خطبة عن «بِالاِخْتِبَارِ يَتَمَايَزُ النَّاسُ وَتَظْهَرُ حَقَائِقُ الإِيمَانِ»
سبتمبر 19, 2026خطبة عن (اشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)
سبتمبر 20, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (حقوق الجوار)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} [النساء:36]. وَفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [متفق عليه].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لقد أوصى الإسلام بالجار، وأعلى من قدره، فللجار في ديننا حرمة مصونة، وحقوق مرعية ،حيث قرن المولى سبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار بعبادته، وتوحيده؛ كما بَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ لِحَقِّ الجَارِ، أَنْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِعْيَاراً لِكَمَالِ الإِيمَانِ؛ فَفي صحيح مسلم: (أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ»،
والجَار لَيْسَ مُجَرَّدَ عَابِرِ سَبِيلٍ، بَلْ هُوَ شَرِيكُكَ فِي المَكَانِ، وَمُطَّلِعٌ عَلَى الأَحْوَالِ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ، ونَجْدَةً عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وفي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ».
وَقَدْ قَسَّمَ العُلَمَاءُ الجِيرَانَ إِلَى ثَلَاثَةٍ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ: (وَهُوَ الجَارُ المُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الجِوَارِ)
وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ: (وَهُوَ الجَارُ المُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الإِسْلَامِ وَالجِوَارِ)،
وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: (وَهُوَ الجَارُ القَرِيبُ لَهُ حَقُّ القَرَابَةِ وَالإِسْلَامِ وَالجِوَارِ).
وأولى الجيران بالرعاية والإحسان أقربهم باباً إلينا؛ فقد جاء في صحيح البخاري: (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلْجَارِ حُقُوقاً جَلِيلَةً، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ رِعَايَتُهَا، ومنها: كَفُّ الأَذَى: وَهُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الحَقِّ؛ فَلَا يُؤْذِيهِ بِرَفْعِ صَوْتٍ، وَلَا بِتَضْيِيقِ طَرِيقٍ، وَلَا بِرَمْيِ نِفَايَةٍ، وَلَا بِتَطَلُّعٍ عَلَى عَوْرَةٍ، وَقَدْ نَفَى ﷺ الإِيمَانَ عَمَّنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (أَيْ شُرُورَهُ)، ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، وفي صحيح ابن حبان: (عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه جارا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات اصبر ثم قال له في الرابعة أو الثالثة اطرح متاعك في الطريق ففعل قال فجعل الناس يمرون به ويقولون ما لك فيقول آذاه جاره فجعلوا يقولون لعنه الله فجاءه جاره فقال رد متاعك لا والله لا أوذيك أبدا)
ومن حقوق الجار: بَذْلُ المَعْرُوفِ: وذلك بِتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِ، وَإِطْعَامِهِ عِنْدَ جُوعِهِ؛ قَالَ ﷺ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ» رواه البيهقي.
ومن حقوق الجار: الصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُ: وَهَذَا مِنْ شِيَمِ الكِرَامِ؛ أَنْ تَتَحَمَّلَ جَفْوَةَ جَارِكَ، وَتُقَابِلَهَا بِالِاحْتِمَالِ، وَالنُّصْحِ الرَّفِيقِ، طَمَعاً فِي رِضَا اللهِ.
«وَمِنْ حُقُوقِ الْجَارِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ: فَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا أَنَّهَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْجِيرَانِ، لِمَا لَهَا مِنْ آثَارٍ طَيِّبَةٍ فِي إِشَاعَةِ رُوحِ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ.
وَمِنْ حُقُوقِ الْجَارِ: تَفَقُّدُهُ وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِ: فَالصَّالِحُونَ كَانُوا يَتَفَقَّدُونَ جِيرَانَهُمْ وَيَسْعَوْنَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَقَدْ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ تَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى جَارِهِ، وَيَبْعَثُ بِهَا الْجَارُ إِلَى جَارٍ آخَرَ، وَهَكَذَا تَدُورُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ دُورٍ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ، وَلَمَّا ذَبَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَاةً قَالَ لِغُلَامِهِ: إِذَا سَلَخْتَ فَابْدَأْ بِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ.
وَمِنْ حُقُوقِ الْجَارِ: سِتْرُهُ وَصِيَانَةُ عِرْضِهِ: وَهَذِهِ مِنْ أَوْكَدِ الْحُقُوقِ، فَبِحُكْمِ الْجِوَارِ قَدْ يَطَّلِعُ الْجَارُ عَلَى بَعْضِ أُمُورِ جَارِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَى سِتْرِ جَارِهِ، مُسْتَحْضِرًا أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الحَيَاةَ فِي العِمَارَاتِ السَّكَنِيَّةِ، وَالأَحْيَاءِ المُرْتَصَّةِ اليَوْمَ، تَقْتَضِي مِنَّا أَدَباً رَفِيعاً؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ قَلَقٍ لِمَنْ حَوْلَهُ، فإِنَّ اِحْتِرَامَ خُصُوصِيَّةِ الجَارِ، وَالسُّؤَالَ عَنْ مَرِيضِهِ، وَتَهْنِئَتَهُ فِي أَفْرَاحِهِ، وَتَعْزِيَتَهُ فِي أَتْرَاحِهِ؛ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ المُجْتَمَعَ كَالبُنْيَانِ المَرْصُوصِ،
فاِتَّقُوا اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ صَوَّامَةٍ قَوَّامَةٍ لَكِنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلسَانِهَا، فَقَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ». ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةَ تَذْكُرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهاَ بِلِسَانِهَا قَالَ «هِيَ فِي النَّارِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلاَنَةَ تَذْكُرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا وَأَنَّهَا تَصَدَّقُ باِلأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ «هِيَ فِي الْجَنَّةِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا اؤْتُمِنَ، وَلْيُحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ» [أخرجه الطبراني].
فإِنَّ إِحْسَانَ الجِوَارِ يَجْلِبُ السَّكِينَةَ لِلْدِيَارِ، وَيَبْسُطُ الأَمْنَ فِي النُّفُوسِ، وَمَا نَزَلَ بَلَاءٌ بِمُجْتَمَعٍ إِلَّا حِينَ تَقَطَّعَتْ فِيهِ أَوَاصِرُ الجِوَارِ، وَأَصْبَحَ المَرْءُ لَا يَعْرِفُ مَنْ يَسْكُنُ خَلْفَ جِدَارِهِ، فاِبْدَأُوا اليَوْمَ بِخُطْوَةِ صِلَةٍ، وَبَسْمَةِ تَحِيَّةٍ، وَمَدِّ يَدِ المَعُونَةِ؛ لِتَكُونَ بُيُوتُكُمْ قِطَعاً مِنَ الجَنَّةِ، بِمَا فِيهَا مِنْ مَوَدَّةٍ وَتَرَاحُمٍ.
فاللَّهُمَّ حَبِّبْنَا إِلَى جِيرَانِنَا وَحَبِّبْهُمْ إِلَيْنَا. واجْعَلْنَا مِمَّنْ يُحْسِنُونَ الجِوَارَ، وَيَكُفُّونَ الأَذَى، وَيُؤَدُّونَ الحُقُوقَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (حقوق الجوار)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وروى مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ»، فتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ؛ لَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِذَبْحِ شَاةٍ أَوْ إِقَامَةِ مَأْدُبَةٍ كَبِيرَةٍ، بَلْ أَمَرَهُ بِأَمْرٍ يَسِيرٍ: “زِيَادَةُ المَاءِ فِي المَرَقِ”، فهَذِهِ الوَصِيَّةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الإِحْسَانَ إِلَى الجَارِ لَا يَرْتَبِطُ بِالغِنَى، بَلْ بِـ “التَّعَاهُدِ وَالتَّفَقُّدِ”، وأنَّ إِهْدَاءَ القَلِيلِ يَنْفِي عَنْ النَّفْسِ الشُّحَّ، وَيُشْعِرُ الجَارَ بِأَنَّهُ فِي بَالِ جَارِهِ، وَذَلِكَ كَفِيلٌ بِإِذَابَةِ جِبَالِ الجَفَاءِ وَزَرْعِ مَحَبَّةٍ لَا تَنْقَضِي.
وَمِنْ وَصَايَاهُ ﷺ: “الحِرْصُ عَلَى المَشَاعِرِ وَتَرْكُ الِاحْتِقَارِ”؛ فَفي الصحيحين، قَالَ ﷺ لِلنِّسَاءِ: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» (أَيْ ظِلْفَ شَاةٍ قَلِيلَ اللَّحْمِ)، وهِيَ دَعْوَةٌ لِعَدَمِ اسْتِصْغَارِ الهَدِيَّةِ، فَقِيمَتُهَا فِي مَعْنَاهَا لَا فِي سِعْرِهَا.
كَمَا أَنَّهُ ﷺ وَصَّى بِصِيَانَةِ الجَارِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَجَعَلَ جَرِيمَةَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الجَارِ أَشَدَّ عِنْدَ اللهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَفي مسند أحمد: (أن الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا». قَالُوا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ «لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِىَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ». قَالَ فَقَالَ «مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ». قَالُوا حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ «لأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ». وما ذلك إلا لِأَنَّ الجَارَ مَأْمُورٌ بِحِمَايَةِ جَارِهِ لَا بِخِيَانَتِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ رَوَائِعِ هَدْيِهِ ﷺ: “السَّمَاحَةُ فِي المَرَافِقِ المُشْتَرَكَةِ”؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ كما في صحيح البخاري: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ». فهَذِهِ دَعْوَةٌ لِعَدَمِ التَّشَدُّدِ فِي الحُقُوقِ التَّافِهَةِ الَّتِي تَنْفَعُ الجَارَ وَلَا تَضُرُّكَ، فالمُسْلِم السَّمْح هُوَ الذِي يَفْرَحُ بِنَفْعِ جَارِهِ، وَيُسَهِّلُ لَهُ أَمْرَهُ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الجِوَارَ رِبَاطٌ وَثِيقٌ، وَأَنَّ المَرْءَ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُهُ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» [أخرجه الترمذي].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَوصَايَا النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَكُنْ نَظَرِيَّةً، بَلْ كَانَتْ وَاقِعاً مَلْمُوساً، فكَانَ صلى الله عليه وسلم يُحْسِنُ لِجَارِهِ الكَافِرِ، وَيَعُودُ مَرِيضَهُمْ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ – صلى الله عليه وسلم -. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – وَهْوَ يَقُولُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».
فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا الخُلُقِ؟، فإِنَّ السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا هِيَ “الجَارُ الصَّالِحُ”، كَمَا قَالَ ﷺ، فَكُنْ أَنْتَ ذَلِكَ الجَارَ الصَّالِحَ لِتُسْعِدَ غَيْرَكَ، وَتَنَالَ رِضَا رَبِّكَ، وَتَكُونَ مِمَّنْ حَفِظُوا وَصِيَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ. فاللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ مَعَ جِيرَانِنَا، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ.
( الدعاء )
