خطبة عن (لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)
يوليو 5, 2026الخطبة الأولى (هَمُّكَ يُحَدِّدُ مَصِيرَكَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الامام الترمذي في سننه: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ».
إخوة الإسلام
فَمَا تَنَزَّلَ فِي الْكِتَابِ الْخَالِدِ مِنْ آيَاتٍ، تَكْشِفُ حَقِيقَةَ التَّفَاوُتِ الْبَشَرِيِّ، فِي الْغَايَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، وَتُفَكِّكُ طَبَائِعَ الْخَلْقِ، فِي نَظْرَتِهِمْ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ، أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) [الليل: 4]. فإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ، تَضَعُ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا أَمَامَ مِرْآةِ أَعْمَالِهَا، وَتَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةٍ صَارِمَةٍ ثَابِتَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ الْأَنْفَاسَ مَعْدُودَةٌ، وَالْأَيَّامَ مَطْوِيَّةٌ، ولَكِنَّ الْهِمَمَ مُفْتَرِقَةٌ، وَالْغَايَاتِ مُتَبَايِنَةٌ، شَاسِعَةٌ،
فَالنَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كُلٌّ إِلَى وِجْهَةٍ هُوَ مُوَلِّيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَتْ هِمَّتُهُ بِالْعَرْشِ، فَسَمَا وَعَلَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أخلَدَ إِلَى الْأَرْضِ، فَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَترَدى وَهَوَى،
وَإِنَّ هَذَا التَّبَايُنَ الْعَمِيقَ، فِي الْهُمُومِ وَالْإِرَادَاتِ، هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ خَاتِمَةَ الْعَبْدِ وَمَصِيرَهُ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، حَيْثُ يَنْقَسِمُ الْخَلْقُ إِلَى طَائِفَتَيْنِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا، كَمَا قَالَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) [الأعراف:30]، وَكَمَا قَرَّرَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (7) الشورى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّهُ الِانْقِسَامُ الْأَبَدِيُّ الرَّهِيبُ، الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ هَمِّ الْقَلْبِ، فِي هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ، فَعَلَى قَدْرِ إِيمَانِ الْمَرْءِ يَكُونُ هَمُّهُ، وَعَلَى قَدْرِ يَقِينِهِ، تَتَحَدَّدُ وِجْهَتُهُ وَسُلُوكُهُ، فَالنَّفْسُ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ، شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَقْ بِالْآخِرَةِ، غَرِقَتْ فِي أَوْحَالِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ، لِأَنَّ الْقَلْبَ الْبَشَرِيَّ لَا يَخْلُو مِنْ هَمٍّ يَسُوقُهُ، وَفِكْرٍ يَعْتَرِيهِ، وَإِرَادَةٍ تَدْفَعُهُ،
فَمَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَهُوَ يَغْدُو فِي هَذِهِ الدُّنْيَا: فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا، ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «… كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».
وَلَقَدْ جَاءَ الْبَيَانُ النَّبَوِيُّ الشَّافِي لِيُفَكِّكَ هَذِهِ الطَّبَائِعَ الْبَشَرِيَّةَ، وَيَشْرَحَ مَآلَاتِ الصَّانِعِينَ لِأَهْدَافِهِمْ وَالْمُنْغَمِسِينَ فِي أَمَانِيِّهِمْ، فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ».
وتَأَمَّلُوا هَذَا الْقَانُونَ النَّبَوِيَّ الْعَجِيبَ، الَّذِي يَخْتَصِرُ حَقِيقَةَ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَمَنْ جَعَلَ الْآخِرَةَ مَحَطَّ رِحَالِهِ، وَمَحْوَرَ تَفْكِيرِهِ، أَصْلَحَ اللهُ لَهُ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، فَيَقْذِفُ اللهُ فِي قَلْبِهِ الْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا النَّقِيَّ، فَلَا يَسْتَجْدِي سَعَادَةً مِنْ مَخْلُوقٍ، وَلَا يَمُدُّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا مَتَّعَ اللهُ بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ، بَلْ يَعِيشُ مَلِكًا فِي نَفْسِهِ، غَنِيًّا فِي فَقْرِهِ، كَبِيرًا فِي تَوَاضُعِهِ، وَيَجْمَعُ اللهُ عَلَيْهِ شَتَاتَ أَمْرِهِ، فَلَا تَتَفَرَّقُ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ عَلَى حُطَامٍ فَائِتٍ، وَتَسْعَى إِلَيْهِ الدُّنْيَا مُذَلَّلَةً مَقْهُورَةً، رَغْمَ أَنْفِهَا وَأَنْفِ خُطَّابِهَا، تَأْتِيهِ لِتَخْدُمَهُ لَا لِتَسْتَعْبِدَهُ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَأَمَّا مَنْ صَارَتِ الدُّنْيَا هِيَ مَبْلَغَ عِلْمِهِ، وَمُنْتَهَى أَمَلِهِ، وَغَايَةَ طَلَبِهِ، فَيُصْبِحُ عَبْدًا لَهَا، رَكِبَهُ الْفَقْرُ لَازِمًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَلَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا فَقْرًا وَحَاجَةً، كُلَّمَا نَالَ قِنْطَارًا طَمِعَ فِي قَنَاطِيرَ، فَلَا يَشْبَعُ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا يَهْنَأُ بِقَلِيلٍ، وَيُفَرِّقُ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، فَيَعِيشُ فِي شَتَاتٍ دَائِمٍ، وَذُعْرٍ مُسْتَمِرٍّ، عَلَى الرِّزْقِ، وَالْجَاهِ، وَالْمَنْصِبِ، يَتَخَبَّطُ فِي لَيْلِ الْأَوْهَامِ، وَمَعَ كُلِّ هَذَا اللَّهَثِ وَالرَّكْضِ الْمُضْنِي فِي فَيَافِي الْغَفْلَةِ، لَا يَنَالُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا نَصِيبَهُ الْمَحْتُومَ، الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ لَهُ.
وإِنَّ هَذَا التَّفْكِيكَ الْقَلْبِيَّ، يَكْشِفُ أَنَّ الْهَمَّ هُوَ الْمُحَرِّكُ الْأَسَاسُ لِكُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ بَشَرِيٍّ، فَالنَّاسُ حِيَالَ هَذَا الْهَمِّ صِنْفَانِ مُفْتَرِقَانِ،
أَمَّا الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ صَاحِبُ الْهَمِّ الدُّنْيَوِيِّ الْخَالِصِ، وهُوَ الْعَبْدُ الَّذِي مَلَكَتِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ مَجَامِعَ نَفْسِهِ، وَأَسَرَتْ قَلْبَهُ بِحِبَالِهَا، فَأَصْبَحَ يَقُومُ وَيَنَامُ، وَيُوَالِي وَيُعَادِي، وَيَغْضَبُ وَيَرْضَى لِأَجْلِ مَكَاسِبِهَا الْفَانِيَةِ وَمَطَامِعِهَا الزَّائِلَةِ، لَا يُفَكِّرُ فِي حَلَالٍ أَمْ حَرَامٍ، وَلَا يَعْنِيهِ رِضَا الْخَالِقِ، أَمْ سَخَطُهُ، بَلْ كُلُّ هَمِّهِ الرَّكْضُ، وَالِاسْتِكْثَارُ، وَالتَّفَاخُرُ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فهو يَمْلَأُ بَطْنَهُ مِنَ الشَّبَهِ، وَيَغُضُّ طَرْفَهُ عَنِ الْآخِرَةِ، كَأَنَّهُ مَخْلُودٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ،
وَلَقَدْ وُصِفَ هَذَا السُّلُوكُ الْبَشَرِيُّ الْمُنْحَطُّ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلْمَادَّةِ، وَجَاءَ النَّعْيُ النَّبَوِيُّ الصَّارِمُ عَلَيْهِ، بِمَا يَقْضِ مَضَاجِعَ الْغَافِلِينَ، وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّهَا التَّعَاسَةُ الْمُحَقَّقَةُ، وَالِانْتِكَاسَةُ الْمُوجِعَةُ، لِكُلِّ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ مَحْبُوسًا فِي قِرْطَاسِ الْمَالِ، أَوْ أَقْمِشَةِ الثِّيَابِ، وَالْمَظَاهِرِ الزَّائِفَةِ، فَهَذَا الْإِنْسَانُ الْمَادِّيُّ، لَا يَعْرِفُ طَعْمَ الرِّضَا النَّفْسِيِّ، إِلَّا إِذَا نَالَ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، فَإِذَا نَالَهُ هَدَأَ وَرَضِيَ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ بِقَدَرِ اللهِ، كَشَّرَ عَنْ أَنْيَابِ السَّخَطِ، وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى أَقْدَارِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، فَيَدْعُو عَلَيْهِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي هَذَا الْمَقَامِ الشَّدِيدِ، بِأَنَّهُ تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَأَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ بِأَبْسَطِ الْأَذَى، كَشَوْكَةٍ تَشُوكُهُ، لَا يَجِدُ مَنْ يُخْرِجُهَا لَهُ بِالْمِنْقَاشِ، عُقُوبَةً لَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، عَلَى دَنَاءَةِ هِمَّتِهِ، وَتَعَلُّقِهِ بِالْعَاجِلَةِ الْقَرِيبَةِ، وَذَرْهِ لِلْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ.
إِنَّ انْصِرَافَ الْهَمِّ إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا عِلَّةٌ تُورِثُ الْقَلْبَ عَمًى، فَيَرَى الْفَانِيَ بَاقِيًا وَالْبَاقِيَ فَانِيًا، وَيَقْضِي عُمُرَهُ يَبْنِي فِي دَارِ مَمَرِّهِ، وَيَهْدِمُ فِي دَارِ مَقَرِّهِ، يُصْلِحُ دُنْيَاهُ، الَّتِي سَيَفَارِقُهَا لَا مَحَالَةَ، وَيُخَرِّبُ آخِرَتَهُ، الَّتِي سَيَقْدَمُ عَلَيْهَا يَقِينًا، فَيَا لَهُ مِنْ خُسْرَانٍ مُبِينٍ، يَبِيعُ الْجَوْهَرَ النَّفِيسَ، بِالْخَزَفِ الْبَخْسِ، وَيَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ بَغْتَةً، وَهُوَ فِي سَكْرَةِ الدُّنْيَا، يَصَارِعُ أَوْهَامَهَا، فَيَنْكَشِفُ عَنْهُ الْغِطَاءُ، حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، صِفْرَ الْيَدَيْنِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، مُثْقَلَ الظَّهْرِ بِتَبِعَاتِ الظُّلْمِ وَالْجَشَعِ وَالْغَفْلَةِ، الَّتِي أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ، وَأَهْلَكَتْ أُخْرَاهُ،
فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- مِنْ هَذَا الْمَصِيرِ الْمُظْلِمِ، الَّذِي يُهْلِكُ النَّفْسَ، وَيُضِيعُ الْعُمُرَ هَبَاءً مَنْثُورًا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (على مَدَار الْهُمُومِ يتحدد الْمَصِيرُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما الصِّنْف الْآخَر: الشَّرِيف الْمَمْدُوح فِي مَحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فهُوَ صَاحِبُ هَمِّ الْآخِرَةِ؛ وَهُوَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الْحَقُّ، الَّذِي انْشَغَلَ بِاللَّهِ تَعَالَى عَمَّنْ سِوَاهُ، وَجَعَلَ هَذِهِ الدُّنْيَا مَطِيَّةً، صَالِحَةً لِبُلُوغِ مَقَامَاتِ الرِّضْوَانِ، يَأْخُذُ مِنْ مَتَاعِهَا وَرِزْقِهَا مَا يَبْلُغُ بِهِ الْآخِرَةَ، وَيُعِينُهُ عَلَى الطَّاعَةِ، فَلَا تَسْتَعْبِدُهُ شَهْوَةٌ عَابِرَةٌ، وَلَا تَفْتِنُهُ زِينَةٌ زَائِلَةٌ، هُوَ الْعَبْدُ الرَّبَّانِيُّ: الَّذِي يَفْرَحُ لِلَّهِ إِذَا أُطِيعَ فِي الْأَرْضِ، وَيَغْضَبُ لِلَّهِ إِذَا انْتُهِكَتْ مَحَارِمُهُ،
وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ، وَيَرْضَى لِرِضَاهُ، قَدْ تَمَثَّلَتِ الْجَنَّةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، كَأَنَّهُ يَرَاهَا رَأْيَ عِيَانٍ، فَسَلَكَ طَرِيقَهَا، بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَأَدَاءِ الزَّكَوَاتِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ، وَتَمَثَّلَتِ النَّارُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاسْتَجَارَ بِاللَّهِ مِنْهَا، وَهَرَبَ مِنْ لَهَبِهَا، بِالْبُعْدِ عَنِ الْمَظَالِمِ وَالْمَعَاصِي، وَالْمُحَرَّمَاتِ،
هُوَ الْعَبْدُ الرَّبَّانِيُّ: الذي يُحَكِّمُ شَرْعَ اللهِ تَعَالَى فِي كُلِّ شَأْنِهِ، فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ، فِي بَيْتِهِ وَمَعَ أَهْلِهِ، فِي خَلْوَتِهِ وَجَلْوَتِهِ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ قَائِمًا، بَيْنَ مَقَامَيِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، لَا يَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ عَمَلِهِ، بَلْ هُوَ دَائِمُ التَّوْبَةِ، سَرِيعُ الْأَوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى مَوْلَاهُ إِذَا أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ غَفْلَةً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ الْعِلَاجَ النَّاجِعَ لِقُلُوبِنَا، الَّتِي أَنْهَكَهَا السَّعْيُ الْمُتَوَاصِلُ وَرَاءَ سَرَابِ الدُّنْيَا، يَكْمُنُ فِي تَصْحِيحِ الْمَسَارِ الْقَلْبِيِّ، وَتَحْوِيلِ الْهَمِّ لِيَكُونَ لِلَّهِ، وَفِي اللهِ، وَلِلَّدَارِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ كُلَّهَا هَمًّا وَاحِدًا، كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ،
وَلَقَدْ جَاءَ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ، بِبَيَانِ حَقِيقَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَحَجْمِهَا الضَّئِيلِ، حَتَّى لَا تَعْظُمَ فِي نُفُوسِنَا.
فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ مُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟».
فتَأَمَّلُوا -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- هَذَا الْمَثَلَ النَّبَوِيَّ الشَّاخِصَ؛ مَاذَا عَسَى أَنْ تَأْخُذَ الْأُصْبُعُ الصَّغِيرَةُ، إِذَا غُمِسَتْ فِي مَاءِ الْبَحْرِ الزَّخَّارِ الْمُمْتَدِّ؟، إِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَّا بِقَطْرَةٍ نَزِرَةٍ لَا تَكَادُ تُذْكَرُ،
وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا بِكُلِّ قُصُورِهَا، وَأَمْوَالِهَا، وَمَنَاصِبِهَا، وَلَذَّاتِهَا، لَا تُسَاوِي فِي جَنْبِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا الْمُقِيمِ الْأَبَدِيِّ، إِلَّا تِلْكَ الْقَطْرَةَ الْمَائِيَّةَ الْفَانِيَةَ،
فَهَلْ يَلِيقُ بِذِي عَقْلٍ رَشِيدٍ، أَنْ يَبِيعَ الْبَحْرَ الْمُمْتَدَّ، لِأَجْلِ قَطْرَةٍ تَجِفُّ فِي لَحْظَةٍ؟، وَهَلْ يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ يَسْمَعُ كَلَامَ رَبِّهِ، أَنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الْقَطْرَةَ هِيَ هَمَّهُ الْأَكْبَرَ، وَيَذَرَ الْبَحْرَ الْخَالِدَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنَتَّقِ اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَلْنُنْقِذْ أَنْفُسَنَا مِنْ غَوَائِلِ الْغَفْلَةِ، وَتَعَاسَةِ الِانْتِكَاسِ، وَلْنَعْمُرْ أَوْقَاتَنَا، وَأَعْمَارَنَا، بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ: مِنَ الذِّكْرِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ،
وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ،
فاجعلوا همكم هما واحدا، هو هم الآخرة، لَعَلَّ الله أَنْ يَجْمَعَ لَنَا شَمْلَنَا، وَيَجْعَلَ غِنَانَا فِي قُلُوبِنَا، وَيُدْخِلَنَا بِرَحْمَتِهِ فِي عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَالْكَيْسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ.
الدُّعَاءُ
