خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ المَسَدِ)
يوليو 6, 2026الخطبة الأولى (الْوُدُّ الرَّبَّانِيُّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (96) مريم، وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ».
إخوة الإسلام
نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ فَتْحٍ رَبَّانِيٍّ، تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُ الـمُشْتَاقِينَ، وَتَسْكُنُ بِهِ أَرْوَاحُ المـُقْنِتِينَ؛ نَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ آيَةٍ، هي مِنْ أَشْرَفِ آيَاتِ كِتَابِ اللَّهِ، لِنَتَدَبَّرَ تِلْكَ العَطِيَّةَ الأَسْمَىٰ، الَّتِي لَا تُشْتَرَىٰ بِقَنَاطِيرِ الذَّهَبِ، وَلَا تُنَالُ بِعَدَدِ الحَاشِيَةِ وَالنَّفَرِ، بَلْ تُوهَبُ رَحْمَةً مِنَ المـَلِكِ الدَّيَّانِ، لِأَهْلِ اليَقِينِ والاحسان.
إِنَّ الكَلَامَ عَنْ (الوُدِّ الإِلَهِيِّ)، عَنْ (الْوُدُّ الرَّبَّانِيُّ)، والَّذِي يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبُثُّ المـَحَبَّةَ لِعَبْدِهِ فِي الكَوْنِ، فَيُحِبُّ الخَالِقُ عَبْدَهُ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِ قُلُوبُ الخَلْقِ، فَيَتَرَاحَمُونَ وَيَتَعَاطَفُونَ مَعَهُ، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (96) مريم ، وَهَذَا النَّفَسُ الـمُمَدَّدُ، يُفَكِّكُ خَبَايَا تِلْكَ المـَعَادَلَةِ الثُّلَاثِيَّةِ: حَمْدٌ عَلَىٰ الأُولَىٰ، وَاجْتِهَادٌ بِالثَّانِيَةِ، لِيَكْسَبَ الثَّالِثَةَ فِي دِيوَانِ الآخِرَةِ.
وتَأَمَّلُوا (أَيُّهَا المُسْلِمُونَ) هَذَا العَطَاءَ المـَشْهُودَ؛ ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾؛ فَبِقَدْرِ حَظِّكَ مِنَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ، وَنَصِيبِكَ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ الـخَفِيِّ، يَزْرَعُ اللَّهُ لَكَ طِيبَ الوُدِّ فِي قُلُوبِ العَالَمِينَ. وَهَذَا (الوُدُّ): يَتَشَعَّبُ فِي مَيْدَانِ الحَيَاةِ إِلَىٰ ثَلَاثَةِ رَوَافِدَ عُظْمَىٰ؛ الرَّافِدُ الأَوَّلُ: (وُدٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَىٰ لَكَ)؛ حَيْثُ يُحِبُّكَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَإِذَا نِلْتَ مَحَبَّتَهُ، جَعَلَ جِبْرِيلَ وَأَهْلَ السَّمَاءِ يُحِبُّونَكَ، ثُمَّ يَقْذِفُ لَكَ القَبُولَ النَّقِيَّ فِي عُقُولِ بَنِي آدَمَ.
الرَّافِدُ الثَّانِي: (وُدٌّ مِنَ النَّاسِ إِلَيْكَ)؛ فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَىٰ اللَّهِ بِصِدْقِ نِيَّتِهِ، فِي صَلَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، أَقْبَلَ اللَّهُ بِقُلُوبِ العِبَادِ إِلَيْهِ طَائِعَةً مُحِبَّةً، فَتَرَىٰ عُيُونَ الخَلْقِ تُعَظِّمُهُ، وَأَلْسِنَتَهُمْ تَمْدَحُهُ بِالخَيْرِ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لِمَاذَا، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ وَصْفِ سِرِّ هَذَا القَبُولِ!.
وَالرَّافِدُ الثَّالِثُ لِهَذَا العَطَاءِ: (وُدٌّ يَظْهَرُ فِي الدُّنْيَا بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ)؛ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُكَ اللَّهُ فِي طَاعَتِهِ، وَيَجْعَلُ خَاتِمَتَكَ طَيِّبَةً مَعْسُولَةً، تَمُوتُ فِيهَا عَلَىٰ رُكُوعٍ أَوْ ذِكْرٍ، فَيَكُونُ حَصَادُ عُمُرِكَ مَحْفُوفًا بِالبَرَكَةِ. فَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ» قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
بَلْ إِنَّ مِنْ أَبْهَىٰ صُوَرِ هَذَا الوُدِّ الإِلَهِيِّ، أَنْ يَتَوَلَّىٰ (اللَّهُ المـُلْكُ) الدِّفَاعَ عَنْكَ، وَعَنْ سُمْعَتِكَ، وَعن عِرْضِكَ، الَّذِي يَنْهَشُ فِيهِ التَّافِهُونَ وَالمـُرْتَابُونَ؛ فَيَقِفُ كَوْنُ اللَّهِ حَامِيًا لَكَ، لِأَنَّ الخَالِقَ صَدَعَ بِالمـِيثَاقِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الحج:38.
فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ قِسْمَةٍ رَبَّانِيَّةٍ، نَصَبَ اللَّهُ شُرُوطَهَا بِوُضُوحٍ: (آمِنُوا) بِاليَقِينِ، وَ(اعْمَلُوا الصَّالِحَاتِ) فِي المـَحَارِيبِ وَالأَسْوَاقِ، تَنَالُوا (وُدَّ) السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
واُنْظُرُوا إِلَىٰ جَلَالِ الَّلفْظِ فِي بَلَاغَةِ الوَحْيِ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمْ﴾؛ فقوله: ﴿لَهُمْ﴾: يُعْلِنُ أَنَّ الوُدَّ صَارَ مِلْكًا لَهُمْ، خَاصًّا بِهِمْ.
وَهَذَا الجَعْلُ الرَّحْمَٰنِيُّ، يَصْنَعُ حِصْنًا دَاخِلِيًّا فِي قَلْبِ المُصَلِّي؛ حَيْثُ يَتَجَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ نَفْسِ المؤمن بِالوُدِّ وَالقُرْبِ، فَيَمْلَأُهُ طُمَأْنِينَةً وَسَكِينَةً، فَتَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ البَشَرِ: آمِنًا وَالنَّاسُ خَائِفُونَ فِي النَّوَازِلِ، وَمُوقِنًا وَالنَّاسُ مُتَشَكِّكُونَ فِي المـَقَادِيرِ، وَرَاضِيًا نَقِيًّا وَالنَّاسُ سَاخِطُونَ عَلَىٰ المـَعَاشِ!، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ وُدَّ الرَّحْمَٰنِ، اسْتَغْنَىٰ بِهِ عَنْ مَمَالِكِ الأَرْضِ كُلِّهَا، وَعَاشَ فِي فِرْدَوْسٍ بَاطِنِيٍّ لَا تَقْطَعُهُ أَعَاتِي الغَفْلَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (الْوُدُّ الرَّبَّانِيُّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:21]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:63]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىٰ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا يَعِيشُونَ فِي عُزْلَةٍ عَنِ الخَلْقِ، بَلْ يَصْنَعُ اللَّهُ لَهُمْ نَوْعَيْنِ مِنَ الوُدِّ الشَّامِخِ؛ الوُدُّ الأَّوَّلُ: (وُدٌّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَالِقِهِمْ)؛ حَيْثُ يَحُبُّهُمْ رَبُّهُمْ، وَيَحْفَظُهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَنْصُرُهُمْ عَلَىٰ مَنْ عَادَاهُمْ، وَيُؤَيِّدُ عُقُولَهُمْ بِالبَصِيرَةِ، وَيُوفِّقُهُمْ فِي كَسْبِهِمْ، وَهُمْ فِي الـمُقَابِلِ يُطِيعُونَ أَمْرَهُ، وَيُحِبُّونَ جَلَالَهُ، وَيَعْبُدُونَهُ بِنُفُوسٍ خَاشِعَةٍ تَبْتَغِي المـَقَامَ المـَحْمُودَ.
وَالوُدُّ الثَّانِي: (وُدٌّ مَعَ المـُؤْمِنِينَ الآخِرِينَ فِي رِحَابِ الـمُجْتَمَعِ)؛ حَيْثُ تَتَلَاشَىٰ أَمْرَاضُ
الشَّحْنَاءِ وَالجَفَاءِ، فَيَتَنَاصَرُونَ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَيَتَنَاصَحُونَ بِاللِّينِ وَالمـَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ،
وَيَتَوَاصَوْنَ بِالتَّقْوَىٰ فِي تِجَارَاتِهِمْ، وَيَتَرَاحَمُونَ فِي بُيُوتِهِمْ.
وإِنَّ التَّوَادَّ الإِسْلَامِيَّ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ المُصَلِّيَ يَشْعُرُ بِأَلَمِ أَخِيهِ؛ فإِذَا نَزَلَتْ بِجَارِكَ جَائِحَةٌ مَالِيَّةٌ، تَحَرَّكَ كُلُّ جَسَدِ الأُمَّةِ بِالبَذْلِ وَالعَطَاءِ، شَفَقَةً وَحُبًّا، لِأَنَّ عُمْلَةَ الوُدِّ الرَّحْمَٰانِيِّ هِيَ الَّتِي
تَقُودُ الأَفْعَالَ، لَا المـَادَّيَّاتِ الجَافَّةَ الَّتِي تَقْتَلِعُ المـُرُوءَةَ مِنَ النُّفُوسِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
اِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَحَاضِنَ لِلْمَوَدَّةِ، وَطَهِّرُوا مُعَامَلَاتِكُمْ مِنَ الغَشِّ، وَالِاحْتِكَارِ الَّذِي يَمْحَقُ بَرَكَةَ الأَمْوَالِ، وَكُونُوا أَوْتَادًا لِلْخَيْرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وتَقَرَّبُوا إِلَىٰ الرَّحْمَٰنِ بِحِفْظِ فَرَائِضِهِ وَنَفْلِ خَلَوَاتِكُمْ، لِيَجْعَلَ لَكُمُ الوُدَّ المُطْلَقَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَتَعِيشُوا فِي الدُّنْيَا آمِنِينَ مُوقِنِينَ، وَتُحْشَرُوا يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
الدُّعَاءُ
