خطبة عن (هَمُّكَ يُحَدِّدُ مَصِيرَكَ)
يوليو 5, 2026خطبة عن (الْوُدُّ الرَّبَّانِيُّ)
يوليو 6, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ المَسَدِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) [سورة المسد].
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ المَسَدِ)، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِي قِصَارِ السُّوَرِ مَشَاهِدَ عِبْرَةٍ لَا تَزُولُ، وَأَنْزَلَ (سُورَةَ المَسَدِ) لِتَكُونَ صَاعِقَةً رَبَّانِيَّةً، تَهْدِمُ كِبْرِيَاءَ الظَّالِمِينَ، وَتُعْلِنُ هَلَاكَ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى مَقَامِ النُّبُوَّةِ،
والنَّظَر إِلَى هَذِهِ السُّورَةِ بِتَفْسِيرٍ مَوْضُوعِيٍّ، يَجْعَلُنَا نُدْرِكُ فِكْرَتَهَا المِحْوَرِيَّةَ الكُبْرَى، وهي: “سُقُوطُ جَاهِلِيَّةِ النَّسَبِ وَالمَالِ، أَمَامَ سُلْطَانِ الحَقِّ، وَبَيَانُ المَصِيرِ المـُخْزِي لِلطُّغَاةِ”.
وأَوَّل مَا نَقِفُ عِنْدَهُ فِي المَنْهَجِ المَوْضُوعِيِّ هُوَ: “سَبَبُ النُّزُولِ”، الَّذِي يُعْطِي لِلْآيَاتِ عُمْقَهَا؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى «يَا صَبَاحَاهْ». فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ «أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ) إِلَى آخِرِهَا)،
وفي رواية مسلم: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ «يَا صَبَاحَاهْ». فَقَالُوا مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ قَالُوا مُحَمَّدٌ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ «يَا بَنِي فُلاَنٍ يَا بَنِي فُلاَنٍ يَا بَنِي فُلاَنٍ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ». قَالُوا مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». قَالَ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ
تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ)،
وهكذا، لما تَقَدَّمَ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ بِكُلِّ جَفَاءٍ وَطُغْيَانٍ، وَقَالَ: “تَبّاً لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟”، أَنْزَلَ اللهُ سورة المَسَد فَوْراً، رَدّاً عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ الفَاجِرَةِ.
وزاد الحميدي وغيره: «فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليه، أخذ الله بصرها عن رسول الله ﷺ، فلا ترى إلا أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، والله إني لشاعرة: مُذَمَّمًا عَصَيْنَا وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا وَدِينَهُ قَلَيْنَا. ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتني، لقد أخذ الله بصرها عني».
وتعتبر هذه السورة من دلائل النبوة، إذ نزلت في حياة أبي لهب وامرأته، وأخبرت أنهما في النار، ومن مقتضيات ذلك ومن لوازمه: أن يموت أبو لهب على الكفر، فكان من الممكن أن يُسلم أبو لهب أو امرأته، كما أسلم غيره من الكفار؛ ولكن مات أبو لهب على الكفر، فصدقت الآيات بعد موته على الكفر.
وقال ابن كثير في تفسيره: قال العلماء: (فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما، لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مسرًا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة).
وقال الشيخ ابن عثيمين في مطلع تفسير هذه السورة: (ثم لا شك أن كل من تشبه بأبي لهب وامرأته في أفعالهما، يكون له نصيب من هذا الوعيد بقدر شبهه بهما، فإن الله حكم عدل، قال تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) {الأنعام:132} وقال سبحانه: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الأحقاف:19). فكل من كفر، وكذب يناله الوعيد، ولا تنفعه قرابة نبي ولا غيره.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا المَطْلَعَ الكَوْنِيَّ الحَاسِمَ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)، وَ”التَّبَّابُ” هُوَ الخُسْرَانُ وَالهَلَاكُ؛ فَدَعَا اللهُ عَلَى يَدَيْهِ بِالهَلَاكِ، لِأَنَّهُمَا كَانَتَا تَمْتَدَّانِ بِالأَذَى لِلْمُصْطَفَى، ثُمَّ أَكَّدَ هَلَاكَ ذَاتِهِ فَقَالَ: (وَتَبَّ) أَيْ هَلَكَ هُوَ تَمَاماً، وَخَسِرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِـ “أَبِي لَهَبٍ” نُكْتَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ عَمِيقَةٌ؛ فَقَدْ كَانَ اسْمُهُ (عَبْدَ العُزَّى)، ولَكِنَّ القُرْآنَ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ العُبُودِيَّةِ لِلصَّنَمِ، وَاخْتَارَ كُنْيَتَهُ الَّتِي اشْتُهِرَ بِهَا، لِجَمَالِ وَجْهِهِ وَتَوَهُّجِهِ، لِيُعْلِنَ لِلْبَشَرِيَّةِ أَنَّ جَمَالَ الوَجْهِ، وَبَيَاضَ البَشَرَةِ، لَا يُغْنِيَانِ عَنِ المَرْءِ شَيْئاً، إِذَا خَرِبَ القَلْبُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَصَارَ صَاحِبُهُ طَاغِيَةً، يَصُدُّ عَنْ دِينِ اللهِ.
ثُمَّ يَهْدِمُ القُرْآنُ رَكِيزَةَ الطُّغْيَانِ المَادِّيَّةِ، الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الأَشْرَارُ، فقال تعالى: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)، لَقَدْ كَانَ (أَبُو لَهَبٍ) صَاحِبَ ثَرْوَةٍ جَاهِلِيَّةٍ عَرِيضَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: “إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ ابْنُ أَخِي حَقّاً، فَإِنِّي أَفْتَدِي نَفْسِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِمَالِي وَأَوْلَادِي”،
فَجَاءَ الرَّدُّ المَوْضُوعِيُّ لِيُقَرِّرَ: أَنَّ أَمْوَالَهُ الَّتِي جَمَعَهَا، وَأَوْلَادَهُ الَّذِينَ كَسَبَهُمْ، لَنْ يَمْنَعُوا عَنْهُ بَطْشَ الجَبَّارِ، وَلَنْ يَشْتَرُوا لَهُ نَجَاةً يَوْمَ العَرْضِ، فهَذِهِ الآيَةُ هِيَ مَوْعِظَةٌ لِكُلِّ ذِي مَالٍ طَغَى بِثَرْوَتِهِ، وَظَنَّ أَنَّ أَرْصِدَتَهُ تَحْمِيهِ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي الخَلْقِ، فَالْمَالُ لَا يَنْفَعُ، إِلَّا إِذَا بَذَلَهُ العَبْدُ صَدَقَةً وَطَاعَةً.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ المَسَدِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا الإِعْجَازَ الغَيْبِيَّ الصَّارِخَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ): لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وَأَبُو لَهَبٍ حَيٌّ، يَمْشِي فِي أَسْوَاقِ مَكَّةَ، وَبَقِيَ بَعْدَهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ بِمَقْدُورِهِ -لَوْ كَانَ ذَكِيّاً فِي كَيْدِهِ- أَنْ يَأْتِيَ وَيَقُولَ: “أَنَا أُعْلِنُ إِسْلَامِي كَذِباً لِأُبْطِلَ قُرْآنَكُمْ “، ولَكِنَّ اللهَ الَّذِي يَعْلَمُ السَّرَائِرَ حَكَمَ حُكْماً جَازِماً، بِأَنَّهُ سَيَمُوتُ عَلَى الكُفْرِ، وَيَصْلَى نَاراً تَتَلَهَّبُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَبُو لَهَبٍ أَنْ يُغَيِّرَ هَذَا القَدَرَ المَكْتُوبَ، وهَذَا هُوَ سُلْطَانُ الوَحْيِ الَّذِي يَكْشِفُ مَصَائِرَ الطُّغَاةِ، وَيَجْعَلُ هَلَاكَهُمْ حَتْمِيّاً لَا مَفَرَّ مِنْهُ، مَهْمَا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ، أَوْ تَعَاظَمَ لَهُمُ السُّلْطَانُ.
وإِنَّ التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ (لِسُورَةِ المَسَدِ) لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ هَلَاكِ الطَّاغِيَةِ وَحْدَهُ، بَلْ يَنْتَقِلُ لِيُبَيِّنَ شَرَاكَةَ الإِثْمِ فِي البُيُوتِ، الَّتِي تَتَأَسَّسُ عَلَى حَرْبِ الفَضِيلَةِ، فقال تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ). وَامْرَأَتُهُ هِيَ (أُمُّ جَمِيلٍ) أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ ،كَانَتْ عَوْناً لِزَوْجِهَا عَلَى الكُفْرِ، وَكَانَتْ تَحْمِلُ الشَّوْكَ وَالحَطَبَ، لِتَضَعَهُ فِي طَرِيقِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَتَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، لِتُشْعِلَ نَارَ الفِتْنَةِ، فَجَاءَ جَزَاؤُهَا مُشَاكِلاً لِعَمَلِهَا؛ حَيْثُ سَتُحْشَرُ فِي الآخِرَةِ وَهِيَ تَحْمِلُ حَطَبَ جَهَنَّمَ، لِتَزِيدَ العَذَابَ عَلَى زَوْجِهَا، وَفِي عُنُقِهَا حَبْلٌ غَلِيظٌ خَشِنٌ مِنَ المَسَدِ، تُسَاقُ بِهِ إِلَى الجَحِيمِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَشْهَدَ المـُبْكِيَ، يُعْطِينَا “دَرْساً بَالِغَ، الأَهَمِّيَّةِ فِي صِيَانَةِ البُيُوتِ”؛ فَالزَّوْجَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَوْناً لِزَوْجِهَا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، لَا شَرِيكَةً لَهُ فِي الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ.
وإِنَّ بَيْتَ أَبِي لَهَبٍ تَأَسَّسَ عَلَى نَشْرِ النَّمِيمَةِ، وَأَذِيَّةِ النَّاسِ، وَطَمْسِ مَعَالِمِ الحَقِّ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ هِيَ الخَرَابَ الأَبَدِيَّ، الَّذِي يُتْلَى فِي المَحَارِيبِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
وَالوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتَلِعَ كُلَّ خُلُقٍ لَهَبِيٍّ مِنْ حَيَاتِنَا؛ فَلَا نَمْشِي بِنَمِيمَةٍ، وَلَا نَكُونُ حَطَباً فِي نِيرَانِ الخُصُومَاتِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ نَكُونُ دُعَاةَ وَصْلٍ وَإِصْلَاحٍ.
والسؤال: كَيْفَ نَجْعَلُ مِنْ سُورَةِ المَسَدِ مَنَاعَةً سُلُوكِيَّةً لَنَا؟، والجواب:
أَوَّلاً: بِاليَقِينِ بِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَنْفَعُ بِلَا طَاعَةٍ؛ فَأَبُو لَهَبٍ عَمُّ رَسُولِ اللهِ، وَهُوَ فِي دَرَكَاتِ الجَحِيمِ ،وَبِلَالٌ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَهُوَ فِي أَعْلَى مَنَازِلِ الجِنَانِ.
ثَانِيًا: الحِذْرُ التَّامُّ مِنْ أَذِيَّةِ الصَّالِحِينَ، أَوْ الصَّدِّ عَنْ دِينِ اللهِ، بِالقَوْلِ، أَوْ الفِعْلِ.
ثَالِثًا: تَطْهِيرُ بُيُوتِنَا، لِتَكُونَ قَائِمَةً عَلَى تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ.
فاِقْرَؤُوا هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَنْتُمْ تَسْتَحْضِرُونَ كَيْفَ يَسْقُطُ الطُّغَاةُ، مَهْمَا عَلَا شَأْنُهُمْ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ العَاقِبَةَ دَائِماً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ لَزِمُوا صِرَاطَ الرَّشَادِ.
ومن الدروس المستفادة من هذه السورة الكريمة: ما ذكره الشيخ (أبوبكر الجزائري) في أيسر التفاسير: بيان حكم الله بهلاك أبي لهب وإبطال كيده الذي كان يكيده لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يغني المال ولا الولد عن العبد شيئا من عذاب الله، إذا عمل بمساخطه، وترك مراضيه. وحرمة أذية المؤمنين مطلقا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ألا فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا: هَلْ بُيُوتُنَا مَنَارَاتٌ لِلْبِرِّ؟، أَمْ مَجَالِسُ لِلَّغْوِ وَالنَّمِيمَةِ؟، فاللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِنْ طُرُقِ الطُّغْيَانِ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الخُسْرَانِ، وطَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ النَّمِيمَةِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ الكِبْرِ، وَاجْعَلْ زَوْجَاتِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا عَوْناً لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ. واحْفَظْ بُيُوتَ المُسْلِمِينَ بِالإِيمَانِ، وَاجْعَلْ خِتَامَ أَعْمَالِنَا رِضْوَاناً،
الدعاء
