، دَفَعَهُ الصَّالِحُونَ قَدِيمًا، لِلْحِفَاظِ عَلَى دِينِهِمْ؛ فَهُمُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:40]. فلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَاطِلِ، إِلَّا أَنَّ قُلُوبَهُمْ رَفَضَتِ الْعُبُودِيَّةَ لِغَيْرِ اللهِ، وَأَعْلَنَتِ التَّوْحِيدَ الْخَالِصَ لَهُ سُبْحَانَهُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (رَبُّنَا اللَّهُ مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ قَوْلَنَا: (رَبُّنَا اللَّهُ) (مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)، هُوَ مَنْظُومَةٌ كَامِلَةٌ؛ ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ لَا يَفْتُرُ، وَفَهْمٌ بِالجَنَانِ لَا يَضِلُّ، وَإِيمَانٌ بِالقَلْبِ لَا يَتَزَعْزَعُ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ لَا يَنْقَطِعُ. حِينَمَا تَتَنَاغَمُ هَذِهِ الأَرْكَانُ الأَرْبَعَةُ، يَخْرُجُ لِلْوُجُودِ ذَلِكَ الإِنْسَانُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يَسِيرُ بِنُورِ اللهِ، وَيَنْطِقُ بِحِكْمَةِ اللهِ، وَيَغْدُو لَبِنَةً صَالِحَةً تَبْنِي وَلَا تَهْدِمُ، وَتَنْشُرُ الخَيْرَ حَيْثُمَا حَلَّتْ وَارْتَحَلَتْ.
(رَبُّنَا اللَّهُ) فتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْـمَعَانِيَ الْجَمِيلَةَ؛ أَنْ تَعِيشَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُوقِنًا (أَنَّ لَكَ رَبًّا لَا رَبَّ سِوَاهُ)، تَلْجَأُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَتَسْتَعِينُ بِهِ فِي كُلِّ ضَائِقَةٍ.
(رَبُّنَا اللَّهُ) وإِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، يُورِثُ الْقَلْبَ رَاحَةً لَا تُشْبِهُهَا رَاحَةٌ، وَأَمَانًا يَقْهَرُ كُلَّ مَخَاوِفِ الْحَيَاةِ.
وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ قَائِلِهِمْ حِينَ صَاغَ هَذَا الْأَمَانَ فِي بَدِيعِ أَبْيَاتِهِ:
رَبُّنَا اللهُ الْإِلَـــــهْ … وَاحِدٌ جَلَّ عُلَاهْ
لَيْسَ مِـنْ رَبٍّ سِوَاهْ … لَا إِلَـهَ إِلَّا اللهْ
رَبُّنَا رَبُّ الْقُلُوبْ … وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبْ
فِي الشُّرُوقِ وَفِي الْغُرُوبْ … نُورُهُ يَهْدِي الْعُصَاةْ
رَبُّنَا الْهَادِي الْوَدُودْ … فَضْلُهُ مِلْءُ الْوُجُودْ
عَفْوُهُ خَيْرٌ وَجُودْ … فَارْتَجِ دَوْمًا رِضَاهْ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَبُّنَا اللَّهُ) (مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)، فإِنَّ عِلَاجَ حَيْرَتِنَا وَاضْطِرَابِنَا، يَبْدَأُ مِنْ تَرْبِيَةِ النَّفْسِ عَلَى صِدْقِ الِالْتِجَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَتَدْرِيبِهَا عَلَى الطَّاعَةِ المُسْتَمِرَّةِ دُونَ انْقِطَاعٍ. فإِنَّ السُّلوكَ الإِنْسَانِيَّ حِينَمَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطِ الِاسْتِقَامَةِ، يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَرَكَةً فِي الرِّزْقِ، وَطُمَأْنِينَةً فِي الصَّدْرِ، وَقَبُولًا فِي الأَرْضِ.
وعِنْدَمَا تَسْتَقِيمُونَ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ، تَزُولُ مَخَاوِفُكُمُ المَوْهُومَةُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وَتَنْقَشِعُ سُحُبُ الحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَ، وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ الَّتِي تَبُثُّهَا المَلَائِكَةُ فِي قُلُوبِ الأَوْلِيَاءِ الأَتْقِيَاءِ، قَائِلَةً لَكُمْ: لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا.
إِنَّهَا الثَّمَرَةُ العُظْمَى الَّتِي يَجْنِيهَا المَرْءُ فِي دُنْيَاهُ قَبْلَ أُخْرَاهُ؛ عَيْشٌ هَنِيءٌ، وَقَلْبٌ رَضِيٌّ، وَنَفْسٌ لَا تَعْرِفُ إِلَّا الرَّبَّ العَلِيَّ، فَتَصِيرُ حَيَاتُهُ كُلُّهَا سَاجِدَةً فِي مِحْرَابِ العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ، لَا تَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، بَلْ تَمْضِي قُدُمًا نَحْوَ رِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْإِيمَانَ بِأَنَّ “رَبَّنَا اللهَ” يَعْنِي أَنْ نَنْبِذَ الْيَأْسَ مِنْ قُلُوبِنَا؛ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ مَوْجُودًا، وَبِالْعِبَادِ رَحِيمًا، وَلِدُعَائِهِمْ سَمِيعًا مُجِيبًا، فَلِمَاذَا الْخَوْفُ؟، وَلِمَاذَا الْقَلَقُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ؟.
فعَلَيْنَا أَنْ نَتَرْجِمَ هَذَا الْإِيمَانَ إِلَى اسْتِقَامَةٍ عَمَلِيَّةٍ:
نَسْتَقِيمُ فِي صَلَاتِنَا، فَلَا نُضَيِّعُهَا.
ونَسْتَقِيمُ فِي مُعَامَلَاتِنَا مَعَ النَّاسِ، فَلَا نَظْلِمُ وَلَا نَغُشُّ.
ونَسْتَقِيمُ فِي قُلُوبِنَا، فَلَا نَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَنَنْسَى مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ سُبْحَانَهُ.
فَمَنْ عَاشَ عَلَى هَذِهِ الِاسْتِقَامَةِ، تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَفِي قَبْرِهِ، وَيَوْمَ نُشُورِهِ، قَائِلَةً لَهُ بِمَا يُثَبِّتُ فُؤَادَهُ: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْتُوعَدُونَ﴾
(30) فصلت. فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ قَالُوا (رَبُّنَا اللهُ) ثُمَّ اسْتَقَامُوا، وَتَوَفَّنَا عَلَى تَوْحِيدِكَ وَطَاعَتِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
الدُّعَاءُ
