خطبة عن (عيد الأضحى: قيم وروابط) مختصرة
مايو 24, 2026خطبة عن (رحلة الحج دروس وعبر)
مايو 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَحْكَامِ الأُضْحِيَّةِ وَسُنَنِ يَوْمِ العِيدِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162-163].
إخوة الإسلام
لَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ الإِسْلَامِ نُسكا مُبَارَكَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ، تَعْظِيماً لِشَعَائِرِهِ، وَإِحْيَاءً لِسُنَّةِ الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ألا وهو الأضحية، فتَقْدِيم الأُضْحِيَّةِ هُوَ مِنْ أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا المَوْسِمِ العَظِيمِ، فَالْعِبَادَةُ المَالِيَّةُ البَدَنِيَّةُ تَلْتَقِي هُنَا لِتُعْلِنَ خُضُوعَ العَبْدِ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الأُضْحِيَّةَ فِي حَقِيقَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ هِيَ: مَا يُذْبَحُ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ تَقَرُّباً إِلَى اللهِ تَعَالَى.
وَحُكْمُهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ القَادِرِ عَلَيْهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا».
فَالْمُسْتَطِيعُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ هَذِهِ السُّنَّةَ العَظِيمَةَ لِيَنَالَ الأَجْرَ المَذْخُورَ وَيُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَالمَسَاكِينِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِكَيْ تَكُونَ الأُضْحِيَّةُ مَقْبُولَةً صَحِيحَةً، فَقَدْ وَضَعَتِ الشَّرِيعَةُ لَهَا شُرُوطاً صَارِمَةً:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ “بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ”، وَهِيَ الإِبِلُ، وَالبَقَرُ، وَالغَنَمُ (بِضَأْنِهَا وَمَعْزِهَا).
ثَانِيُهَا: أَنْ تَبْلُغَ “السِّنَّ المُعْتَبَرَةَ شَرْعاً”؛ فَالضَّأْنُ يَكْفِي فِيهِ الجَذَعُ وَهُوَ مَا أَتَمَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَالمَعْزُ الثَّنِيُّ وَهُوَ مَا أَتَمَّ سَنَةً، وَالبَقَرُ مَا أَتَمَّ سَنَتَيْنِ، وَالإِبِلُ مَا أَتَمَّ خَمْسَ سِنِينَ، فَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِنَ السِّنِّ تَعْظِيماً لِلنُّسُكِ، وَمُرَاعَاةً لِحُقُوقِ الفُقَرَاءِ فِي نَيْلِ اللَّحْمِ الطَّيِّبِ الوَفِيرِ.
أَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَالأَهَمُّ، فَهُوَ: “السَّلَامَةُ مِنَ العُيُوبِ” الَّتِي تَنْقُصُ اللَّحْمَ أَوْ الشَّحْمَ، ولَقَدْ رَسَمَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُدُودَ القَبُولِ فِي الصِّحَّةِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عُوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي (أَيِ الهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا)».
فَاللَّهُ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّباً، وَتَقْدِيمُ الرَّدِيءِ مِنَ المَالِ لِلَّهِ هُوَ سُوءُ أَدَبٍ مَعَ الخَالِقِ الرَّازِقِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَأما الشَّرْطُ الرَّابِعُ فهُوَ: “وَقْتُ الذَّبْحِ”؛ فَلَا يَصِحُّ الذَّبْحُ قَبْلَ فَرَاغِ صَلَاةِ العِيدِ بِأَيِّ حَالٍ، فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَشَاتُهُ شَاةُ لَحْمٍ لِأَهْلِهِ، وَلَيْسَتْ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي خُطْبَةِ العِيدِ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَا نُسُكَ لَهُ» [رواه البخاري].
وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الذَّبْحِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِيدِ إِلَى غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ اليَوْمُ الثَّالِثُ عَشَرَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَلَا تَعْجَلُوا بِذَبْحِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَتَحَرَّوْا مَوَاقِيتَ الشَّرْعِ لِتَكُونَ عِبَادَتُكُمْ مَقْبُولَةً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن سنن يوم العيد وآدابه: فإِنَّ يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى هُوَ أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامُ لِهَذَا اليَوْمِ سُنَناً وَآدَاباً، يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا، لِيُظْهِرَ بَهْجَةَ الدِّينِ.
فَمِنْ “سُنَنِ يَوْمِ العِيدِ”: الِاغْتِسَالُ، وَالتَّطَيُّبُ، وَلُبْسُ أَحْسَنِ الثِّيَابِ لِلرِّجَالِ خُرُوجاً لِلصَّلَاةِ. وَمِنْ السُنن فِي عِيدِ الأَضْحَى خَاصَّةً: أَنْ لَا يَأْكُلَ المُسْلِمُ شَيْئاً قَبْلَ الخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ، حَتَّى يَعُودَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ إِذَا كَانَ مُضَحِّياً، اتِّبَاعاً لِهَدْيِ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَحْكَامِ الأُضْحِيَّةِ وَسُنَنِ يَوْمِ العِيدِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وَمِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ هَذَا اليَوْمِ: “التَّكْبِيرُ”؛ وَهُوَ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ يَبْدَأُ مِنْ مَطْلَعِ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَمُقَيَّدٌ يَبْدَأُ لِغَيْرِ الحَاجِّ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
فَلْتَلْهَجْ أَلْسِنَتُكُمْ بِالتَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ، وَفِي البُيُوتِ وَالأَسْوَاقِ؛ “اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ”.
كَمَا يُسْتَحَبُّ “مُخَالَفَةُ الطَّرِيقِ” عِنْدَ الذَّهَابِ إِلَى المُصَلَّى وَالعَوْدَةِ مِنْهُ، لِتَشْهَدَ لَكُمُ البِقَاعُ، وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَكْبَرِ عَدَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، نَاشِرِينَ السَّلَامَ وَالبِشْرَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن توزيع الأضحية: فإِنَّ كَيْفِيَّةَ تَوْزِيعِ الأُضْحِيَّةِ تَحْمِلُ رِسَالَةَ “التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ”؛ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تُقَسَّمَ أَثْلَاثاً: ثُلُثٌ لِأَهْلِ البَيْتِ، وَثُلُثٌ لِلْهَدِيَّةِ لِلأَقَارِبِ وَالجِيرَانِ، وَثُلُثٌ لِلصَّدَقَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ.
وَيَحْرُمُ بَيْعُ أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا، حَتَّى الجِلْدِ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِعْطَاءُ الجَزَّارِ أُجْرَتَهُ مِنْ لَحْمِهَا، بَلْ تُعْطَى لَهُ الأُجْرَةُ مِنْ مَالِكَ الخَاصِّ، لِتَظَلَّ الأُضْحِيَّةُ قُرْبَةً خَالِصَةً لِلَّهِ.
فاِجْعَلُوا عِيدَكُمْ مَوْسِماً لِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَمَسْحِ دُمُوعِ الأَيْتَامِ، وَتَجَنَّبُوا الإِسْرَافَ وَالمَعَاصِي فِي الأَفْرَاحِ، لِتَحْفَظُوا بَرَكَةَ الطَّاعَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنَسْتَقْبِلِ العِيدَ بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، نَقِيَّةٍ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالتَّدَابُرِ.
فاللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا ضَحَايَانَا، وَاجْعَلْهَا عِتْقاً لَنَا مِنَ النَّارِ، وبَارِكْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي عِيدِهِمْ، وَأَدْخِلِ السُّرُورَ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ مَحْزُونٍ، وأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَإِحْيَاءِ سُنَنِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ. اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ.
الدعاء
