خطبة عن (قَمِيصُ عُمَرَ وَشَرَابُهُ: عِلْمٌ وَدِينٌ)
يونيو 20, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِى ذَرٍّ- رضي الله عنه- قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ، قَالَ «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ «أَغْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ. قَالَ «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَق». قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ. قَالَ «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج:77]، فَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ بِأَنْ شَرَعَ لَهَا سُبُلَ الخَيْرَاتِ، وَتَقَطَّعَتْ أَمَامَهَا المَعَاذِيرُ فِي نَيْلِ المَبَرَّاتِ، وَكَانَ مِنْ دَأْبِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ شِدَّةُ النَّهَمِ فِي جَمْعِ الحَسَنَاتِ، فَمَا فَتِئُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الأَعْمَالِ الَّتِي تُقَرِّبُهُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَتَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ.
وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- مَعَ رِحْلَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ فَرِيدَةٍ، يَقُودُنَا فِيهَا أَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، حِينَ سَأَلَ المَعْصُومَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟)، لِيَفْتَحَ لَنَا مَحَارِيبَ الطَّاعَةِ عَلَى اخْتِلَافِ القُدُرَاتِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وكان أَوَّل مَا نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي بَيَانِ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ هُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، فَالإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ أَصْلُ الأُصُولِ، وَشَرْطُ قَبُولِ كُلِّ عَمَلٍ؛ فَلَا قَبُولَ لِطَاعَةٍ بِلَا تَوْحِيدٍ، وَلَا رِفْعَةَ لِعَبْدٍ بِلَا عَقِيدَةٍ صَافِيَةٍ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِـ “الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ”؛ لِأَنَّهُ ذِرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلَامِ، وَفِيهِ بَذْلُ النَّفْسِ وَالمَالِ لِحِمَايَةِ الدِّينِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى أَعْمَالِ البَذْلِ المَالِيِّ، فَقَالَ: (فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟)، فَقَالَ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ): «أَغْلَاهَا ثَمَناً، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»،
وهُنَا عِلَاجٌ نَبَوِيٌّ لِشُحِّ النَّفْسِ؛ فَالأَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ هُوَ مَا عَظُمَ قَدْرُهُ عِنْدَكَ، لَا مَا جُدْتَ بِهِ تَرَفُّعاً وَاسْتِغْنَاءً، قَالَ تَعَالَى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَتَتَجَلَّى رَحْمَةُ الإِسْلَامِ حِينَ يَقُولُ أَبُو ذَرٍّ (رضي الله عنه): (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) -أَيْ إِنْ كُنْتُ عَاجِزاً بِبَدَنِي عَنِ الجِهَادِ، فَقِيراً بِمَالِي عَنِ العِتْقِ، وَالنَّفَقَةِ- فَهَلْ أُحْرَمُ الأَجْرَ؟،
فَيُجِيبُهُ المُرَبِّي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِمَجَالٍ آخَرَ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى كُنُوزٍ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:
«تُعِينُ صَانِعاً أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ»، وَالأَخْرَقُ: هُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ العَمَلَ أَوْ الصَّنْعَةَ، كَمَنْ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْنِي جِدَاراً، أَوْ لَا يُحْسِنُ كِتَابَةَ خِطَابٍ، أَوْ لَا يَفْقَهُ قَضَاءَ حَاجَةٍ.
وهَذَا هُوَ “التَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ” فِي أَبْهَى صُوَرِهِ؛ أَنْ تَهَبَ مِنْ خِبْرَتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ، وَمِنْ عَقْلِكَ وعلمك لِمَنْ حُرِمَ ذَلِكَ، فَتَجْبُرَ خَاطِرَهُ، وَتَسُدَّ خَلَّتَهُ، فَتَكُونَ مَفْتَاحاً لِلْخَيْرِ فِي أُمَّتِكَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَيَسْتَمِرُّ التَّدَرُّجُ فِي الرَّحْمَةِ، فَيَسْأَلُ أَبُو ذَرٍّ (رضي الله عنه): (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) -أَيْ إِنْ كُنْتُ لَا أَمْلِكُ خِبْرَةً أَنْفَعُ بِهَا، أَوْ حَالَتْ ظُرُوفِي دُونَ خِدْمَةِ النَّاسِ- فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَلِمَةً هِيَ بَلْسَمٌ لِلْعَاجِزِينَ، وَقَيْدٌ لِلْمُعْتَدِينَ، فقال صلى الله عليه وسلم: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ».
فسُبْحَانَ اللهِ!، فكَفُّ الأَذَى عَنِ الخَلْقِ صَدَقَةٌ!، فإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى بِنَاءِ المُجْتَمَعِ، فَلَا تُسَاهِمْ فِي هَدْمِهِ؛ فاحْفَظْ لِسَانَكَ عَنِ الغِيبَةِ، وَامْنَعْ يَدَكَ عَنِ الإِسَاءَةِ، وَكُفَّ شَرَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ البَشَرِ، يَكْتُبِ اللهُ لَكَ أَجْرَ المُتَصَدِّقِينَ، وهَذَا التَّشْرِيعُ النَّبَوِيُّ العَظِيمُ، يُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ قَادِرٌ عَلَى العَمَلِ الأَفْضَلِ، بِحَسَبِ وُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الجَلِيلَ يُرْشِدُنَا إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ الدَّلَائِلِ التَّرْبَوِيَّةِ، وأَوَّلُهَا: شِدَّةُ حِرْصِ الصَّحَابَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعَالِي الأُمُورِ، فَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُمْ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ بَحْثاً عَنِ العَمَلِ النَّافِعِ.
ثَانِيًا: تَنَوُّعُ أَبْوَابِ الخَيْرِ فِي الإِسْلَامِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الجَنَّةِ لَيْسَ طَرِيقاً وَاحِداً، بَلْ هِيَ طُرُقٌ شَتَّى تَسْتَوْعِبُ الغَنِيَّ وَالفَقِيرَ، القَوِيَّ وَالضَّعِيفَ.
ثَالِثًا: أَنَّ الإِسْلَامَ دِينٌ عَمَلِيٌّ، يَنْعَكِسُ فَوْراً عَلَى سُلُوكِ الإِنْسَانِ؛ فَالْمُسْلِمُ حِينَمَا يَعْمَلُ بِهَذَا الحَدِيثِ، تَرَاهُ إِمَّا مُجَاهِداً بِنَفْسِهِ، أَوْ مُنْفِقاً لِمَالِهِ، أَوْ مُعِيناً لِغَيْرِهِ، أَوْ كَافّاً لِشَرِّهِ عَنِ النَّاسِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وتَأَمَّلُوا فِي “أَثَرِ هَذِهِ الأَعْمَالِ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ وَسُلُوكِهِ”: فإِنَّ مَنْ فَقِهَ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ، يَعِيشُ فِي مُجْتَمَعِهِ عُنْصُرَ بِنَاءٍ وَأَمَانٍ، فَلَا تَجِدُ فِيهِ غِلًّا، وَلَا تَرَى فِيهِ خِيَانَةً، لِأَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الإِحْسَانِ، اِسْتَحْيَا أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ الإِسَاءَةُ.
وإِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَتَطَبَّقُ فِيهِ مَفْهُومُ “تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ”، هُوَ مُجْتَمَعٌ مُتَمَاسِكٌ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، فيَحْمِي فِيهِ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَيُعَلِّمُ فِيهِ العَالِمُ الجَاهِلَ.
فَاجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ نَصِيباً مِنْ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّاتِ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَمُرَّ أَيَّامُكُمْ دُونَ أَنْ تَتَصَدَّقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِكَفِّ شَرِّكُمْ، وَبَذْلِ خَيْرِكُمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا: أَيْنَ مَقَامُنَا فِي هَذَا التَّدَرُّجِ النَّبَوِيِّ؟، فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَدَقَ إِيمَانُهُ، وَبَذَلَ فِي سَبِيلِكَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى إِعَانَةِ الصَّانِعِ، وَالصَّنْعِ لِأَخْرَقَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ كَفَّ شَرَّهُ عَنِ النَّاسِ فَكَانَتْ صَدَقَةً مَقْبُولَةً عِنْدَكَ.
اللَّهُمَّ اصْلِحْ أَخْلَاقَنَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَى التَّقْوَى، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ.
الدعاء
