خطبة عن (الصِّيَامُ وَاللِّسَانُ)
فبراير 22, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَمَضَانُ وَفَتْحُ أَبْوَابِ الجِنَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
في الصحيحين البخاري ومسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»، وفي رواية مسلم: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
إخوة الإسلام
لقد أقبلنا عَلَى مَوْسِمٍ عَظِيمٍ، وَتِجَارَةٍ مَعَ اللهِ رَابِحَةٍ، فهو شَهْرٌ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، ففِيهِ تَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَتُبْسَطُ الأَرْزَاقُ المادية والمَعْنَوِيَّةُ لِلْقُلُوبِ،
وتَأَمَّلُوا -عباد الله- فِي هَذَا الإِعْلَانِ الرَّبَّانِيِّ! «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» إِنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ، بَلْ هُوَ “عَرْضٌ” لَا يُرَدُّ، وَدَعْوَةٌ لِكُلِّ مُقَصِّرٍ أَنْ يَعُودَ، وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ أَنْ يَسْتَبْشِرَ،
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»: فمَاذَا يَعْنِي فَتْحُ أَبْوَابِ الجِنَانِ فِي رَمَضَانَ؟، يعني: أنه دَعْوَةٌ لِلدُّخُولِ في الجنة: فَقَدْ فَتَحَ اللهُ أَبْوَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ لِيَقُولَ لَكَ: “هَيِّئْ نَفْسَكَ لِتَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا”، فَإِذَا كَانَتِ الأَبْوَابُ مَفْتُوحَةً، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُكَ أَنْ تَقْتَرِبَ منها، وتدخل فيها؟، فإِنَّ نَفَحَاتِ الجَنَّةِ تَهُبُّ عَلَى قُلُوبِ الصَّائِمِينَ المخلصين، فَيَجِدُونَ لَذَّةً فِي الطَّاعَةِ، لَا يَجِدُونَهَا فِي سِوَاهُ.
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»: ويعني فتح أبواب الجنة: تَيْسِيرُ الطَّاعَاتِ: فحِينَ تُفَتَّحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، تَتَيَسَّرُ أَسْبَابُهَا، فَتَرَى العَاصِيَ يَتُوبُ، وَالبَخِيلَ يَجُودُ، وَالقَاسِيَ يَلِينُ، وهَذَا التَّيْسِيرُ هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ فَتْحِ تِلْكَ الأَبْوَابِ العَظِيمَةِ، فَالطَّرِيقُ إِلَى اللهِ فِي رَمَضَانَ “مُمَهَّدٌ” بِالرَّحَمَاتِ؛ فَالصَّلَاةُ تَصِيرُ أَلَذَّ، وَالصَّدَقَةُ تَكُونُ أَخَفَّ عَلَى النَّفْسِ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ تُصْبِحُ لَهَا حَلَاوَةٌ خَاصَّةٌ، فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَدْعُوكُمْ لِدُخُولِ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ خِلَالِ صِيَامِكُمْ وَقِيَامِكُمْ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133]. وَالسَّعِيُ نَحْوَ الجَنَّةِ يَبْدَأُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ.
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»: وفتح أبواب الجنة يعني: أن بَاب “الرَّيَّانِ” يَنْتَظِرُكُم :ففِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ خُصِّصَ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الصَّائِمُونَ، ففي صحيح البخاري: (عَنْ سَهْلٍ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»، فَمَنْ صَامَ رمضان فِي الدُّنْيَا، رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ البَابِ يَوْمَ العَطَشِ الأَكْبَرِ.
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»: وفتح أبواب الجنة يعني: أَنَّ الجَنَّةَ تتَزَيَّنُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ لِعِبَادِ اللهِ، وفَتْح الأَبْوَابِ يَعْنِي: أَنَّ اللهَ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِثُّ خُطَاكُمْ نَحْوَ مَرْضَاتِهِ، فإنَّ الخَسَارَةَ الكُبْرَى هِيَ أَنْ تَكُونَ الأَبْوَابُ مَفْتُوحَةً، ثُمَّ يَبْقَى الإِنْسَانُ وَاقِفاً خَارِجَهَا بِمَعَاصِيهِ.
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»: فاعلموا أَّن طَرِيقَ الجَنَّةِ فِي رَمَضَانَ يَمُرُّ عَبْرَ إِخْلَاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، فَالصِّيَامُ عِبَادَةُ السِّرِّ، لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا اللهُ، لِذَلِكَ قَالَ اللهُ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (رواه البخاري). وَالْجَزَاءُ عِنْدَ الكَرِيمِ لَا حُدُودَ لَهُ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِجَزَاءٍ يَتَوَلَّاهُ اللهُ بِنَفْسِهِ؟، إِنَّهُ الفَتْحُ المُبِينُ لِجِنَانِ الخُلْدِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ»: وإِذَا كَانَتْ أَبْوَابُ الجِنَانِ قَدْ فُتِحَتْ، فَأَيْنَ المُتَسَابِقُونَ أَوَّلًا: اطْرُقُوا الأَبْوَابَ بِالصَّلَاةِ: فَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ وَالقِيَامِ هِيَ المِفْتَاحُ الأَعْظَمُ لِتِلْكَ الأَبْوَابِ. ثَانِيًا: ادْخُلُوا مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ: فَإِنَّ الجَنَّةَ دَارُ السَّخَاءِ، وَمَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: “يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ”.
ثَالِثًا: احْذَرُوا سَدَّ الأَبْوَابِ بِالخُصُومَاتِ: فَإِنَّ الشَّحْنَاءَ وَالمُهَاجَرَةَ تَمْنَعُ رَفْعَ الأَعْمَالِ، وَقَدْ تَحْرِمُ العَبْدَ مِنْ نَسِيمِ الجَنَّةِ الَّذِي فُتِحَ لَهُ.
فيا عِبَادَ اللهِ.. شهر رَمَضَان فُرْصَةٌ لِتَكُونوا مِنْ “عُتَقَاءِ اللهِ مِنَ النَّارِ”، وَمِنْ سُكَّانِ الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى، فَلَا تَرْضَ لِنَفْسِكَ بِالدُّونِ وَالأَبْوَابُ مَفْتُوحَةٌ، وَالقِيَامُ مَشْرُوعٌ، وَالدُّعَاءُ مَسْمُوعٌ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رَمَضَانُ وَفَتْحُ أَبْوَابِ الجِنَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم:63]. وَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
فبَعْدَ أَنْ عَلِمْنَا أَنَّ أَبْوَابَ الجَنَّةِ تُفَتَّحُ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فعَلَيْنَا أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا: كَيْفَ نَضْمَنُ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَلِجُهَا ويدخلها؟،
فنقول: إِنَّ الجَنَّةَ تُنَالُ بِرَحْمَةِ اللهِ، ثُمَّ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَلْنَحْرِصْ عَلَى أَنْ لَا يَمُرَّ يَوْمٌ فِي رَمَضَانَ دُونَ أَنْ نَغْرِسَ لَنَا غَرْساً فِي الجَنَّةِ؛ بِتَسْبِيحَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ جَبْرِ خَاطِرِ مِسْكِينٍ.
واعلموا أن رَمَضَانَ مَيْدَانٌ لِلسَّبَاقِ، وَالسَّبَقُ فِيهِ يَكُونُ لِمَنْ طَهَّرَ قَلْبَهُ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالبَغْضَاءِ ، فَلَا يُعْقَلُ أَنْ تُفَتَّحَ أَبْوَابُ الجَنَّةِ لِلْعَبْدِ وَقَلْبُهُ مُغْلَقٌ بِالحِقْدِ عَلَى إِخْوَانِهِ، فاجْعَلُوا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ فَتْحاً جَدِيداً لِصَفَحَاتِ عُمْرِكُمْ، وَتَصَالَحُوا مَعَ أَنْفُسِكُمْ وَمَعَ النَّاسِ، لِتَسْتَحِقُّوا دُخُولَ دَارِ السَّلَامِ بِسَلَامٍ.
وتَذَكَّرُوا أَنَّ رَمَضَانَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ، تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَالْمَحْرُومُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَالمَغْبُونُ مَنْ رَأَى أَبْوَابَ الجَنَّةِ مَفْتُوحَةً، ثُمَّ آثَرَ القُعُودَ وَالرُّكُونَ إِلَى الدُّنْيَا، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي اغْتِنَامِ الأَوْقَاتِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الجَمَاعَاتِ، وَالإِكْثَارِ مِنْ تِلَاوَةِ الآيَاتِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكْتُبَنَا فِيهِ مِنَ الفَائِزِينَ، وَمِنْ عُتَقَائِهِ مِنَ النَّارِ.
فاللَّهُمَّ افْتَحْ لَنَا أَبْوَابَ جَنَّتِكَ، وَأَغْلِقْ عَنَّا أَبْوَابَ نَارِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُنَادَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ: “ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ القَدْرِ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الرَّيَّانِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المستضعفين، وَفَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ.
الدعاء
