خطبة عن (الشُّكْرُ وَمَنَازِلُ الشَّاكِرِينَ)
نوفمبر 5, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي. قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:281].
فَإِنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ هو يَوْمُ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، يَوْمُ العَرْضِ الأَكْبَرِ، وَالوَقْفَةِ العَظِيمَةِ، بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ؛ يَوْمٌ تَطِيشُ فِيهِ العُقُولُ، وَتَصِلُ فِيهِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ كَاظِمِينَ، وَيُحَاسَبُ فِيهِ العَبْدُ عَلَى القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَالدَّقِيقِ وَالجَلِيلِ، وَيُعَاتَبُ فِيهِ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِ العِبَادِ وَالضُّعَفَاءِ، كَمَا يُعَاتَبُ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِ الرَّبِّ جَلَّ جَلاَلُهُ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ وَأَعْظَمِ مَشَاهِدِ ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ تِلْكَ المُعَاتَبَةَ الرَّبَّانِيَّةَ الرَّحِيمَةَ، الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدَهُ فِي سَاحَةِ المَحْشَرِ، فَيُذَكِّرُهُ بِمَوَاطِنِ الحَاجَةِ، وَالضَّعْفِ، وَالمَرَضِ، الَّتِي تَرَهَّلَتْ عَنْهَا جَوَارِحُهُ فِي الدُّنْيَا، وَتَغَافَلَتْ عَنْهَا عَيْنَاهُ فِي دَارِ الغُرُورِ؛ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ مَطَّلِعًا عَلَى كُلِّ لَحْظَةِ أَلَمٍ، أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، مَرَّتْ بِخَلْقِهِ المُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنَّ الإِحْسَانَ إِلَى الخَلْقِ فِي سِاعَاتِ كُرْبَتِهِمْ، هُوَ عَيْنُ الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إِلَى مَرْضَاةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وفي هذا الحديث القدسي المتقدم، مَشْهَد مِنْ مَشَاهِدِ العَرْضِ وَالمُعَاتَبَةِ القُدْسِيَّةِ، الَّتِي يَرْوِيها لَنَا الرسول عن ربه، فِي حَدِيثٍ يَتَصَدَّعُ لَهُ الفُؤَادُ، فَرَقًا وَخَشْيَةً، حِينَمَا يَقِفُ العَبْدُ المقصرُ فِي عَمَلِهِ، بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العَالَمِينَ، فَيُفَاجَأُ بِمعَاتِبَةِ الحَقِّ تَعَالَى له، وَهُوَ العَلِيمُ الخَبِيرُ، الَّذِي لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في الأرض ولا في السماء.
وفيه: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ للعبد يَوْمَ القِيَامَةِ: (يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟، يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟، يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
فتَفَكَّرُوا فِي هَذَا المَشْهَدِ الجَلِيلِ، المُتَوَهِّجِ بِالحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، فرَبُّ العِزَّةِ وَالجَلاَلِ، يَقُولُ لِلْعَبْدِ الصَّعْلُوكِ الفَقِيرِ: «مَرِضْتُ… اسْتَطْعَمْتُكَ… اسْتَسْقَيْتُكَ»، فَيَتَحَيَّرُ العَبْدُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ العَصِيبَةِ، وَيَتَعَجَّبُ فِي خِطَابِهِ: كَيْفَ يَجُوزُ هَذَا الوَصْفُ عَلَى الخَالِقِ، الغَنِيِّ الحَمِيدِ، الَّذِي يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ، وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ، المُنَزَّهُ عَنِ الأَغْرَاضِ، وَالمَرَضِ، وَالجُوعِ، وَالعَطَشِ، وَسَائِرِ النَّقَائِصِ؟،
فَيَأْتِي الجَوَابُ الرَّبَّانِيُّ المُدَوِّي، الَّذِي يَهْتَزُّ لَهُ الوُجْدَانُ، لِيَكْشِفَ عَنْ سِرٍّ عَظِيمٍ، مِنْ أَسْرَارِ الرَّحْمَةِ، وَالتَّرَابُطِ بَيْنَ الخَالِقِ وَعِبَادِهِ، فيقول له:
«أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟، اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، وَلَوْ أَطْعَمْتَهُ أَوْ سَقَيْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي مَحْفُوظًا مُوَفَّرًا».
إِنَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ القُدْسِيِّ المُبَارَكِ لَدَلَالَاتٍ وَرَسَائِلَ شَرْعِيَّةً عَمِيقَةً، تَبْنِي هُوِيَّةَ الأُمَّةِ؛ فَهُوَ يُعْلِنُ يَقِينًا: أَنَّ “اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِالكَائِنَاتِ” كُلِّهَا، دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا، ولاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَلاَ مَا فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ المِثْقَالَ من الذَّرَّة مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يُقَدَّمُ لِلْخَلْقِ، أَوْ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يُحْجَبُ عَنْهُمْ، لاَ يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ أَبَدًا، فَالْحَسَنَاتُ وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَهُ، فِي سِجِلِّاتِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ، يَلْقَاهَا العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا، لِيَثْقُلَ بِهَا مِيزَانُهُ، وَيَنْجُوَ مِنَ العَذَابِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ النَّاظِرَ والمُتَأَمِّلَ فِي نُصُوصِ هَذَا الحَدِيثِ القدسي، لَيَقِفُ مُنْبَهِرًا أَمَامَ “اللَّطَائِفِ الرَّبَّانِيَّةِ “، وَالأَسْرَارِ البَلاَغِيَّةِ، الَّتِي انْطَوَتْ عَلَيْهَا كَلِمَاتُ المَوْلَى جَلَّ وَعَلاَ:
فَقَدْ فَرَّقَ السِّيَاقُ الإِلَهِيُّ بَيْنَ عِيَادَةِ المَرِيضِ، وَبَيْنَ الإِطْعَامِ، وَالسُّقْيَا، فِي كَلِمَةِ الجَزَاءِ: فَقَالَ فِي شَأْنِ عِيَادَةِ المَرِيضِ: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، بَيْنَمَا قَالَ فِي شَأْنِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَسُقْيَا المَاءِ: «لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
فَأَمَّا المَرِيض فَقَالَ: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»؛ لِأَنَّ المَرِيضَ فِي حَالِ انْكِسَارِهِ، وَضَعْفِهِ، وَأَلَمِهِ، وَوَحْدَتِهِ عَلَى فِرَاشِ العِلَّةِ، هو قَرِيبٌ جِدًّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ وَإِجَابَتِهِ، فَبِقَدْرِ مَا يَنْكَسِرُ قَلْبُ المَخْلُوقِ عِنْدَ المَرَضِ، يَكُونُ حُضُورُ القُرْبِ الإِلَهِيِّ، وَالتَّنَزُّلِ الرَّحْمَانِيِّ عِنْدَ رَأْسِهِ.
وَأَمَّا فِي الإِطْعَامِ وَالسُّقْيَا فَقَالَ: «لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»؛ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَجَزَاءَ هَذَا الإِحْسَانِ المَالِيِّ، مَكْنُوزٌ وَمَحْفُوظٌ فِي خَزَائِنِ اللَّهِ، الَّتِي لاَ تَنَفَدُ، يُؤَدِّيهِ اللَّهُ لِعَبْدِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً يَوْمَ القِيَامَةِ.
وقيل أيضا: لعلَّ التَّعبيرَ في عِيادةِ المريضِ بقولِه سُبحانه: «لَوجَدْتَني عِنده»، وفي الإطعامِ والسَّقيِ «لَوَجَدْتَ ذلك عِندي»؛ لأنَّ المريضَ لا يَذهَبُ إلى أحدٍ، بلْ يَأتي النَّاسُ إليه، فناسَبَ قولُه: «لَوجَدْتَني عِنده»، بخِلافِ الإطعامِ والسَّقيِ؛ فإنَّهما قدْ يَأتيانِ لِغيرِهما مِن النَّاسِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ هَنَا تَتَجَلَّى لَنَا “فَضَائِلُ هَذِهِ الأَعْمَالِ الجَلِيلَةِ”، الَّتِي حَثَّتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ، وَجَعَلَتْهَا مِنْ مَفَاتِيحِ الجِنَانِ:
ففَضِيلَةُ عِيَادَةِ المَرِيضِ: هِيَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَحَقٌّ مَكِينٌ، مِنْ حُقُوقِ المُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ؛ بَلْ هِيَ مَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ، يَخُوضُ فِيهَا العَائِدُ فِي خَارِفِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، حَتَّى يُدْرِكَهُ المَسَاءُ، أَوْ الصَّبَاحُ.
ففي صحيح مسلم: (عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ».
وفي رواية: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ قَالَ «جَنَاهَا».
وفي سنن الترمذي: (عَنْ ثُوَيْرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِي قَالَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْحَسَنِ نَعُودُهُ. فَوَجَدْنَا عِنْدَهُ أَبَا مُوسَى فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَعَائِدًا جِئْتَ يَا أَبَا مُوسَى أَمْ زَائِرًا فَقَالَ لاَ بَلْ عَائِدًا. فَقَالَ عَلِيٌّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ».
أما فَضِيلَةُ إِطْعَامِ الطَّعَامِ: فَهِيَ مِنْ أَجَلِّ أَبْوَابِ البِرِّ وَالتَّكَافُلِ، وَأَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَلاَمٍ؛ فَقَدْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ أَوْلَى خِصَالِ الإِسْلَامِ خَيْرًا، حِينَمَا سُئِلَ كما في الصحيحين: (أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
أما فَضِيلَةُ سُقْيَا المَاءِ: فَهِيَ أيضا من أَعْظَم الصَّدَقَاتِ نَفْعًا، وَأَكْثَرهَا أَجْرًا حِينَ يَشْتَدُّ العَطَشُ؛ فَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا أَوْ حَيَوَانًا عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ فِي دَارِ الكَرَامَةِ.
ففي سنن أبي داود: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْىٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
فَالحَثُّ إِذًا مُتَوَاتِرٌ ومُؤَكَّدٌ عَلَى هَذِهِ الأَعْمَالِ الإِنْسَانِيَّةِ العَظِيمَةِ، الَّتِي تُقَرِّبُ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ، وَتَجْعَلُ مُجْتَمَعَهُ مُتَرَاصًّا مُتَرَاحِمًا، كَالبُنْيَانِ المَرْصُوصِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا أثَرَ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ:
فإِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ مَعَانِي هَذِهِ المُعَاتَبَةِ الإِلَهِيَّةِ، اسْتَشْعَرَ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ المَرْضَى، وَالفُقَرَاءِ؛ فَأَقْبَلَ عَلَى عِيَادَةِ المَرْضَى بِنَفْسٍ خَاشِعَةٍ، وَسَارَعَ إِلَى إِطْعَامِ الجِيَاعِ، وَسُقْيَا العَطشَى، طَمَعًا أَنْ يَجِدَ ذَلِكَ العَمَلَ مَكْنُوزًا عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَإِذَا شَاعَتْ هَذِهِ الأَخْلَاقُ الرَّحِيمَةُ فِي جَسَدِ المُجْتَمَعِ، ازْدَادَ تَرَاحُمًا وَتَكَافُلًا، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَرِيضٌ يَعَانِي الوَحْدَةَ، وَلَا جَائِعٌ أَوْ عَطْشَانُ، يَضِيعُ فِي الطُّرُقَاتِ، بَلْ يَسُودُ الأَمْنُ وَالمَحَبَّةُ، وَتَتَنَزَّلُ بَرَكَاتُ السَّمَاءِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَتَفَقَّدُوا أَحْوَالَ إِخْوَانِكُمُ المَرْضَى وَالمَحَاويجِ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَاسْقُوا المَاءَ، لِتَفُوزُوا بِمَحَبَّةِ الرَّحْمَنِ، وَتُحَاشُوا عَذَابَ المَوْقِفِ، وَمُعَاتَبَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الدُّعَاء
